رجل وضع العراق بين المريخ والمشتري

عصام عبد العزيز المعموري
2015 / 7 / 22

ارتبط اسم علم الفلك بعد الخمسينيات من القرن الماضي في العراق بثلاث شخصيات تمثلت بالدكاترة عبد الجبار عبدالله الذي عيّنه الزعيم عبد الكريم قاسم رئيسا" لجامعة بغداد وعبد العظيم السبتي استاذ الفلك في كلية العلوم جامعة بغداد لما يقارب ثلاثة عقود والمقدّم والضيف شبه الدائم لبرنامج (العلم للجميع ) وكلاهما صابئيان مندائيان ود0حميد مجول النعيمي .
لا أعلم سر ارتباط الصابئة المندائيين بعلم الفلك ولكنني عندما بحثت في كتب التفسير للقرآن الكريم عن تفسير كلمة (الصابئين) في الآية القرآنية الكريمة رقم(62) من سورة البقرة :( ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا" فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) وجدت أن تفسير كلمة (الصابئين ) هي (عبدة الملائكة أو الكواكب) وسواء اتفق البعض مع هذا التفسير أو اختلف فهنالك علاقة بين الصابئة وعلم الفلك وعندما كنا طلابا" في قسم الفيزياء في كلية العلوم جامعة بغداد عام 1977 كان د0عبد العظيم السبتي يدرّسنا مادة (فيزياء الفلك) فكان عندما يسألنا سؤالا" في الفلك ويطلب أحد زملائنا الطلبة الصابئيين الاجابة عنه يرفض تلقي الاجابة منه وكنت أستغرب هذا السلوك منه واليوم بدأت افسر ذلك بأن الدكتور كان يعي بأن الاجابة عن الأسئلة المتعلقة بالفلك من بديهيات الفرد الصابئي .
تعلمنا في الفيزياء أن الصوت لا ينتقل في الفراغ وانما يتطلب وسطا" ماديا" لكي ينتقل فيه عكس الضوء الذي ينتقل في الفراغ ..والابداع شأنه شأن الصوت لا ينتقل في الفراغ ..كيف يمكن لرجل من مواليد العمارة قلعة صالح عام 1945أن يصبح نجما" لامعا" في عالم الفلك ويجعل علماء الفلك يستبدلون اسم كوكب (الاسترويد) الذي يبعد عن الكرة الأرضية 308 مليون كم باسم(كوكب د0عبد العظيم السبتي) ذلك الكوكب الذي يدور بين المريخ والمشتري ..كيف يمكن لابن قلعة صالح ان يضع العراق بين المريخ والمشتري لولا الوسط أو البيئة الابداعية التي عاش فيها فلقد أكمل كلا" من دراسة البكلوريوس والماجستير والدكتوراه في فيزياء الفلك من جامعة (مانشستر) في المملكة المتحدة وبقي الى يومنا هذا يتفاعل مع تلك البيئة الابداعية مؤثرا" ومتأثرا" فهو يعمل حاليا" زميلا" باحثا" في مرصد جامعة لندن وعضو المجموعة المتقدمة لتطوير مشاريع اتحاد الفلكيين الدولي وعضو هيئة المرصد الفضائي العالمي ومستشار مشروع المرصد والقبة الفلكية في (كورنوال).
ماهو شعور د0عبد العظيم السبتي عندما يرى أنه لم يكرم في الأرض في بلده بينما يكرّم في السماء لدى الغرب؟ عندما نستعرض السيرة العلمية لهذا الرجل ومدى انجازاته في بلده نرى انه أسهم في تأسيس القبة الفلكية والمرصد الفلكي في العراق فوق قمة جبل كورك –أربيل والذي لم يكتب له الانجاز بسبب الحرب العراقية الايرانية وهو بمراحله النهائية وتوقف العمل بسبب الأعمال الحربية ومن ثم اصابته بأضرار كبيرة من جرائها وعندما هاجر الى المملكة المتحدة في تسعينيات القرن الماضي وعاد الى العراق عام 2005 حاول احياء مشروع مرصد كورك الا أن جميع جهوده باءت بالفشل لعدم جدية الأطراف صاحبة العلاقة .
رغم كل هذا الانجازات وغيرها الكثير لبلده لم ينل د0عبد العظيم السبتي تكريما" على الأرض من أهله لكنه وجده عند اتحاد الفلكيين الدولي في واشنطن عندما كرّمه بإطلاق اسمه على كويكب (الأسترويد) تثمينا" لإنجازاته في مجال علم الفلك وتقديرا" لمكانته العلمية.
عندما كنا مدرسين حديثي التخرج ولأننا خريجو كليات غير تربوية تم زجنا في دورات في طرائق التدريس وعلّمونا بأن المدرس يجب أن يمتلك (مشط) لكي يكون فعالا" في التدريس واستغربنا من علاقة التدريس الفعال بالمشط ..هل ان وظيفة المشط تتعلق بحسن المظهر للمدرس أم ماذا؟ وفيما بعد عرفنا أن (مشط) هي الأحرف الثلاثة الاولى من ثلاث كلمات هي (مادة ,شخصية ،طريقة) بمعنى أنك لن تكون مدرسا" فعالا" ما لم تمتلك تمكنا" في مادتك العلمية التي تدرّسها وتكون ذا شخصية متميزة تمتلك تفردا" عن غيرك ولست نسخة من الآخرين وتدرّس بطريقة متميزة.
وعندما أتقصى مدى توفر المشط لدى د0عبد العظيم السبتي أجد أنه صاحب خزين معرفي هائل في مجال اختصاصه وصاحب شخصية متميزة الا أنه يفتقد الى الطريقة الفعالة المتميزة في التدريس فلم يكن درسه جذابا" عندما كان يدرّسنا مادة (فيزياء الفلك) وكنت أشعر بالنعاس في درسه وأرى أنه يصلح للبحث العلمي أكثر من التدريس .