محاكمات لتصفية الحسابات .. لا لإجلاء الحقائق

محمود عبد الرحيم
2015 / 6 / 16

محاكمات لتصفية الحسابات.. لا لإجلاء الحقائق
*محمود عبد الرحيم:
علينا أن نسلم أولا ان الإخوان ليسوا هؤلاء الأنقياء الاطهار، وأنهم سبب كل البلاء الذي حل على مصر، وجزء رئيس من افشال انتفاضة يناير بتآمرهم وجشعهم السلطوي.علاوة على أن رفضهم اجراء محاكمات ثورية وتطهير المؤسسات ورفض مسار الهدم واعادة بناء الثوري، وتحالفهم مع رجال نظام مبارك ومحاولة الحلول محله وعملية الاحلال والابدال ، هو ما جعلنا نصل إلى هذا المأزق التاريخي، والدخول للنفق المظلم، والمصير المجهول للبلاد.
وهذا ما يجب أن يحاسبوا عليه شعبيا قبل قانونيا.
لكن ما يجري في المحاكم، مع ذلك، أبعد ما يكون عن المحاكمات القانونية العادلة، أو إجلاء الحقائق وكشف المستور، وليس إلا تصفية حسابات، وانتقام بين نظام قديم عائد، ونظام أراد ان يحتل مواقعه ويزيحه من الواجهة.
وما نراه على منصة القضاء ليس إلا رجع صدى لتقارير أمنية وخطاب إعلامي ردده رجال مبارك من اللحظة الأولى لإنتفاضة يناير، ويريد أن ينسب هذا الجهد الشعبي الذي شارك فيه الجميع، لهذه الجماعة، في إطار تصفية آثار هذه الهبة الشعبية، ومحوها من الوجود ،ومحاكمتها وتشويهها عند الجماهير المرتبكة وفاقدة الوعى والمترددة، وغير الحاسمة معركة التغيير.
فالاخوان، بكل تأكيد، ليسوا من خططوا لانتفاضة يناير، التى إن كان يقف وراءها تنظيم وقيادة فعلية لنجحت وخطت خطواتها نحو التمكين، وليس الانسحاق والتراجع، وتسليم الأمر بسذاجة لجنرالات مبارك من اللحظة الأولى بمنطق تأمين الثعالب على الحملان.
لكن مع ذلك، الإخوان استثمروا هذا الحدث بفضل تسويق أنفسهم أمام الأمريكان أنهم البديل لمبارك، ولديهم ظهير شعبي، عبر سلسلة من الحوارات والمباحثات الممتدة ما بعد 11 سبتمبر، وفي أعقاب غزو العراق بشكل خاص.
وقد رأى الإخوان في انتفاضة يناير "حصان طراودة" للقفز على السلطة وتمكين التنظيم من حلمه الطويل.
ومنطق الاشياء يقول إن جهاز الشرطة استبسل في قمع الاحتجاجات الشعبية لدرجة دفعته لارتكاب مجازر خاصة في السويس والاسكندرية، ما ساهم في إستثارة عاطفة الجماهير غير المعتادة على الاحتجاج، فخلق لا اراديا ظهيرا شعبيا لحراك قطاعات من الشباب المسييس وغير المسييس من كل التيارات والاتجاهات،، وحتي غير المنتمين لأي توجه، الذين فقدوا الأمل في تحسن الأوضاع أو حتي في الحل الفردي بالهجرة، فخاضوا معركة التغيير باستماتة دون خوف من أي شئ.
وحين فشلت العصا الأمنية الغليظة في السيطرة على الحشود، كان قرار مبارك ووزير داخليته ورئيس استخباراته باللجوء إلى الخطة البديلة وهو سحب قوات الأمن من الشوارع بما في ذلك عساكر المرور، مع إشاعة الفوضي العارمة بفتح السجون ومقرات الاحتجاز المختلفة وإطلاق يد البلطجية لترويع الجماهير، ودفع بالذات الفئة الواسعة التى تخشي من خيالها إلي الجلوس في بيتها، ومناشدة أولادها للعودة ليس فقط خوفا علي حياتهم، ولكن تأمين ذويهم فيما يعرف ب"اللجان الشعبية"، التى كان مقصود بها افراغ الميادين لسهولة ضربها.
وبالفعل نجحت الخطة بدرجة ما، لكن تبرع رجال مبارك وانصاره في محاولة فض الميدان المسلطة عليه الاضواء وارتكاب "مذبحة الجمل" افشل
خطة مبارك في استعادة السيطرة، وهو ما جعل الأمريكان يستغنون عن خدماته ويبحثون عن بديل جاهز، فكان الرهان على جنرالات مبارك والإخوان معا، لكن كل منهم طمع في الاستثئار بالسلطة بمفرده، ومن هنا بدأت المناكفات والمكايدة، ولعب كل منهما من وراء الأخر، ومحاولة تسويق نفسه عند واشنطن وتل أبيب وممالك الخليج، ليضمن إزاحة الآخر والبقاء في الواجهة، الأمر المستمر حتى اللحظة.
الإخوان هربوا من السجون نعم، لكن لم يقتحموها لأنه من الصعب بمكان في دولة بوليسية، وسجون أشبه بالقلاع المحصنة، ووفق نظام مراقبة صارم، وأيضا تحت استلام الجيش لكل المؤسسات والهيئات والانتشار الواسع بالدبابات والمدرعات في الشوارع والطرق ان يقوموا بهذا الفعل الذي يتطلب جحافل منظمة وشديدة التسليح، وليسوا بضع عشرات أو مئات.
وإن سلمنا بصحة هذه الرواية العبثية، فالأولى بالمحاكمة كل المسئولين في البلاد من أول مبارك ووزير داخليته وقادة الجيش الذين استلموا كل المؤسسات لتأمينها، والذين وضعوا ايديهم في يد الإخوان لما يقرب من ثلاث سنوات، وشاركوهم الحكم.
وبخصوص الزج باسم حماس وحزب الله والحرس الثوري الإيراني، فهذا أمر يحتاج لوقفة، حيث كان بالفعل ثمة عناصر لحماس وحزب الله في السجون المصرية، لكن في أي سياق؟ حيث جري في هذا الاتهام خلط للأوراق والوقائع.
فعناصر حماس وحزب الله كانت في مصر لتهريب أسلحة إيرانية لدعم المقاومة ضد الصهاينة عبر سواحل البحر الأحمر، ومنها إلى سيناء ثم إدخالها عبر الانفاق، وهو ما علم به الكيان الصهيوني، فقام بتوجيه ضربة عسكرية معلنة للسودان قبل سنوات، وبالترافق مع هذا تم القبض علي عناصر من حزب الله وحماس بتعاون استخباراتي مصري إسرائيلي.
وهذه العناصر مثل غيرها نجحت في الفرار بعد فتح السجون، ربما بمساعدة الإخوان وبعض البدو فروا عبر الانفاق أو عبر السودان، لكن المنطق والملابسات المحيطة بانتفاضة يناير وعقلية نظام مبارك الأمنية القمعية لا تشي بقدرة هؤلاء أو غيره على اقتحام السجون بطول وعرض مصر التي كان فتحها ضمن خطة ترويع الشعب وإجباره على الرضوخ وتنفيذ وعد مبارك "انا أو الفوضي" و "هدم المعبد علي من فيه".
ويبقي إجلاء الحقيقة رهن بثورة حقيقية تحاكم كل من تورط في استغلال وقمع الشعب وخيانة الوطن، وفيما عدا ذلك ما نراه ليس سوى تنازع على السلطة والثروة ومكايدات وتبادل للإتهامات بين عصابتين لا يريدان الخير لمصر وشعبها.
*كاتب صحفي مصري
Email:mahmoudreheem@hotmail.com