-الصعلوك-.. فنتازيا شعبية تنتصر للمهمشين

محمود عبد الرحيم
2015 / 7 / 24

"الصعلوك".. فنتازيا شعبية تنتصر للمهمشين
*محمود عبد الرحيم:
ربما يكون مسلسل"الصعلوك" هو الأفضل في دراما رمضان هذا العام، لأنه تحاشي كثير من عيوب المسلسلات، وكوارثها من مط وتطويل، وبناء مترهل ومفكك وحكايات وشخصيات نمطية مكررة، وما يترتب على ذلك من بطء الإيقاع والملل، فضلا عن أداء بارد للممثلين.
فعلي العكس تماما، كان كل مشهد يكمل ما قبله، ويرتبط بما بعده، ويقود لتطور درامي للأحداث والشخصيات، وصولا إلى الذروة، فلحظة التنوير، والكشف، فالنهاية، علاوة على الذرى، أو الأزمات الصغرى والمؤثرات الدرامية التي تصنع تشويقا، وتجعل المتفرج يندمج مع الأحداث، وينتظر ما تؤول إليه بشغف.
وقد أحسن محمد الحناوي كاتب السيناريو في اختيار حكاية أقرب للفنتازيا الشعبية والقصص التي يرويها رواة السير والمطربين الشعبين في الموالد، وأعطاها بعدها الشعبي أو الخرافي إن جاز التعبير، مع ربطها باللحظة الراهنة لتقريب الحكاية من الجمهور وتسهيل اندماجهم معها.
حيث ركز على معالجة قصة كفاح وصعود عفوية لمحروس مجهول النسب والذي بلا أوراق ثبوتية، ويبدو معتوها بدرجة ما، وصاحب كرامات مستمدة من أحد الأوليا الذي يقوم على خدمة ضريحه.. حيث يهب لنجدة المأزوم، ويساعد الجميع، ويشعر الكل بضيق لغيابه عن حارته الشعبية، والذي رغم أنه رقيق الحال وأمي يخوض معركة مع أحد كبار الرأسمالية المتنفذين، وينتصر عليه، بل يحرك المياه الراكدة في الحارة، ويعيد الروح والأمل لكثيرين، ويقتص للمظلوم، ويدخل الفرح على من حوله، بل ويصبح شهيرا وصاحب برنامج تليفزيوني.
وربما ما أنقذ هذا العمل من الوقوع في فخ السذاجة والمباشرة هو
الاهتمام بالتفاصيل في بناء الأحداث والشخصيات والتنوع الشديد فيهما، وإبراز المتناقضات بين أبناء نفس الوسط الاجتماعي أو بينهم وبين وسط آخر، بين سكان الحارة وسكان القصر، وتقديم صورة بانورامية للواقع المعاش بخلفياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، مع تقديم الصراع الطبقي بشكل غير فج ولا مباشر، وتسليط الضوء على مدى الظلم الواقع عليه هذه الطبقات، سواء المتعلم منها أو الجاهل، خاصة ما يتعلق بفقدان الأمل واليأس أو الضغوط الاقتصادية شديدة الوطأة والعوز الذي يمس بالكرامة، بل وحق الحياة ذاته، بالمقاربة مع أزمات الطبقة العليا التي تتمحور حول الفراغ وبرودة المشاعر وعدم التحقق أو التشبع من كل شئ، والحياة بمنطق حسابات المكسب والخسارة التي لا تخلو من جشع واستغلال للأضعف، واستعلاء على ما دون "طبقة النبلاء".
ومن الملاحظات التي تؤخذ على هذا العمل هو أن البطل كان أحيانا ما ينطق بلغة أعلى من مستوى شخصية جرى تقديمها كفقيرة وجاهلة، بل وأقرب للعته.
وفي تصوري،أيضا، لو انتهى المسلسل عند مشهد المحكمة الأول وخسارة محروس قضية إثبات نسب طفلته من بنت الرأسمالي الكبير بعد استغلال سطوة المال والنفوذ، وحديثه أن خسارة معركة ليست نهاية العالم وأنه مستمر في نضاله للحصول على حقه، كانت ستكون نهاية قوية جدا، وأقرب للواقع من النهاية الأخرى الذي حكم القضاء له، ثم تم استثماره إعلاميا
ومنحه برنامج تليفزيوني، حيث بدا أن ثمة تزيدا ومبالغة، ومحاولة تملق الجمهور بنهاية سعيدة ينتصر فيها كل الأخيار على كل الأشرار ويعيشون في تبات ونبات بمنطق الحكايات الخيالية القديمة.
ومع ذلك يبقي العمل جيدا، خاصة أنه في مناطق كثيرة يقترب من رصد الواقع ومعاناة الجماهير العريضة، ويكسر هذا الجمود بحالة الحلم أو الخيال أو الخرافة.
وميزة مثل هذه الأعمال أنها تقدم متعة فنية لها بعدها القيمي كذلك، وليس الترفيهي فقط، حيث تؤكد على تكريس قيمة الحق والعدل والانتصار لهما، وتبث الأمل في نفوس الناس، وترسل برسالة مفادها أنه مهما كان المرء يبدو ضعيفا، فإنه بصموده ومقاومته وإصراره يمكنه قهر الظلم، وإن كان يجب الإشارة إلى نقطة أن قصة البطل الشعبي الملهم وإن كانت تثير إعجاب الجمهور، فإنها في جانب منها قد تدعو للتواكل وانتظار المخلص.
ويحسب للمخرج مع المونتير هذا الإيقاع السريع المتميز الذي يخلو من الترهل والملل، كما ينبغي الإشادة بدوره أيضا في ضبط إيقاع الممثلين وخلق تناغم بين أداء كل فريق العمل، وتقديم كثيرين بصورة أفضل مما يظهرون بها في أعمال أخرى، أو إعادة اكتشاف القدرات التمثيلية للبعض.
وينبغي الإشارة في هذا السياق إلى تألق بشكل خاص أداء خالد الصاوي وتقمصه لشخصية محروس بعمق شكلا وموضوعا اللهم إلا قليلا، وكذلك ممثلين كبار كصبري عبد المنعم الذي أجاد في تجسيد شخصية مدرس التاريخ المهان الذي انكسر أمام زوجته وأولاده بعد أن قبل أن يكون ماسحا للأحذية وحسن حسني الذي جسد بقوة شخصية تيمور يكن الرأسمالي شديد الصرامة والقسوة حتى على أبنائه، وحمدي الوزير"غيبوبة" هذا المناضل القديم الذي استسلم لليأس ثم أفاق في النهاية، علاوة علي وجوه شابة أعلنت عن نفسها بقوة في هذا العمل كميرهان حسين سائقة التوتوك التي تلبس قناع ذكوري وتكبت مشاعرها ومظهرها الأنثوي من أجل إعالة أسرتها المعدمة، وهدى الإدريسي السيدة الحالمة المتمردة على طبقتها، ونسرين يوسف التي لعبت بإتقان دور الفتاة المحبطة التي يعاقبها المجتمع لفقرها وتصر على المقاومة، وممثلة ينتظر أن يكون لها شأن كبير في عالم الكوميديا هي إيمان أمام .
*كاتب صحفي وناقد
email:mahmoudreheem@hotmail.com