ضِدَّ التيّار !!

يحيى علوان
2015 / 7 / 25

ضِـدَّ التيــار !

(1)

" إنْ ذَبُلَتْ زهـرةٌ في شجرةٍ ، أو ماتَتْ ،
فلا يعني أَبَـداً أَنَّ الشجرةَ قد ماتَتْ ..!"(ي.ع)

إحتفَلَ الغرب الرأسمالي ، وما زالَ بـ "نهاية الشيوعية والماركسية ".. بل حتى بـ"نهايةِ التأريخ" ..!
فهل إنتهتْ ، حقَّاً ، أحلامُ البشرية ولم يبقَ منها غَيرَ اللهاث وراء "المال" ؟!
في إعتقادي، أنها لم تنته ، إلاّ إذا فَنَتْ البشرية!، فـ "إنْ ذَبُلَتْ زهرةٌ في شجرةٍ ، أو ماتَتْ فلا يعني
أَنَّ الشجرةَ قد ماتتْ !"
وأذا باعَ البعضُ "مُثُلَه" ، فأنَّ أحلامَ البشرية غيرُ قابلة للبيع أو المُقايضة ! إنْ لم تستسلم لعمليةِ
"التبليـد "!

" في مَدحِ الشيوعية " كتابٌ أعدَّه ثلاثةٌ ، مِمَّن يُقالُ عنهم بـ"لغةِ اليوم " السائدة! أنْ[ لا سبيلَ إلى
إصلاحهم وإشفائهم من مَرَضِ الشيوعية ]! صدَر الكتاب عن دار "أوسيَتسكي" للنشر ــ هانوفرــ .
يضمُّ الكتابُ بينَ دفَّتيه مجموعة من منتخبات لكتاباتٍ .. تبدأُ بأفلاطونَ .. وحتى ما بعد فشَلِ وإنهيار
" التجربةِ الإشتراكية" ... تتناولُ حلُمَ البشريةِ بنظامٍ عادلٍ ، قائم على المساواة في توزيع الثروة ،
والحرية ، خالٍ من الإستغلال ... هذا الحُُلُمُ ، الذي لم يكنْ "بُدعةً" جاءَ بها كارل ماركس ، كما يتوهم
كثيرونَ ! بل كانَ موجوداً قبلَ ماركس بدهور.. كلّ ما فعله الرجل ، هو أنه قدَّمَ الأساسَ العلميَّ لتحقيقِ
هذا الحلم ، أي نقله من موضوعٍ خياليٍّ (طوباوي) إلى عملٍ ممنهجٍ ، ضمن ظروف التشكيلةِ الإقتصادية
ــ الإجتماعية للرأسمالية . كان ماركس آنذاك يستندُ إلى آخر ما توصَّلَ إليه العلم من حقائق في النصف
الثاني من القرن التاسع عشَر... بعدها حصلتْ تطورات هامة في شتى المجالات وحقول المعرفة الإنسانية ،
مما يستلزم تشخيص ما هَرِمَ في النظرية ، بهدفِ إنتاجِ معرفةٍ علمية جديدة ، صوب الهدف / الحلم .. ولا يمكن تحقيق
ذلك اليوم إلاّ بعملٍ إختصاصي (Interdisciplinary) تُشارك فيه فِرَقُ بحثٍ مختلفة .. إلخ وليس عملاً فردياً !


سأبدأ الحلقةَ الأولى في ترجمة هذا الكتاب ، بأختيار مادتين ،من بداية الكتاب وأخرى من نهايته ، كتبها إثنان
لا ترقى إليهما "شبهة" الشيوعية أو الستالينية !... إفلاطون ــ أب الفلسفة اليونانية ــ والقس النيكاراغواني أرنستو كاردينال ،
الذي عاقبه بابا الفاتيكان البولوني يوحنا بولص الثاني ، بسحب لقب القس عنه عام 1985 عندما كان كاردينال وزيراً للثقافة
في الحكومة الساندينية .

إفلا طـون (347 ق.م)

حيث لا يوجد غني ولا فقير ..

في جماعة (إقرأ مجتمع) لا يوجدُ فيها غنيٌّ ولا فقير ، هناك ستجدُ أحسنَ الفضائل ، حيث لا وجودَ
للإستهتار ولا للظلم .... فالرجلُ الفاضلُ جـداً لا يمكنُ أن يكون غنيّاً جداً ، لأن الربح المشروعَ والآخر
غير المشروع يشكلانِ سويةً أكثر من ضعف ما يمكن تحقيقه بصورة مشروعة .*




آرنستو كاردينال (1999)

نهاية اليوتوبيا ؟!

كلنا ننحدرُُ من الشيوعية . منابعنا المقدسةُ ، وآباء الكنيسة شيوعيون . فغريغور النيساني(نسبة إلى مدينة نيس الفرنسية)
يقول في البدء لم تكن الناس تعرف الكلمات المشؤومة " هذه خاصتي ، وتلك خاصّتك ". أما القِديس باسيليوس فيقول
:" مجتمعُ الكمال النموذجي ، هو ذاكَ ، الذي يُلغي كلّ شكلٍ من أشكال المِلْكيّة الخاصة ."كليمنت رومانو ، يقول
:"كل الأشياء الموجودة في العالم ، يجب أن توضع للإستخدام المشترك من قِبَلِ الجميع ."
القديس أمبروسيوس من ميلانو ، فيقول :"أراد الرب لهذه الأرض ، التي نحيا عليها ، أن تكون مِلكـاً لكل البشر ."
أما كريسوستوموس فيقول:"إنَّ مجتمعاً تُُشاع فيه الملكية ، هو الشكل الأفضل والأنسب للطبيعة الإنسانية من الملكية الخاصة ."
لم تكن هذه وغيرها من المقولات ، مجرّدَ كلمات ، إنما كانت ممارسةً حياتية في الجماعاتِ المسيحية الأولى .


* * *

إننا نتاجُ صيروراتٍ إبتدأت بـ ( Big Bang) ـ الإنفجار الكبير ــ . فنشأت في البدء مكونات الذرّة . ثم
إندمجت مع بعضها لتنشأ الجزيئاتُ عنها . وبفعلِ عواملَ متعددة ، لاسيما الكيمياوية منها ، نمَت الجزيئاتُ لتُكوِّنَ الخلية .
في البداية بقيت الخلايا منفردة ، كل لحاله. ثمَّ إندمجت مع بعضها ودخلت في عملياتِ إندماجٍ عضويٍٍ معقدٍ ،
فاكثر تعقيداً حتى وصلت إلى الدماغ والوعي البشري .. ومضت البشرية
في سُلَّم الإرتقاءِ إلى أشكالٍ أرقى من الإندماج ..إلى مجتمعاتٍ معقدة التركيب . لذلك سيكون منافياً للعلمِ
الزعمُ بأننا وصلنا آخر سُلَّم الإرتقاء والتطور. فالأنسانُ موجودٌ على الأرض منذُ مليون أو مليونين من
السنين. أما ـ الهومو سابيَنْ ـ الإنسان العاقل / الذي يستخدم عقله / فلا يزيد عمره على مئة ألف سنة ،
البعض يرى ستين ألفاً .. في حين أن الخيلَ موجودة على الأرض منذ ستينَ مليوناً . لقد بدأت الحضارةُ
الإنسانية قبلَ 10 – 12 ألفَ سنة مع إكتشاف الزراعة وتدجين الحيوانات والمِلكية الخاصة . هنا لا بُدَّ
لي أنْ أَتساءل : هل يمكننا تصوُّرُ كيفَ ستكونُ عليه البشرية في عشرة ألافِ سنةٍ لاحقة ، مئة ألفٍ؟!
.. قكيف يجري الإدعاءُ بأننا وصلنا إلى نهاية اليوتوبيات ؟!




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الحوارات الكاملة ، ج 7 ص 78 و166 ــ هامبورغ 2004