بوتين – لغز المستقبل الروسي

ميثم الجنابي
2015 / 6 / 20

لقد انتهت المرحلة السوفيتية بتصدع مأساوي وانهارت الدولة بين ليلة وضحاها كما لو أنها لم تكن "دولة عظمى" وتاريخ مجيد وقوة لا تقهر، أعادت عبر تضحياتها الهائلة ترتيب الوضع العالمي ما بعد الحرب الامبريالية الثانية. بحيث نقف أمام انحلال للدولة شبيه بما جرى للقيصرية الروسية بأثر ثورة شباط ولاحقا أكتوبر عام 1917. بمعنى تكرار حالة التدمير الذاتي للدولة في مجرى قرن من الزمن (1917-1991). وهي حالة لها "تقاليدها" ونماذجها في الدولة الروسية. فقد تعرضت الإمبراطورية الروسية بعد قرنين من الزمن على مساعي بطرس الأول لجعلها قوة عظمى إلى حالة تصدع وتفكك وانهيار(1725-1917). بينما تفككت بعد عقد من الزمن من سيطرة "اللبرالية الديمقراطية الروسية" الجديدة (1991-2000). الأمر الذي يشير إلى ديناميكية التحلل السريع في البنية السياسية للدولة مع كل "تجريب" خشن في البدائل. إلا أن الدولة الروسية ظلت متماسكة نسبيا. مما يعني وجود آلية وتقاليد ذاتية محكومة بفكرة الدولة وجوهريتها بالنسبة للكينونة الروسية. وهي كينونة لها تاريخها الذاتي، وبالأخص منذ القرن السادس عشر، الذي جعل من تاريخ روسيا والدولة الروسية، رغم كل انحرافاتها وانكساراتها، وحدة واحدة ومتراكمة بمعايير "الفكرة الروسية" والدولة والأمة. وفي هذا يكمن أيضا سر بروز الشخصيات المدمرة والمعمرة، أو ما يمكن دعوته بثنائية الخراب والبناء المميزة للتاريخ الروسي السياسي والحكومي. وهي حالة لم تنته لحد الآن، رغم أن بعض معالم الخروج من هذه الدورة المغلقة قد أخذت بالبروز فيما يمكن دعوته بالبوتنية. رغم أنها لم تحصل بعد على اعتراف أو تأسيس نظري يناسبها. والسبب يكمن أولا وقبل كل شيء في أن بوتين يمثل مرحلة انتقال تاريخية كبرى لم يجر تجاوز عقباتها الكبرى، بمعنى أنها لم تذب بعد في منظومة مرجعيات مجمع عليها ومؤثرة في الوعي الفردي والجماعي والقومي. من هنا إشكالية شخصية بوتين، التي وجدت تعبيرها الأول وما يزال في السؤال الذي اقلق الصحافة والإعلام الغربيين بعد صعود نجمه والقائل "من هو بوتين؟"Who is Putin?
يعكس هذا السؤال من حيث الجوهر التساؤل الأوربي والأمريكي عن ماهية وآفاق السياسة الروسية الداخلية والخارجية أكثر مما يعكس السؤال عن بوتين كما هو. فالمعلومات العامة والخاصة عنه في متناول الجميع. ولا تحتوي من حيث الجوهر على طابع معقد ودرامي. ويمكن اختصارها بما يلي: الانتقال من موظف حكومي عادي إلى موظف حكومي غير عادي، اي من عامل في جهاز (هيئة الأمن الحكومي- كي جي بي) إلى رئاسة (مكتب الأمن الفيدرالي) (فه آس ب) أو هيئة الاستخبارات الخارجية، ثم رئاسة الوزراء ، وبعدها رئاسة الدولة بأثر تنازل يلتسين عن السلطة وتعيينه إياه خلفا له. وقد كان هذا الاختيار بحد ذاته وما يزال اقرب إلى اللغز التاريخي منه إلى لغز سياسي. فإذا كان اللغز السياسي للشخصية جزء من قدر الأفراد ومصائرهم الشخصية، فان اللغز التاريخي هو جزء من مصير الدولة والأمة.
وفيما لو نظرنا إلى هذه القضية ضمن سياق التقاليد السياسية الروسية، فأنها لا تخلو من غرابة، بمعنى الحالة التي جعلت من شخصية عادية بمعايير الحزبية السوفيتية وبيروقراطيتها، و"التمرد الديمقراطي" أن تصبح "مصيرية" بالنسبة لروسيا. لكن الأمر يختلف حالما نضعها ضمن "تاريخ المفاجئات" الذي لا يخلو تاريخ الأمم منها. فقد تحول نابليون بونابرت من ضابط عسكري عادي إلى إمبراطور أوربا "الراديكالي". والشيء نفسه يمكن قوله عن التاريخ السياسي الروسي. فقد كانت القيصرية مغلقة أمام "الغرباء"، ولم يرتقي إلى مصاف التأثير المباشر وغير المباشر على العائلة الحاكمة إلا راسبوتين. وهو اسم كما تقول العرب على مسمى. إذ يعني الطريق المنحرف. تماما كما أن بوتين يعني الطريق (المستقيم).
إن الأسماء دون شك تترك أثرها في الأبعاد السحيقة للشخصية لكنها لا تحدد مصيرهم ولا أثرهم الممكن في الوجود. وبالتالي، فان الأبعاد الميتافيزيقية للأسماء تظهر بما يتناسب وأفعالها. والأخيرة جزء من تاريخ الأمم الفعلي. وقد عرف التاريخ الروسي ما بعد القيصرية مفاجئات محيرة للنخبة السياسية. فقد كان ستالين ابن إسكافي سكير. ولم يكمل دراسته الأولية. وخلفه خروشوف كان من أصول عمالية (عامل منجم)، وخلفه بريجينيف من أصول عمالية أيضا، وخلفه اندروبوف من أصول عمالية وإدارية، وخلفه جيرنينكو من أصول عمالية – فلاحية، وخلفه غورباتشوف من أصول فلاحية، وخلفه يلتسين أيضاً من أصول فلاحية. وجميعهم كانوا من أطراف نائية عن المركز، أي ليس أي منهم من أصول مسكوفية أو لينينغرادية (كما هو الحال بالنسبة لبوتين). وللمدينة أثرها في الشخصية، لا يقل عن اثر المهنة. ومنهما في الغالب تتشكل، إضافة إلى معالم الغيب الغريبة في أجنة المرء، الشخصية الفعلية للمرء.
فالأصول العائلية لبوتين فلاحية أيضا. لكنه لينيغرادي (بطرسبورغي) المنشأ والتربية، وعنصر متخصص في أجهزة الأمن والاستخبارات. وللأجهزة الأمنية في التاريخ الروسي مكانتها الخاصة في الدولة، كما أن لها أثرها في بلورة الشخصية السياسية. وذلك لأن الفكرة الجوهرية فيها هي أمن الدولة وليس السلطة، رغم ترابط الاثنين. وبوتين هو سليل هذه البنية والعقيدة الحكومية والدولتية. فقد كانت وما تزال الأجهزة الأمنية الكبرى في روسيا (الاوخرانكا القيصرية، والكي جي بي السوفيتية، واف أس ب الروسية الحالية) هي "عصب" الدولة الحي، الذي يتفاعل مع كل آلام الدولة بحساسية مفرطة.
ومهما يكن من أمر صعود بوتين المفاجئ إلى هرم السلطة السياسية، فان هذه القضية تبقى خاضعة للتأويل السياسي المحترف أكثر مما هي قضية ذات أهمية بالنسبة للتاريخ السياسي الروسي ما بعد المرحلة السوفيتية، وبالأخص ما يتعلق منه بفكرة الدولة والنظام السياسي،وقضايا القومية والأمة في روسيا، وإشكاليات البدائل والمستقبل. بعبارة أخرى، إن الإشكالية النظرية لشخصية بوتين هي إشكالية القضية المثيرة عن دور الفرد في التاريخ. وقد كانت تلك قضية نظرية وعملية كبرى أشركت مختلف التيارات الفكرية الروسية الكبرى وبالأخص تيارات الفكرة الاجتماعية الديمقراطية الروسية (الماركسية). فقد كتب عنها بليخانوف أهم مؤلفاته، وتناولها لينين مرات عديدة في مقالاته وكتبه، كما أنها كانت إحدى القضايا الجوهرية لتقاليد الفكرة السياسية الروسية من فوضوية وغيرها. وعموما أن تاريخ الفكرة السياسية الروسية يترنح بين نفسية التقاليد الجماعية، التي جرى رفعها إلى مصاف المرجعية الكبرى الذائبة في الوعي والوجود الروسي والخصوصية الروسية، وتقاليد الإرادة المتهورة. فالرئيس هنا يفعل ما يشاء بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي (قيصري ، أو سوفيتي أو ديمقراطي). وهي سمة أشار إليها الكثير من الكتاب الروس ذوي التفكير النقدي العميق المتعلق بما أسموه بالخصوصية الروسية، كما هو الحال عند دانيليفسكي، الذي توصل في مجرى أبحاثه التاريخية السياسية الثقافية لعلاقة أوربا بروسيا في كتابه الشهير (روسيا وأوربا) إلى أن التجارب الأوربية ونظمها السياسية من ديمقراطية وجمهورية وبرلمانية وغيرها لا تصلح لروسيا.
وقد وقف بوتين أمام هذه الإشكالية، كما انه نتاجها في الوقت نفسه. فقد كشف بوتين عن شخصية روسية دولتية قوية، بينما كان هو "وريث" يلتسين، أي الشخصية السياسية الأكثر تهورا وغباء وتدميرا في التاريخ الروسي الحديث. وبغض النظر عما إذا كان ذلك حدسا جيدا وغريبا من جانب يلتسين، أو غباء منه باعتبار انه أورث السلطة رجلا يمكن التحكم به، أو انه نتاج لذكاء بوتين ومكره السياسي الضروري، فان وقائع الأحداث تشير إلى انه تربع على هرم السلطة في إحدى اشد المراحل قسوة، وإحدى اشد الحالات التي يرثى لها. فقد واجه في آن واحد تفكك مادي ومعنوي وتسيب في كل شيء، وانهيار كبير في الصناعة والزراعة والعلم حيث لم يبق من المخزون الذهبي الذي كان يمتلكه الاتحاد السوفيتي (2500 طن) سوى 240 طن، وهبط سعر الروبل أكثر من مائة مرة (كان يعادل 65 كوبيك، بينما بلغ في نهاية حكم يلتسين 90 روبل)، وهبطت وتائر النمو الاقتصادي إلى ناقص 11%، بعد أن كانت بزيادة سنوية تبلغ 2,3%. وهكذا دواليك في كافة المجالات. وهيمنة في روسيا آنذاك الجريمة المنظمة، واستفحلت الحروب القومية والمحلية، وتفاقم الفساد الشامل للنخبة السياسية، وازدادت بحدود يصعب وصفها قوة اللوبي الأجنبي الأمريكي والصهيوني، وأخيرا تهاوي الروح الوطني.
غير أن الشخصية القوية تظهر زمن الشدائد! ووجد ذلك انعكاسه فيما يمكن دعوته بالحنكة السياسية الباطنية التي ميزت بوتين في مجرى عقد من الزمن لتذليل الخراب السياسي بسياسة تذليل الخراب، عبر توسيع وتجذير قوة الدولة وتكامل مؤسساتها، وإعادة بناء المنظومة الحكومية والسياسية، وكذلك إعادة الاعتبار والهيبة للجيش والأمن، والتنظيف التدريجي للنخبة السياسية وأبعاد الكثير منهم من السلطة، وتقوية مركزية الدولة وهيبتها، والاهتمام بالاقتصاد (وليكن الوحيد الجانب)، وتنظيف الصحافة والقضاء التدريجي على اللوبي اليهودي وقنواته، والقضاء التدريجي على الأمراء الصغار والإقطاعيات الديمقراطية، وتجميع الأقاليم عبر مركزية الدولة، والقضاء على حركات التمرد والنزعة الانفصالية والغلو الاسلامي، وإعادة النظر بالعلاقة بالغرب، والبحث عن موقع جديد لروسيا . وفيما لو جرى رسم الحالة البيانية لانجازاته بهذا الصدد على مدار عقد من الزمن (2000-2010) فمن الممكن إبراز أهمها. فقد تضاعف الدخل الوطن، وارتفعت التجارة الخارجية أكثر من 300%، وازداد الاستثمار الأجنبي أكثر من 900%، وانخفض الدين الأجنبي إلى أكثر من 80% ، وارتفعت الرواتب بحدود 150%. وتنطبق هذه الأرقام على مختلف قطاعات الحياة الاجتماعية والاقتصادية. كما تحول الاهتمام صوب إعادة القوة العسكرية لروسيا إلى الصدارة.
كل ذلك كان نتاج رؤية سياسية دولتية لم يجر الإعلان عنها بصورة منسقة وعلنية، لكنها كانت جلية فيما يتعلق بإطارها العام والقائل، بان روسيا هي وريثة الاتحاد السوفيتي. ومن ثم يفترض ذلك إعادة الاعتبار المادي والمعنوي بالشكل الذي يستجيب لتاريخها ودورها العالمي على مدار القرن العشرين، وحجم التضحيات التي بذلتها من اجل ذلك. مما حدد بدوره مهمة وضرورة بلورة العقيدة السياسية والوطنية للدولة. وقد كرر بوتين في أكثر من مرة على انه براغماتي ومحافظ . غير انه ينبغي فهم هذه المصطلحات خارج تقاليدها الاوروامريكية. وإلا لما ظهر وما يزال السؤال الأمريكي والأوربي عن "من هو بوتين؟". أما في الواقع فان السؤال المتحير بآفاق المسار الروسي وظهور معالمه الجديدة، التي حيدت منذ زمن قريب وعلى مدار عقود مديدة النزعة الكولونيالية والاستعلائية للغرب الاوروامريكي، هو الباعث وراءه.
إن السؤال عن ماهية بوتين هو السؤال عن ماهية روسيا المستقبلية. ومن ثم يعكس إشكالية الزمن والتاريخ التي تقتف روسيا أمامها. وهذه بدورها ليست إلا إشكالية الفكرة الروسية والأصالة الروسية والبدائل الحضارية. فقد توصل الفكر الروسي في مجرى معاناته النظرية والعملية على مدار قرون عما اسماه بالفكرة الروسية، والطريق الروسي. وكلمة "بوتين" تعني من حيث المعنى الطريق! غير أن الطرق مختلفة متباينة. وإذا كان الفكر الفلسفي والأدبي الروسي عادة ما يشاطر ويؤسس لفكرة الأصالة الروسية والطريق الروسي الخاص، فان الفكر السياسي ظل في اغلبه أسير التأثر الشديد بالغربنة والغرائب والغريب! وهي المفارقة التي وقف ويقف أمامها بوتين. فهو الأول من بين القادة الروس على مدار القرن العشرين وحتى الآن، الذي نعثر في كلماته وعباراته التي يخاطب بها الجمهور الروسي على مسحة "الفكرة الروسية" و"الأصالة الروسية"، اي كل تلك الآراء التي حصلت في تاريخ الفكر الروسي على صيغة الفكرة الاوروآسيوية الروسية، بوصفها وسطا بين الشرق والغرب، وكذلك جوهرية الشرق في الفكرة والتاريخ والثقافة الروسية. غير أنها مازالت تتخذ عند بوتين هيئة الحدس السياسي والتجريب الخشن، بمعنى أنها لم تتحول بعد إلى رؤية إستراتيجية شاملة. ومن ثم لم تتحول بعد إلى فكرة تلقائية ذاتية. وهي حالة طبيعية تلازم بالضرورة مراحل الانتقال البنيوي الكبير الذي تتعرض له الدولة والنظام السياسي والقومية والأمة والثقافة في روسيا. ذلك يعني أن بوتين يمثل الصيغة الأكثر واقعية وعقلانية وديناميكية لتأسيس مقومات الدولة والأمة بالشكل الذي يحافظ على كينونتها الثقافية التاريخية ويشركها في الوقت نفسه ضمن عولمة تذلل تقاليد الكولونيالية والاستفراد والهيمنة.
إن الدول الكبرى والأمم الحية تقاس برجالها. كما أن شخصياتها الكبرى هو التعبير الفردي والنموذجي لما فيها من طاقة وبدائل. وتجارب روسيا الكبرى بهذا الصدد يمكن رؤيتها على مثال بطرس الأول باني عظمتها الإمبراطورية ذات التوجه الأوربي الصرف. كما يمكن رؤيتها على مثال لينين – ستالين ومعالم التجربة السوفيتية ذات التوجه الأوربي الصرف. وتجربة الليبرالية الديمقراطية السلبية ذات التوجه الأوربي والغربي الصرف. ولكل من هذه الأمثلة والتجارب انجازاته وخرابه. أما بوتين، فانه يحاول الجمع بينهم جميعا. غير انه مازال جمعا شخصيا، أي ليس منظوميا. وبالتالي، لا يمكننا الحديث عن رسوخ واستتباب مرجعيات منظومية راسخة في البنية الاجتماعية والسياسية والفكرية والثقافية الروسية الحالية ترتقي إلى مصاف ما يمكن دعوته بالنموذج البوتيني. لكنها تحتوي على أجنتها. ومن ثم فهي قابلة للحياة تماما كما أنها قابلة للوت. فالحياة المستقبلية فيها تتجلى من خلال الرجوع إلى النفس، والرجوع إلى الشرق، والتحرر من الدونية تجاه الغرب، والبحث عن موقع وسط خاص، والسعي لبناء مركز عالمي بقوة السلاح، وأخيرا استجماع القوى الصاعدة في البناء الذاتي والمعارضة للغرب الأمريكي والأوروبي بما يضمن صياغة نظام عالمي جديد محكوم بالقانون والمصالح المتبادلة. وضمن ها السياق يمكننا القول، بان البوتنية روية مستقبلية. وشأن كل رؤية مستقبلية، فأنها بحاجة إلى تدقيق وتحقيق وتطوير وإصلاح دائم لكي تتحول إلى منظومة راسخة تجاوز دور الفرد في التاريخ دون أن تنفيه. وبهذا فقط يمكن تذليل انهيار التراكم الهائل للقوة والصعود كما كان الحال بالنسبة للقيصرية والمرحلة السوفيتية. عندها يمكن أن يكون بوتين بطرس الثاني ولكن بمعايير المقارنة التاريخية، أو أن يكون بوتن الأول ولكن بمعايير المستقبل.
***