الحد الأدنى لصلاحيات داعش وجبهة النصرة

حمزة رستناوي
2015 / 6 / 18

في شرط الدولة الفاشلة و عند غياب سلطة الدولة المركزية أو تخلخلها عن مناطق , سوف تشهد هذه المناطق حالة من الفوضى و تحكّم العصبيات القبلية و انتشار الجريمة و المافيات , أي النكوص الى مستوى ضروريات الحياة بالحد الأدنى و على رأسها أولوية الحياة و حفظ المال و العرض و نحوها...و إنّ خلق هكذا أوضاع قد يكون استراتيجية مخطط لها تقوم بها سلطة الدولة بغية إعادة الاعتبار لها و كسب الأنصار( على مبدأ ما بتعرفو لتشوف غيرو) و هذا ما حدث تقريبا في المناطق التي خرجت من سيطرة النظام السوري لصالح قوات المعارضة المسلحة (فصائل الجيش الحر) و في السنوات الثلاثة الأولى للثورة السورية كان الطابع الأبرز لهذه الفصائل هو الفساد و التنازع فيما بينها و التورط في انتهاكات لحقوق الانسان في " المناطق المحررة " و قد كان هذا دافعا للسخط الشعبي على هذه الفصائل و ظهور حالات من التململ منها, و قد ساعدت ممارسات النظام على ذلك بتعثير أو وقف تقديم الخدمات لهذه المناطق.
و لكن مع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية ( داعش ) و سيطرتها على مناطق واسعة من سوريا و العراق ,و كذلك سيطرة النصرة على مناطق واسعة من شمال سوريا بالتشارك مع فصائل إسلامية أخرى , نستطيع القول بأنّه حدث متغير إيجابي فيما يخص الشأن المعاشي , حيث جرى القضاء على العصابات و توقفت حالات السرقة و الخطف و التعدي على الممتلكات الى حدود دنيا , و تم تفعيل المحاكم الشرعية لتقوم بدور قضائي فاعل, مما انعكس إيجابا على حياة قاطني هذه المناطق , و بناء على شهادات من أصدقاء و معارف مقيميين في هذه المناطق كانت المنظومة القضائية تتسم بالنزاهة عموما وفقا لمعايير ما يسمّى ب " أحكام الشريعة الإسلامية " و تلك صلاحية – إيجابية - متجاوزة للحالة السابقة على ظهور هذين التنظيمين. ومن نافل القول أنّ هذه الصلاحية لا تبرر الطبيعة الاستبدادية الشمولية لهذين التنظيمين ولا تبرر كذلك قصور الخطاب السياسي لديهما وتخلفه عن متطلبات ومنطق العصر. و بعد أن انتهينا من الحديث عن صلاحيات الحياة و الشروط الأساسية للحياة , سأنتقل لعرض صلاحيات الهوية عند جماعات السلفية الجهادية في سوريا و العراق,
إنّ المناطق ذات الغالبية السنية -وهي تشكل معظم مساحة سوريا و جزء ليس بالقليل من مساحة العراق - كانت تعاني من حضور البعد الطائفي و الممارسات التميزية للنظام السوري و النظام العراقي (حكومات ما بعد الاحتلال الأمريكي) , و ليس من قبيل المبالغة أن قطاعات كبيرة من المجتمع العربي السني ينظر الى (الجيش العربي السوري ) و الجيش العراقي كقوات احتلال غريبة عنه, و قد تفاقم هذا عقب سلسلة المجازر الطائفية التي ارتكبتها المليشيات المحسوبة على هذين النظامين ضد سكّان سنة, و كذلك عقب القصف العشوائي بالبراميل المتفجرة.. المهم في الامر أنه ثمّة تباين عن مستوى الهوية ما بين السلطة الحاكمة و المجتمعات العربية السنية المحكومة, و لكن لاحقا مع حضور تنظيم داعش و جبة النصرة استعادت هذه المجتمعات أو قطاعات كبيرة منها انسجامها مع الهوية العربية السنية بدرجة معيّنة , بمعنى ثمة أناس يقدمون خطابا سياسيا و عقائديا قريبا منهم يداعب أحلام استعادة (دولة الخلافة الإسلامية) و يحكمهم ب (أحكام الشريعة الإسلامية ), و يشاطرهم الكراهية تجاه الخصوم الشيعة و تجاه (العلمانية الكافرة ) كذلك , مما خلق حالة من المصالحة و الانسجام بين ما هم عليه و ما يرغبون, و على أي حال فهذا يعرض لصلاحيات بالحد الأدنى , فالبشر عموما يفضلون الطاغية من أبناء جلدتهم مقارنة بطاغية من جلدة أخرى. و من نافل القول أن هذه الصلاحية على مستوى الهوية لا تبرر الطبيعة الجوهرانية لمفهوم الهوية عند داعش و جبهة النصرة , و كونها هويات انغلاقيه متخلفة عن الحيوية العربية الإسلامية و دولة المواطنة المتساوية التي من ضروراتها العلمانية و الديمقراطية و احترام حقوق الانسان.
ولكن هل صلاحيات الحد الأدنى على مستوى أساسيات الحياة أو الهوية قابلة للاستمرار والبناء عليها كمكاسب حقيقية ؟!
الإجابة هي بالنفي , فالسياق السابق لصلاحيات الحد الأدنى عند النصرة و داعش هو مرحلي, و ثمة إشكالية أخرى ينبغي طرحها فالطبيعة الأحادية الجوهرانية لفصائل السلفية الجهادية لا تسمح لها بالاستقرار ككيانات سياسية على المدى المتوسط و البعيد , و حالما تتجاوز هذه الفصائل المرحلة الرومانسية سوف تنشأ الصراعات الداخلية فيما بينها , و سوف تتعرض لامتحانات تفرضها متطلبات الدولة و عجزها عن تمثّل الدولة كمصالح و صلاحيات سياسية ضمن منظومة إقليمية و دولية لا غنى عن حضورها و التفاعل معها .