أدوارد سعيد وسمات المبدع

عصام عبد العزيز المعموري
2015 / 7 / 15

سمات المبدع :المفكر الفلسطيني (أدوارد سعيد أنموذجا")
محاضرة ألقيتها في اتحاد أدباء وكتاب ديالى
الاستاذ المساعد الدكتور عصام عبد العزيز المعموري – بعقوبة – العراق
في محاولة متواضعة لاستقصاء بعض من سمات المبدع من أدبيات الابداع حاولت التعرف على مدى انطباقها على المفكر الفلسطيني د0أدوارد سعيد وكانت الحصيلة كما يأتي :
1- السمة الاولى للمبدع هي امتلاكه خلفية واسعة وعميقة في حقول علمية وأدبية مختلفة (كثير القراءة) ومتعدد الاهتمامات . لقد كان د0أدوارد سعيد باحثا" وناقدا" ومؤرخا" وكاتبا" للسيرة الذاتية كما يتضح ذلك في كتابه (خارج المكان ) وأكاديميا" من طراز فذ واستثنائي فنشاطه السياسي من أجل فلسطين لم يمنعه من الاهتمام بالنشاط الأدبي والثقافي والموسيقي فهو لم يكن من عشاق الموسيقى ومن متذوقي الكتابات الابداعية الأدبية فحسب بل كان عازف بيانو وكتب الكثير من الموضوعات المتعلقة بالموسيقى والفنون وله مؤلفات ومقابلات عدة حول الموسيقى كما ناقش قضايا ثقافية وفنية وأدبية وموسيقية من خلال ندوات ومحاضرات ومقابلات نشرت في الصحف العربية والغربية حيث كان قادرا" على ربط الموسيقى ببعدها الثقافي والسياسي والاجتماعي وتكريما" له فقد أطلقت جامعة (بيرزيت) على مدرستها الموسيقية اسم معهد سعيد للموسيقى ..وان تناول سيرة (أدوارد سعيد ) الذاتية ومسيرته المهنية والنضالية مهمة صعبة جدا" لأن نشأته واهتماماته ودراساته وكتاباته متشعبة ومتشابكة من حيث الزمان والمكان وهو الى جانب كتاباته وكتبه حول القضية الفلسطينية كان عضوا" مستقلا" في المجلس الوطني الفلسطيني لعقود طويلة الى أن استقال عام 1991 منذ مؤتمر مدريد واحتج بشدة على اتفاق اوسلو بين منظمة التحرير والحكومة الاسرائيلية مؤكدا" أن هذا الاتفاق لن يقود الى اقامة الدولة الفلسطينية المنشودة .
2- السمة الثانية للمبدع هي أنه أكثر تلقائية من زملائه الآخرين وأكثر استقلالا" في الحكم ..يعارض رأي المجموعة اذا شعر أنه على صواب وأكثر جرأة ومغامرة وأكثر تحررا" وأكثر ضبطا" لذاته وسيطرة عليها.
وتأكيدا" لامتلاكه هذه السمة فانه كان يتلقى التهديدات في القتل هو وعائلته طوال حياته كما قال يوما" وأطلقت عصبة الدفاع عن اليهود لقب النازي عليه وفي نفس السنة أضرم أحدهم النار في مكتبه في جامعة كولومبيا .
وفي الاستشراق كان متفردا" في آرائه التي نشرها في كتابه (الاستشراق) التي يمكن تلخيص أبرز ملامحها بما يأتي :
- ان الدراسات الغربية للحضارة العربية الاسلامية والصور الرومانسية التقليدية تجاه الشرق مغرضة لأنها تبرر الهيمنة السياسية على الشرق وأن الغرب لديه رؤية نمطية للشرق في الفن والأدب ودائما" يتم اظهار الشرقيين بأنهم ضعفاء وغير عقلانيين .
- كان يربط دراسات الاستشراق منذ بداية انطلاقتها بظهور الحركة الصهيونية وولادة مشروع تهجير اليهود الى فلسطين مع انتشار الثقافة الإمبريالية في اوروبا وكشف في كتابه حول القضية الفلسطينية الحقائق التاريخية للشعب الفلسطيني ردا" على المزاعم اليهودية والاستعمارية المروّجة لأكذوبة لا شعب في أرض فلسطين فقدّم عرضا" شاملا" بالوثائق للخصائص التاريخية والجغرافية والاجتماعية لفلسطين وشعبها حيث يعيش مجتمع متمدن .
- في كتابه (تغطية الاسلام )الصادر عام 1997 يقول (ان التغطية الاعلامية للإسلام مليئة بالمغالطات وبعيدة عن الموضوعية حيث يتم تصوير الاسلام كدين يتميز بالعنصرية العرقية والكراهية الثقافية في حين تحظى المسيحية واليهودية باحترام كبير ) ويستشهد سعيد بدور الصحافيين المرسلين الى مناطق النزاعات والذين ليس لديهم معرفة بهذه المجتمعات فمثلا" خلال أزمة الرهائن الأمريكيين اثناء الثورة الايرانية تم ارسال ما يقارب من 300 صحفي دون أن يكون بينهم صحفي يعرف اللغة الفارسية ..الشيء الذي يجعلهم يكتبون تقارير شبه جاهزة وأحيانا" سطحية لا تعدو أن تكون مجرد قوالب شكلية ومعدة من قبل .
ويستغرب سعيد كيف أن طالب الماجستير أو الدكتوراه المتخرج من الجامعات الأمريكية أو الاوروبية في مجال الشرق الأوسط تجده لا يتقن اللغة العربية وان ارتباط كلمة العالم الثالث بالشرق الأوسط جعلت الغربيين ينظرون نظرة دونية لعالم الشرق الأوسط وساعدت سطوة وتقنية الاعلام الأمريكي على العالم عموما" والعالم العربي خصوصا" على تبني وتثبيت أفكار هذا الاعلام من قبل المستقبلين والمستمعين .
3- السمة الثالثة للمبدع هي أنه يعاني توترا" شديدا" للتوفيق بين المتعارضات الكامنة في طبيعته مع محاولته تحمل ذلك التوتر والحد منه فهو ثائر لكنه لا يعمل ضد المعايير الاجتماعية ،يتميز بالاندفاع وسرعة الاستثارة وعدم ضبطه لتعبيراته الانفعالية ،وفي نفس الوقت يتميز بقوة الارادة واحترام المطالب الاجتماعية والطموح والقدرة على ضبط الانفعالات ..بمعنى أن المبدع يعاني من صراع الفردية والتقبل الاجتماعي الى حد الشعور بالاغتراب ..فالطفل المبدع مثلا" اما أن يصير مقبولا" من أقرانه ويؤدي ذلك الى التضحية بالابداع أو يصبح مغتربا" عن جماعته اضافة الى نبوغ المبدع قد يستثير لدى الآخرين مشاعر النقص والاحساس بالدونية وبالتالي قد تصدر عنهم بعض الاستجابات الدفاعية ازاءه والتي تتمثل في سلوك الرفض والعدوان شعورا" منهم بالتهديد من الانجاز غير العادي الذي يحرزه المبدع .
ان حالة الاغتراب التي عاشها أدوارد سعيد بدأت منذ ولادته حيث ولد في الأول من تشرين الثاني عام 1935 لوالد مقدسي يحمل الجنسية الأمريكية وهو من الديانة المسيحية الأرثدوكسية وكان رجل أعمال وخدم في الحرب العالمية الاولى وقد انتقل الأب الى القاهرة قبل ولادة أدوارد سعيد بعقد وأم من الناصرة وكانت نصف لبنانية وبدأ دراسته في القدس ثم القاهرة وبعدها في الولايات المتحدة أما شقيقته فهي المؤرخة (روز ماري سعيد زحلان )وعاش أدوارد حتى سن الثانية عشر متنقلا" بين القاهرة والقدس وقد التحق في المدرسة الأنجليكية ومدرسة المطران في القدس عام 1947 لكن أحد المحامين الاسرائيليين زعم بأن أدوارد سعيد قد قضى هذه الفترة في القاهرة ولم يلتحق بمدرسة المطران في القدس سوى فترة قصيرة وكان أدوارد وعائلته في القدس شتاء 1947 و1948 وهاجر مع أهله خارج فلسطين على خلفية الحرب ،وأملاك العائلة صودرت وأصبحت عائلته من اللاجئين لرفض اسرائيل عودتهم الى البلاد التي ولدوا فيها . حيث درس ودرّس في الجامعات الأمريكية وانطلق في مشواره التعليمي في الولايات المتحدة من مدرسة داخلية في ماساتشوتس حيث عاش حياة تعيسة بسبب احساسه بالمنفى الحقيقي لكنه استطاع بالرغم من معاناته الذاتية وصراعه مع الغربة أن يتفوق حيث تابع دراسة الفن وحصل على البكالوريوس من جامعة برنستون عام 1957 وماجستير بالفن عام 1960 من نفس الجامعة ويتابع دراساته حيث نال درجة الدكتوراه في اللغة الانكليزية والأدب المقارن من جامعة هارفارد وبعد حصوله على شهادة الدكتوراه انضم الى هيئة التدريس في جامعة كولومبيا في قسم اللغة الانكليزية والأدب المقارن كما عمل برتبة أستاذ زائر في الأدب المقارن بجامعة هارفارد عام 1974 وظل يمارس التدريس الجامعي الى أن حاز لقب استاذ جامعي متميز في جامعة كولومبيا وهذا المنصب يعتبر أعلى درجة أكاديمية في تلك الجامعة .
4- السمة الرابعة للمبدع هي أن أفكاره تثير الدهشة ومثابر في الأعمال العقلية ويظهر المبادأة في مجال عمله ويميل الى التفكير والتفاعل مع الأفكار ويمتلك الاستقلالية في
الفكر والعمل .
أنجز أدوارد سعيد مؤلفات كثيرة كان لها دور في زعزعة قناعات كانت سائدة قبله منها (الاستشراق ) ومن كان راغبا" في معرفة مدى حبه ودفاعه عن الاسلام وعشقه لحوار الأديان والحضارات فليقرأ كتابه (تغطية الاسلام ) ومن أراد التعرف على سيرته عن قرب فعليه بقراءة كتاب (خارج المكان ) وهو الكتاب الأخير الذي كتبه قبل رحيله ، أما من أراد التعرف عليه ناقدا" وباحثا" فعليه أن يقرأ عددا" من كتبه في طليعتها (العالم والنص والناقد ) ومن كتبه المتميوة أيضا" كتاب (المثقف والسلطة) وكتاب (القضية الفلسطينية ) وكتابين حول اتفاق أوسلو بعنوان (غزة أريحا :سلام أمريكي) و(أوسلو سلام بلا أرض) ثم كتاب (نهاية عملية السلام ) عام 2000 الذي شارك بعده في اطلاق المبادرة الوطنية الفلسطينية مع مصطفى البرغوثي وحيدر عبد الشافي بهدف خلق قوة فلسطينية ثالثة تقوم على قاعدة ديمقراطية بعد احتدام الخلافات بين حركتي فتح وحماس .
5- من خلال استعراض السير الذاتية لكثير من المبدعين كان كثير منهم قد فشل في المدرسة أو طرد منها أو لم ينتظم فيها أو أنهى تعليمه مبكرا" أو وصفه معلموه بالكسل والاهمال ..فها هو (اينشتاين )حيث أبلغ مدير المدرسة والده بأنه لن ينجح أبدا" في أي شيء وقد طرد من المدرسة مع تحذير المدير لأبيه بأن وجوده في الصف مشتت لانتباه زملائه ..أما الشاعر الانكليزي (سكوت فيتزجيرالد) فقد فشل في دراسته ولم يتجاوز تقديره فيها مستوى مقبول أبدا" وقد وجد نفسه يوجه خطابا" الى مدير مدرسته يقول فيه (لقد اكتشفت أنني أنفقت سنوات طويلة من عمري أحاول أن أتواءم مع منهج أعد أولا" وقبل كل شيء للطالب العادي أو المتوسط) .
التحق أدوارد سعيد بكلية فكتوريا في الاسكندرية وطرد من الكلية عام 1951 كونه مشاغب ليرسله والده الى مدرسة داخلية نخبوية في الولايات المتحدة في (ماساشوستس) وقد ذكر سعيد بأنها كانت سنة تعيسة شعر فيها خارج المكان مالبث سعيد أن أدار نفسه بشكل جيد ويحسن صنيعا" في المدرسة ليحوز الترتيب الأول أو الثاني على 160 طالب وقد أثرت هذه السنة على حياته المستقبلية لمقابلته أناس من ثقافات عدة وتولد لديه الاحساس بخارج المكان .
هنالك الكثير من سمات المبدعين لا يتسع المجال لذكرها التي يمتلكها هذا المفكر الفلسطيني الذي توفي في احدى مستشفيات نيويورك في صباح 25 سبتمبر (أيلول) عن عمر ناهز 67 عاما" بعد صراع دام 12 عاما" مع مرض اللوكيميا وكان قد أوصى أن ينثر رماده في دول عربية واختار لبنان ونقل رماده في 30 أكتوبر 2003 الى لبنان في مقبرة (برمانا الانجيلية) في جبل لبنان .
المصادر
1- مجلة العربي الكويتية العدد 655 يونيو 2013.
2- زيتون ،عايش:تنمية الابداع والتفكير الابداعي في تدريس العلوم ،ط2،عمّان،دار عمّار للنشر والتوزيع ،1999.