القرآن رسالة وليس لغة

الشهيد كسيلة
2015 / 6 / 27

العجب كل العجب مما نرى ونسمع في العالم العربي من تحجر ومعاداة للعقل والمنطق ، والعجب كيف أن أنوار الحضارة الحديثة شعّت وانتشرت وبلغ شعاعها عنان السماء ، لكن العقل العربي يظل عصيا على الحضارة مصرّا على الانغلاق والرفض الدائم لأنوار الحضارة بل إنه استعمل أنوارها أشنع استعمال ليبقى العالم العربي استثناء عن كل العالم في غياهب الظلام ودياميس الجهل ولا أدلّ على ما نقول من هذه الفضائيات التي تمتلئ بملتحين ومعممين ينفثون سموم الكراهية ويزرعون بذور الفتن ، إنها أرمادا من المشايخ الشباب الذين خرّجهم كبار الهراطقة من مغارات الوهبنة ، أولئك التيميون البخاريون الهُرَيْريون الذين يملأون الفضائيات نعيقا وزعيقا والعفونة تتطاير من أشداقهم ... .
هؤلاء تسمعهم يتكلفون الحديث بلغة متقعرة مليئة بالتنطع تراهم يلوون ألسنتهم ويصدرون فحيحا كفحيح الأفاعي تسمع لهم همهمة ودمدمة وبعضهم يصرخ ويولول وينادي بالويل والثبور وعظائم الأمور ، لقد ألغوا كل العلوم الحديثة فعندهم الطب والفيزياء وعلوم الفضاء وعلم الاجتماع وعلوم التربية وعلم النفس ولم يبق غير غلق الجامعات والجلوس أرضاً أمامهم للاغتراف من شعوذتهم ! بل إن الجامعات فعلا مغلقة لأنها أصبحت في أيديهم وهم من يتحكمون في المناهج ومقررات التدريس وخطابهم يعلى ولا يعلى عليه ولهم اليد الطولى لفصل أيّ من يجهر بالاعتراض على هرطقاتهم !
ألم تتحول كليات العلوم الإنسانية إلى تكايا ، ألم يتحول الطلبة إلى مريدين ، ألم يتحول الأساتذة إلى مشايخ ، وبقي لنا فقط أن ننتظر يوما تفتح فيه كلية الرقية الشرعية بعد أن تحول الاقتصاد إلى اقتصاد "إسلامي" والطب إلى طبّ "نبوي" ولا تزال بركات الإعجاز إياه تترى وخيره يعمّ ... والملتقيات والمؤتمرات والسيمنارات لا تتوقف إعلاء لكلمة الله وإظهارا للحق "ولو كره المارقون" .
وتنتهي تلك المهرجانات بتوصيات طبعا حفاظا على لغة القرآن ولغة الجنة وما على المسلم الذي لا يتحدث لغة الجنة سوى أن يستعد للسعير لأنه حتى ولو عاش حياته ممارسا لكل الطقوس الإسلامية لن يستطع الرد على أسئلة منكر ونكير والثعبان الأقرع .
أيها المسلمون من غير العرب وأنتم الأغلبية الساحقة في العالم الإسلامي أعينوا العالم العربي على تجاوز مسخرة الإعجاز إياه اجتمعوا وأعلنوا ممارسة كل الشعائر الدينية الإسلامية كل بلغته ، وبذلك تحررون القرآن من السجن الذي وضعه فيه فقهاء العنصرية القومية العربية ، القرآن رسالة وليس لغة والرسالة ينبغي أن تصل إلى المرسل إليه بلغته والقرآن صريح والآية تقول "وما أرسلنا من رسول الا بلسان قومه" فإن كان الدين قوميا ينبغي أن يظل في حدود القوم الذين يدينون به وإن كان عالميا ينبغي أن يكسر جدار اللغة الواحدة وآنذاك سيكون لكل أمة قرآنها وما اللغة إلا شكل أما المضمون سيظل واحدا . أنتم أمام خيارين هما الصيغة اليهودية وهي أن الدين قومي وفي هذه الحالة على الاسلام ان يتوقف في حدود شبه الجزيرة العربية والصيغة المسيحية وهي أن الدين عالمي وإذا كانت التوراة بالعبري الفصيح دون لغة اخرى فإن الإنجيل لم تبق لغة في العالم إلا وفيها ترجمة له ومن حق أي مسيحي أن يصلي بلغته لأن الله يفهم كل اللغات وليس معلم نحو وصرف يريد أن يعجز خلقه بالبيان والبديع والبلاغة فيفرض عليهم لغة واحدة .