ثلاث أزمات وجودية

مصطفى مجدي الجمال
2015 / 6 / 30

أثناء موجة 30 يونيو الثورية كتبت مداخلة على صفحات التواصل الاجتماعي مضمونها أن قادة جماعة الإخوان يتعجلون الحرب الأهلية بأي ثمن.. باعتبارها المخرج لهم من مأزق تاريخي جديد دخلوه بأرجلهم.. ومن ثم ليس لديهم مانع من التحالف والتواطؤ مع أحقر أجهزة المخابرات الغربية، والجماعات الإرهابية، العتيد منها والمُحدَث، والنظم الرجعية العميلة

وفي الحقيقة أن إحساسي الشخصي يقول لي إن هناك مقدمات تشي بإمكانية اندلاع مواجهات أهلية واسعة، ولكن من نوع سيكون خاصًا بمصر، وليس نسخة مكررة مما يجري ببلدان مجاورة، حتى إن أخذ بعض سماتها.. فإلى جانب الأعمال الإرهابية الصرف، هناك النقص الفادح في قدرات الدولة على تحقيق الأمن، وتصور دهاقنتها أن بإمكانهم الاستعادة "الكربونية" لنظام السادات ومبارك، وبالتالي "لحس كل التنازلات" التي اضطر النظام لتقديمها في السنوات الماضية تحت ضغط ثورة يناير وتطوراتها

هذا التصور يغري للأسف بعض العناصر وربما القوى "المتعقلة" في النظام نفسه، بأن يتعاملوا مع الطبقات الشعب على أنها سريعة النسيان وأمْيَل إلى الانقياد (إن أُحسِن توجيهها بالإعلام ومنحها بعض "الفتات" والأوهام.. إلى جانب القبضة الأمنية الغليظة بالطبع)

بل ربما فكرت بعض هذه العناصر أن التلويح بحرب أهلية "منخفضة الكثافة" قد يكون مفيدًا جدًا في هذا الاتجاه، مما يسمح في النهاية بترويض هذا الجزء "الناشز" من القيادات البرجوازية (التجارية والمالية والعقارية...) المتاجرة بالدين، وإعادته إلى الرضا بقسمة "معقولة" أو نصيب "محدود" من كعكة النهب والاستغلال.. أي التخلي عن أحلامها التي انتعشت بعد يناير 2011 في إمكانية التمكين والتهام الكعكة بأكملها أو على الأقل الهيمنة على تقسيمها

أفترض أننا في مصر الآن نمر بأزمة وجودية لكل أطراف الصراع، أو لنقل العملية السياسية.. الكل مأزوم، وهذا ما يجعل الأمور لا تتحلحل كثيرًا أو بحسم في هذا الاتجاه أو ذاك

(1)
فالقوى المسيطرة على السلطة اليوم من برجوازية الدولة (بجناحيها المدني والعسكري) والمتحالفة مع شرائح الرأسماليين الذين سبق أن حققوا تراكمهم الأوليّ وحموا ونمّوا ثرواتهم الضخمة بفضل سياسة الانفتاح السبهللى وبالتواطؤ مع الفساد الحكومي والزبونية السياسية، والذين يستندون أيضًا إلى تشابكات قوية ومعقدة مع رأس المال الأجنبي والدول الغربية ومشايخ الخليج.. هذه القوى مرت بمحنة هائلة بعد انتفاضة يناير 2015 حيث اضطر القطاع "المدني الفاسد" منها لأن يدفع ثمن انصياعه لرغبة أسرة مبارك لأن تصبح "عائلة مالكة"..

أما القطاع العسكري فقد رأى في تلك اللحظة التاريخية خطرًا وفرصة في آن واحد.. فقد كان القضاء على مشروع التوريث ضمانة مهمة لألا يتم تهميش المؤسسة العسكرية (بمصالحها وعقيدتها وتصورها لنفسها ودورها).. ومن ثم كان لا بد ألا يُفوّت الجنرالات الانضمام لموكب الانتفاضة لإنهاء مشروع التوريث.. لكن الاحتمالات القوية لخروج الانتفاضة عن "الحدود المسموح بها"- تحت ضغط الأزمة الاقتصادية/ الاجتماعية وفوضى الشارع- كانت تنطوي على مخاطر هائلة من كافة النواحي: طبقيًا وأمنيًا وذاتيًا، وحتى على مستوى الانحيازات الدولية والإقليمية.. ومن ثم لم يكن هناك مناص من اللجوء لتفاوض خشن وحلول وسط مع "قطاع من الثورة" مثلته جماعة الإخوان

وفي الغالب أن الدوائر الأكثر ذكاءً وسط الجنرالات قد أدركت أنه لا مفر من "مناورة استراتيجية" واسعة فحواها إشراك الإخوان، واستخدامهم ضد المد الثوري، لكن إذا امتدت أيديهم إلى مفاصل الدولة أو"الحَرَم العسكري والأمني" سوف تقطع أيديهم في الوقت المناسب.. وأظن أن أجهزة ما كان لديها "خطة عمليات" واضحة لهذه المناورة.. مع مرونة سمحت لها بإجراء تعديلات في التوقيتات والمهام والتحالفات..

ولعل أهم ما اعتمدت عليه القوى الممسكة بالسلطة مباشرة هو السمعة الطيبة التي يتمتع بها الجيش المصري الذي تتكون قواعده من مجندين وضباط احتياط من كل الأسر والنواحي والطبقات

ثم جهاز قضائي بادر من الأصل بمقاومة تدخلات عائلة مبارك وحزبه في الشأن القضائي والعبث بالقانون والدستور، ثم نجح الحكام بعد الثورة في الالتفاف على العدالة الانتقالية بالتركيز على العدالة التقليدية (التي أوصلتنا إلى تبرئة رموز نظام مبارك، ثم محاكمة الإخوان والإرهابيين، ثم ملاحقة بعض العناصر الثورية)

إلى جانب دور موازٍ قام به الإعلام الحكومي وإعلام القطاع الخاص.. فضلاً عن أدوار خاصة للجماعات السلفية والصوفية والأزهر بالطبع

أما النجاح الأكبر للدوائر المتحكمة فهو في نظري نجاحها في تقديم "كاريزما" لقائد عسكري تم التركيز على "شجاعته وانضباطه وزهده وذكائه وحسه الوطني المرهف".. وبالطبع كان للمواقف الحاسمة التي اتخذها السيسي (بتأييد من عموم الجنرالات) الدور الأكبر في بناء هذه الكاريزما.. لكن ساعد على هذا أيضًا: التوق التاريخي في الثقافة المصرية إلى "المخَلِّص/ البطل" (أيديولوجية "الكل في واحد" حسب توفيق الحكيم).. ومن ناحية أخرى استفادت هذه الكاريزما من التردي الذي لحق بصورة كافة السياسيين "الثوريين"، بسبب مواقف بعضهم المتذبذبة أو الانتهازية، فضلاً عن التشويه الممنهج لهم

غير أن الأمور لا تسير بالضبط حسبما تريد السلطة الحالية.. بل إن المرء ليشُك بعض الأحيان فيما إذا كانت هذه السلطة تملك بالفعل الآن "خطة عمليات تعبوية" جديدة، تتصف بقوة ووضوح تلك الخطة التي كانت لديها حتى تولي السيسي رئاسة الدولة.. وإنما الغالب عندي أن الأمور كلها تُمارَس بعقلية "إدارة الأزمة" و"سد الثغور" لا أكثر.. ومن ثم قد يلجأ رأس السلطة إلى الغموض أحيانًا، لكنه ليس من نوع "الغموض البناء"، وإنما "الغموض الحائر"

يدرك الرئيس السيسي أكثر من غيره أن تدهور الأحوال الاقتصادية للطبقات الشعبية والمتوسطة ينذر بأن يسحب "رصيده الشعبي" في لحظة ما.. وربما فجأة ودون تدرج.. وهو يعلم أن تحقق "حلم" القضاء على الإرهاب وفوضى الشارع، وحتى تحقيق قدر "مناسب" من الدمقرطة.. لا يشكل أي منها ضمانة لاستقرار الحكم الطبقي القائم.. كما لا يمكن الارتكان على المساعدات الخليجية وقروض مؤسسات التمويل الدولية لتحقيق نمو متوازن يقلل من احتقان البطالة.. أما المشاريع الاستثمارية الضخمة- خاصة في البنية التحتية- فإنها لن تحقق ثمارًا مستدامة إلا في إطار خطط تنموية طموحة أساسها التصنيع والنهوض بالزراعة

لا يمكن حل هذه المعضلة إلا بتدخل الدولة في الحياة الاقتصادية، والملكية الوطنية للقرار السياسي في كل المجالات.. وحتى بفرض اللجوء إلى نموذج "الدولة التنموية" فإن هذا النموذج لا يمكن أن ينجح بعد انتهاء الحرب الباردة، إلا في ظل مناخ ديمقراطي يتيح الحريات للطبقات الشعبية، وهو أمر يبدو فوق طاقة احتمال الحكام.. ناهيك عن ضرورة إحداث طفرة لتقليل الفوارق الاجتماعية التي كادت تقضي على الفئات المتوسطة، فضلاً عن ازدياد الفقر والتهميش والعشوائيات وشبكات الفساد بمعدلات غير مسبوقة

ولا نظن أن السياق العام للأحداث (بما فيه السياقان الإقليمي والدولي) أو التوازنات داخل الطبقة المتحكمة أو الأيديولوجيات السائدة محليًا يمكن أن تتقبل حلولاً من هذا النوع.. فلا يكون أمام الحاكم إلا الترقيع والتخدير والخداع.. بقصد شراء الوقت لا أكثر ولا أقل.. لكن النتيجة على المدى المتوسط ستكون مدمرة له.. ومع ذلك ليست هناك قوة طبقية أخرى منظمة سياسيًا ونقابيًا جاهزة لأن تشكل البديل

ساعتها لن تكون النتيجة سوى عموم الفوضى التي تدعو من تلقاء نفسها إلى إنعاش الدكتاتورية وإلباسها ثوب "المخلِّص" لمصر من التفكك المجتمعي والقومي وربما الجغرافي.. إلى جانب التدخل الخارجي.. الصهيوني والغربي

(2)
أما جماعة الإخوان فقد تصورت أن "الأقدار الإلهية" قد حبتها بفرصة يناير 2011 كي تنفذ خطة التمكين (وهو دُرَّة أحلامها) والتي تعوض بها تضحيات و"حرمان" ثمانين عامًا من السلطة "المستحقة" لها.. وبالطبع من أجل حماية وتعظيم المصالح والمكاسب التي يتمتع بها تايكونات الجماعة ومليونيرات الاقتصاد الإسلامي

لم يكن عند جماعة الإخوان أي رادع شرعي أو أخلاقي يمنعهم من ممارسة البراجماتية/ الانتهازية السياسية في أفدح صورها.. فمثلما سبق لهم عقد الصفقات الانتخابية البرلمانية وفي النقابات المهنية والجمعيات الأهلية مع نظام مبارك (الحزب الوطني وجهاز أمن الدولة).. لم يكن لديهم أي مانع من التآمر على ثوار ميدان التحرير، والهرولة إلى عقد الصفقات المريبة مع الجنرالات، ومحاولة التلاعب بقطاع واسع من السلفيين، فضلاً عن التلاعب بائتلافات شباب الثورة وحلقات "تروتسكية" و"أناركية".. أما الأخطر فكان استغلال واستيعاب شباب ألتراس نوادي كرة القدم، وهم قوة "ميدانية" خطيرة تتسم بالصلابة والتنفيذ الأعمى للتعليمات

تصور الإخوان أنهم سيستطيعون في نهاية الأمر نسخ تجربة إردوغان في تركيا مع "العسكر".. لكنهم فشلوا، لأنهم لم يجيدوا حساب القوى، ولا الطبيعة الخاصة للتدين الشعبي المصري، ولا مدى تقبل المحيط الإقليمي للتحويلات التي يريدونها.. وبدت الصورة في النهاية كما لو كان الجنرالات قد منحوهم "الحبل" الذي سيشنقون به أنفسهم.. فقد أعماهم نَهَم السلطة، والاغترار بقوتهم، والتصور المبسط لدعم الغرب المستدام لهم بعدما قدموا الكثير من الوعود والتنازلات للغرب عامة (خاصة التلويح بالتدخل في سوريا) وإسرائيل خاصة (الهدنة مع حماس بمباركة مرسي)

وإذا نظر المحلل نظرة محايدة فإنه سيجد أن الحماقة الكبرى التي ارتكبها الإخوان "في حق أنفسهم ومشروعهم" هي تلك التوافقات والصفقات التي عقدوها مع جماعات السلفية الجهادية في سيناء والصعيد والصحراء الغربية.. وهي التي بانت فداحتها بشكل خاص بعد الإطاحة بمرسي

تصور الإخوان أن بإمكانهم تحدي الكل وتهميشه.. جنرالات كبارًا وأجهزة أمنية.. القضاء.. الليبراليين.. بعض الإعلاميين.. الدعوة السلفية.. الأقباط.. حتى "شباب الثورة" وبعض اليساريين الذين سبق لهم أن كونوا جبهة مع جماعة الإخوان عام 2006

وبعد الإطاحة بهم من القصر الجمهوري، وفض اعتصاماتهم.. تعرضت الجماعة لحالة من انعدام وترهل الوشائج التنظيمية، فضلاً عن الاختلافات في تقييم الموقف السياسي، وتبادل الاتهامات.. إلا أن هذا دفع الكثير من الجماعات القاعدية اليائسة إلى التحرك في الأنشطة الإرهابية العنيفة كجماعات يائسة وحتى "هاوية"، إذا تحدثنا على مستوى "إجادة" العمل الإرهابي.. وإن كان هذا لا يمنع من وجود تنظيمات مغلقة أنشأها الإخوان خصيصًا لهذه الأعمال

إلا أن الاحتراف الإرهابي بحق يُنسب لتلك الجماعات من السلفية الجهادية التي تلقت من التدريب والتسليح والخبرات والدعم الاستخباري ما يكفي لتوجيه ضربات موجعة للنظام والمجتمع ككل.. وإذا نجحت هذه الجماعات في تحقيق "انتصارات" ما فإنها ستكون على حساب الإخوان أيضًا.. والأخيرون أصلاً متهمون من قبل هذه الجماعات بالانتهازية وقبول العمل البرلماني والديمقراطي والتعامل مع النظم

أما أخشى ما تخشاه الجماعة فهو أن تتعرض لخطر التبدد والمرور بمرحلة تيه أخرى قد تصل لعمر جيل قادم.. خاصة إذا تخلت عنها القوى الدولية والإقليمية التي تدعمها أو تستغلها.. وبالرغم من أن السجون والتعذيب والهجمات الإعلامية قد تساعد في بناء "مظلومية" ستستقطب المزيد من الأعضاء المستقبليين، وتحسن الصورة العامة للجماعة في المجتمع.. إلا أنها نفسها ستشيع الإحباط والتشكك والرغبة في النجاة الفردية.. خاصةً إذا انكشفت أنانية وطبقية وضيق أفق القيادات

(3)
أما إذا جئنا للقوة الثالثة ممثلة في "المعارضة"... فهي مثل جماعات الموزاييك القابلة لمزيد من التباعد والتفكك بمجرد مرور الوقت وتوالي الحوادث.. والمفارقة الحقيقية تتمثل في أن الأزمة الوجودية التي يمر بها الطرفان سابقا الذكر كان من الأجدر بها أن تنتج وتبلور البديل أو القوة الثالثة المتماسكة وليس ما نراه الآن من تبعثر وعزلة

وأجتهد فأقول إن غلبة القيادات الليبرالية والميول الليبرالية على أحزاب وائتلافات "القوة الثالثة"- بما فيها الشبابية- قد أوقعتها تحت وهم أو تصور للثورة المصرية قوامه رؤية أحادية ترى في الديمقراطية السياسية (الانتخابية تحديدًا) الحلقة الرئيسية الوحيدة التي ستنساب وراءها باقي الحلقات.. كانت هذه الرؤية هي النتيجة والمبرر في آن واحد لاضطلاع شخصيات من نوعية البرادعي وغيره لتبوء مكانة قيادية، وهم ليسوا ثوارًا من الأصل بالمفهوم المتكامل.. لأن الثوري الحق في مصر اليوم لا يفصل الدمقرطة والدسترة عن الاستقلال الوطني وتقليل حدة الاستغلال والثورة الثقافية التي تعلي من قيم المساواة والمواطنة والعلم والتنوير

جوهر المشكلة هنا أن القيادات الليبرالية لا تقبل المساس بأساس النظام الاجتماعي الاستغلالي القائم.. وتحديدًا: علاقات الملكية.. فهي لا تقبل حتى بضرب الاحتكارات المحلية أو تقليل حدة استغلالها وهيمنتها.. والغريب أن عبد الناصر الذي كان في الثلاثينيات من عمره قد أدرك هذا مبكرا وأصدر قوانين الإصلاح الزراعي بعد أيام قليلة من الانقلاب العسكري.. وكان هذا التحول من أهم أوراقه التي استطاع بها تهميش الوفد الليبرالي وجماعة الإخوان

ومن المفارقات أيضًا أن هذه القيادات الليبرالية متعددة الأحزاب لم يكن لديها مانع من "الرقص مع الجماعة".. والترويج لادعاء أن الإخوان قد قبلوا بالديمقراطية منهجًا، وأن دخول الإسلام السياسي للحياة السياسية هو "إثراء" لها.. بل ضغط بعض القادة بقوة من أجل خوض الانتخابات في قائمة واحدة مع الإخوان.. وكان البرادعي يتصور أن هذا هو السبيل الوحيد كي يأتي إلى الرئاسة

وتورط في هذه الدعوة أيضًا القائد الناصري حمدين صباحي، حيث دخل مع الإخوان في تحالف انتخابي، وقدم اعتذارًا ضمنيًا عن ممارسات عبد الناصر ضد هذا "الفصيل الوطني".. ومازال حتى اليوم يرفض اعتبار الإخوان جماعة إرهابية

أما اليسار فقد "حافظ" على تشرذمه وأنتج المزيد منه.. وبدلاً من التمايز عن القوى السائدة، وهو يملك الكثير من مقومات هذا التمايز.. فقد انصاع قطاع وراء التأييد المطلق للسيسي، ودعّم موقفه هذا بمخاطر الإرهاب ومؤامرات التفكيك الإمبريالية.. ومازال قطاع آخر صغير منحاز- على استحياء- للإخوان بدعوى الفاشية العسكرية الزاحفة.. وهناك أيضًا من يروجون للمصالحة بين السلطة والإخوان.. وهناك من يتخذون مواقف متقلبة حسب الأحوال.. وأخيرًا هناك من يتمسكون بحياد أصم أو عدم اهتمام

وفي اعتقادي أن قيادات اليسار المصري تهدر الفرصة تلو الأخرى كي تصبح رقمًا فاعلاً في الصراع السياسي الدائر اليوم بسبب التفكك (وهو تذكرة مجانية للعزلة عن الجماهير).. ومن الممكن لليسار المصري أن يحقق نقلة نوعية في هذا الشأن إذا أقر بالمسلمات الآتية:

# أن اليسار لا يمكن أن ينجح في بناء جبهة ديمقراطية/ وطنية/ تقدمية ما لم يتوازى مع ذلك أو يسبقه بناء تنظيم يساري قوي

# أن تنوع فصائل واتجاهات اليسار من الممكن أن يكون عامل قوة لا ضعف إذا توفر حوار حقيقي بينها وتنسيق في الأنشطة النضالية والجماهيرية والتثقيفية، وإذا أمكن ترويض النزعات الذاتية والحلقية عند بعض القيادات

# أن شق طريق ثالث بين أو غير "الإخوان والعسكر" لا يعني التمسك بحياد أعمى بينهما أو عدم الاهتمام بما يجري من معارك أو مصالحات.. فلكل موقف تكتيكه الثوري

# والخلافات التكتيكية لا تعني أبدًا انعدام فرص اللقاء، فالاستراتيجية بعيدة المدى على الأقل واحدة

# إذا استحالت الوحدة التنظيمية الناجزة يمكن الاكتفاء مرحليًا بتحالف ديمقراطي ثوري، أي بين القوى اليسارية

بدون هذا سيكون اليسار أيضًا مهددًا بأن تقوضه أزمة وجودية عنيفة.. ومعها قد تزيد ظاهرة اليسار "الفرط".. الذي ستضمحل قدراته إن آجلاً أم عاجلاً وسيعجز عن إعادة إنتاج اليسار

فما بالنا إذا كانت مصر مقبلة على حرب أهلية أم دكتاتورية عسكرية أم مصالحة بين العسكريين والفاشية الدينية.... فما هو الثمن الذي سيدفعه بلدنا وطبقاته الشعبية إذا كان هذا هو هو حال المعارضة.. وقلبها اليسار الثوري؟