تهميش المتن وتمتين الهامش: حمدين والثوار

حاتم الجوهرى
2015 / 7 / 15

هناك تيار منذ انطلاق الثورة المصرية يحاول تحميل الثوار وحدهم، تبعة انتصار الثورة سياسيا أو هزيمتها! ويطالب الثوار بالانتظام المبين فى أشكال سياسية واضحة وعاجلة، ويطالبهم بتحمل المسئولية السياسية الكاملة للبلاد، ويطالبهم بتقديم بدائل سياسية واقعية وناجزة للشارع المصرى! والحقيقة أن هذا التيار ظهر أساسا على يد النظام القديم، واتبع عدة وسائل فى تشويه الثوار وتشويه الحركات السياسية المعبرة عنها (ائتلاف شباب الثورة أنموذجا)، وكان تعامل رجال المعارضة مع الثوار فى البداية يقوم على الاحتواء ومحاولة التوظيف.

الانقلاب على الثوار:
لكن المرحلة الحالية وصل فيها تباين وجهات النظر السياسية والثورية بين النظام القديم ومعارضته التاريخية من جهة (المعارضة التى ما تزال تعتقد فى جدوى تكتيكات المعارضة القديمة؛ طمعا فى بقاء النظام وإصلاحه من الداخل، بوصول احد الأيديولوجيات النمطية الجاهزة لأحد هذه الفصائل لسدة الحكم) وبين ثوار مصر غير المنظمين من جهة أخرى، وكان لابد من تقليم أظافر الثوار والحركات السياسية المعبرة عنهم، فزج ببعضهم فى السجن، واعتقل البعض الآخر، وحوصر بعضهم ومنع كلامه من الوصول للمنابر الإعلامية والعامة!

البحث عن خلاص:
مؤخرا كتب المناضل الناصرى المعروف، والمعارض السياسى صاحب التاريخ، والمرشح الرئاسى السابق/ حمدين صباحى مقالا بعنوان: سيدنا الشعب، استخدم فيه لغة عاطفية وأدبية وإنسانية جميلة وراقية، وحاول رسم صورة متكاملة ومتراتبة لمشهد الثورة منذ انطلاقها وحتى اللحظة الآنية، وكان وكأنه يستجمع شتاته تمهيدا لامتلاك القوة النفسية لمواجهة المشهد السياسى لمصر مرة أخرى، ويستجمع قوته الروحية للحديث باسم الثورة مجددا! وحاول استحضار والاتكاء على مفردة "الشعب" وكأنه اكتشاف وكأن الشعب كان فى حالة غياب، ولم يكن هو قلب الثورة التى أفرزت طليعتها فى الميادين وقدمت أفضل ما فينا!
وهذه حالة قد نسميها فى علم السياسية؛ البحث عن خلاص مرحلى من تراكم ثقيل، وذلك فى ظل تشابك المشهد وتداخل الجميع فى بنية المشكلة ومركزية فكرة الاستبداد، أو من جانب آخر فى ظل "الثورة القيمية" وصراعها مع منظومة "قيم التكيف" التاريخية فى مصر؛ قد يعد ذلك محاولة حقيقية للبحث عن "التطهر القيمى" والانطلاق مجددا والتخلص من عبء صراع قيمى وأخلاقى يطارد البعض دون هوادة!

الثوار ككبش فداء:
الواقع أن المناضل المحترم/ حمدين صباحى جانبه الصوب بعض الشئ، حينما اختار أنبل ما فى المشهد ليحاول التطهر على حسابه، اختار المعارض المحنك للنظام أن يوجه سهام نقده للثوار، وأن يقف منهم موقف الناصح الأمين: بألا يهينوا مصر! وألا يهينوا المصريين! وألا يهينوا الثورة! وألا يكونوا معول هدم! وألا يتعالوا على المشهد ويقفوا منه موقف القضاة والجلادين! مشبها إياهم بأمثولة موسى والخضر عليهما السلام الواردة فى القرآن! وكأن الثوار ليسوا هم لسان حال الشعب الطيب، ومجرى أمثاله وحواديته عن التضحية والفداء والصمود.

السياسى كأيقونة والثوار بلا هدى:
كانت النقطة الأبرز التى طرحها حمدين، والذى أكن له كل الاحترام والتقدير بصفته أحد مفردات المشهد التاريخى المصرى، أنه أخذ الأمر لأبعد من ذلك، وتطرق لمحاولة التنظير مفرقا من وجهة نظره بين الثوار وبين السياسيين (من أمثال رجال معارضة النظام التاريخية)! ووصف رجال المعارضة السياسية أصحاب البرامج الجاهزة التاريخية بأنهم الثوار الحق أو بمصطلحه وصفهم بـ "الثورى"! ووصف ثوار مصر غير المنظمين والذين حملوا الثورة على عاتقهم بمصطلح "الثائر" الذى يثور دون هدى ولا يملك برنامجا سياسيا للمستقبل ولا يعنيه سوى الهدم (فى تكرار لنمط قدمه إعلام النظام كصورة نمطية وجاهزة للثوار)!

فى المتن والهامش:
وفى الواقع أن المتن يقول بغير ذلك! المتن وتاريخ الثورة يقول بارتباط المسار الثورى وتقهقر النظام للوراء بخطوات الثوار ووجودهم فى الميدان عبر مليونيات ذات طابع سياسى واضح! فهنا كان الثوار يقدمون أعلى درحات الوعى السياسى حين كان النظام يتراجع ويقدم لهم التنازلات السياسية عشية مليونياتهم! ويقف السياسيون من المشهد موقف المتفرج، الذى يتحين الفرصة للدخول وإثبات حضوره فى دفتر ميدان الثورة!

أزمة الهامش:
والأزمة الهامش كانت عجز المعارضة التاريخية لنظام مبارك عن صنع بديل سياسى وتقديمه للناس كاختيار من بين اثنين أو من بين متعدد! والأزمة/ الهامش التى تحاول أن "تتمتن" كانت عجزهم عن تقديم مسار سياسى ثورى، فى لحظات فارقة ظنا منهم –وبحس نية بالطبع- أن اللحظة غير مواتية!


صمود المتن:
المتن هو الثوار والثورة التى تقف الآن ولا تهادن، وتدفع الثمن الآن غاليا من أفضل رجالها وفتياتها، المتن هو الصمود وعدم الانحناء أمام النظام القديم والعسكر وخيارات المعارضة الإصلاحية (مع كل التقدير والاحترام لهم ولمسارهم التاريخى الذى يحكمهم بشبكة علاقاته)، المتن هو انتظار اللحظة المناسبة التى سينتظم فيها الثوار فى فكرة رئيسية تكون القلب الذى يتحمل المسئولية السياسية للبلاد وينتج بديلها السياسى الثورى..
المتن هو دماء الثوار وحريتهم التى هى مصباح الطريق، والهامش هو المسار التاريخى الذى يقيد الفصائل السياسية ويصيبها بالعجز، رغم بياض السريرة وحسن النية.

إصلاح النظام أم تغييره:
أزمة الناصريين فى المشهد ونقطة ضعفهم، التى أشرت لها مرارا فى مقالاتى هى: دور السياسى للمؤسسة العسكرية فى تاريخ مصر المعاصر، حلم إصلاح التجربة الناصرية هو البرنامج الجاهز الذى يحاجج به حمدين صباحى الثوار غير المنظمين! ومن حقه وحق أى تيار سياسي أن يلتف حول أيديولوجيته ويسعى لانتصارها بطبيعة الحال، لكن أن يصفها بالثورية وينزع تلك الصفة عن الثوار غير المنظمين (ويصفهم بالثائرين وكأنها سبة) تلك أزمة هامش حمدين الذى حاول أن يجعله متنا على حساب أطهر ما فينا!

معادلة التكيف والتخلص من الثوار
النظام يعيد إنتاج نفسه، وكذلك تعيد المعارضة إنتاج نفسها، معادلة التكيف التاريخية (انظر كتابى المصريون بين التكيف والثورة)، تعود فى محاولة لضبط المشهد من جديد، المعادلة الآن لا تحمل نشازا أو "هامشا" من وجهة نظرهم (النظام ومعارضته) سوى: ثوار مصر غير المنظمين! حمدين صباحى أراد أن يتطهر قيميا ويتخلص من العبء النفسى لذبح الثوار فى السجون والمعتقلات، أراد أن يقدم بيانا يحمل فيه لـ"المتن" أزمة "الهامش"، المتن هو الثورة القادمة مهما حاولوا خلق طبقات وأنظمة وبدائل لها مصالح فى الوقوف ضدها، عاجلا أو آجلا سوف يتفجر الصراع القيمى مجدد، وما محاولة المناضل السياسى حمدين صباحى إلا تطهرا من دماء الثوار التى تراق فى السجون والمعتقلات!

كى يكون العود أحمد:
الجانب الإيجابى فى مقال حمدين صباحى وبكل موضوعية، هو محاولة العودة للمتن والقيام مجددا بدور قادم بعد غيابه سياسيا فى فترة عزل مرسى، لكن السلبى جدا هو أن يكون ذلك على حساب تحويل المتن إلى هامش وتقديم المبررات الضمنية للتنكيل بالثوار غير المنظمين وترديد مقولات أنهم يتجاوزون فى حق مصر والمصريين، وحتى بهدف كسر الحاجز النفسى بين ثورية الشباب غير المنظم وبين معادلات المعارضة التاريخية..!
لقد احترق نظام مبارك، واحترق الإخوان، والدور السياسى للعسكر فى دوره للزوال رغم تجبره، هو لن يصل إلى الزوال إلا حينما يصل لقمة جبروته واعتقاده انه أصبح قادرا على الأرض ومن الجبارين! الذين يراهنون على بقاء النظام ولعبهم دورا حاليا أو مستقبلا بأى ذرائع سياسية أو بتوصيفها توصيفا ثوريا وتمتينها بعد أن كانت هامشا، لن يجدى!

الختام والعتاب الجميل:
الثورة هى إنتاج قلب جديد تنتظم حوله منظومة القيم الجديدة، وليست تقديم القديم الجاهز على أنه المتن والمستقبل والثورى والمعبر عن الشعب وسيادته! وتشويه الثوار غير المنظمين وتحويلهم لهامش، ووصفهم بانعدام الرؤية والبصيرة كمطية لهرسهم فى المرحلة الحالية، وتبرير تنكيل النظام بهم.
كل العتاب الجميل لحمدين صباحى؛ وأتمنى ألا يكون ذلك مقدمة لشراكة المعارضة التاريخية مع النظام وفق سيناريو ما، على حساب كبش فداء (آلام الشعب وطموح ثواره)، قد يظن حمدين أن العناية الإلهية سوف تنزل فى اللحظة الأخيرة بأمر الفداء العظيم (كما فى قصة خليل الله إبراهيم عليه السلام).. فيكسب حمدين الثوار وترفع السكين من على رقبتهم، ويكسب وجوده كمعارض فى معادلة النظام القديم، وكبديل محتمل لاسترجاع الحلم الغابر، ذلك الملفوف بالكوابيس والاستبداد والضباب والقهر والعوز.