-مذيع العرب- وتكريس الفهلوة الإعلامية

محمود عبد الرحيم
2015 / 6 / 15

"مذيع العرب" وتكريس الفهلوة الإعلامية

*محمود عبد الرحيم:
انتهت مسابقة "مذيع العرب" بعد سلسلة من الحلقات الممتدة، وجاءت النتيجة بتقدم إماراتي ومصري لسبب بسيط هو أن منظم المسابقة تليفزيون "أبو ظبي" الإماراتي و قناة "الحياة" المصرية.
وكل من تابع من قبل كواليس مسابقات من هذه النوعية يعرف جيدا أن النتيجة يتم صنعها لإرضاء الممول، فضلا عن أنها لعبة لصناعة شخصية يتم تسليط الأضواء عليها لاستخدامها تجاريا، مع أمور أخرى كجذب الإعلانات، وملء مساحات من الهواء، علاوة على أن هذه المسابقات من الأساس تنطلق من منطق فهلوة بعض القائمين عليها الذين يستطيعون إقناع الممول (شخص أو مؤسسة) بالفكرة لصنع ما يسمي ب"السبوبة" الضخمة، واللبنانيون العاملون في مجال الإعلام بشكل خاص لديهم هذه المهارة والقدرة على تسويق اللاشئ.
وفي تصوري أن هذه النوعية من البرامج أو المسابقات التي لا تختلف عن "نجم العرب" ، "فنان العرب" ، "راقص العرب" وغيرها، من العناوين البراقة ذات الإنتاج الضخم والتسويق الكبير التي انتشرت بقوة في الفترات الأخيرة، خطورتها أنها تنسف فكرة الصعود الطبيعي عبر معايير عادلة كالعلم والعمل، ووفق قاعدة تكافؤ الفرص، فضلا أنها تحرض على الفهلوة والصعود بمحض الصدفة، وتكرس منطق الاستسهال والرهان على فرصة تأتي بمسابقة أو عبر برنامج تشترك في التحكيم فيه ممثلة، وليس أستاذا للإعلام ولا خبراء حقيقيين في مجالات رئيسة مرتبطة بالمجال كاللغة العربية وفن الإلقاء أو مثقف كبير يقوم على تقييم حصيلة الثقافة العامة، وإنما مذيعون بعضهم عليه علامة استفهام ولا تتوافر فيهم الاحترافية، ويحكمون بالانطباعات وليس بمعايير علمية موضوعية، وسط وصلات رقص وتمثيل وغناء، فيما المسابقات الحقيقية غير ذلك تماما، والإعلامي الحقيقي خلاف هذه الصورة المبتذلة التي تم تقديمها، حيث يجب أن تتوافر فيه شروط موضوعية مثل العلم حيث أصبح الإعلام علما مقننا، ولم يعد الإعلامي من يتم إلباسه بشكل أنيق، وتعليمه كيف يتحدث أمام الكاميرا فقط عبر فريق يقف وراءه ويخصص له ميزانيات كبيرة لصنع ببغاء أو "ريبوت إعلامي"، وليس الإعلامي كذلك من لديه مهارة التمثيل ولا الخطابة، ويفتقد للتكوين الأكاديمي، وليس لديه رصيد ثقافي وتدريب وممارسة وإتقان للغة العربية وللحديث من مخارج ألفاظ سليمة، ولمهارات إدارة الحوار والتغطيات الإعلامية المختلفة، إلى جانب قدرات تحريرية واستيعاب لطبيعة مهمته وأخلاقيات الممارسة المهنية السليمة، وغير ذلك من أمور تقنية.
يا سادة، الإعلام علم ومهنة قائمة بذاتها، وليست مهنة من لا مهنة له، وما تقومون به إفساد للإعلام أكثر مما هو فاسد، وتهميش وإبعاد للمؤهلين وأصحاب الكفاءات لصالح هواة أو محبي الشهرة أو الباحثين عن الثراء والأضواء بلا جهد.
ومن أتى بمنطق التسويق والفهلوة والصدفة، فلن يلعب دوره كقائد للرأي ولا كإعلامي موضوعي له رسالة، وإنما سيكون جزء من عملية الدعاية ولعبة التسويق، وهو ما سيقود إلى إضعاف المهنة أكثر وأكثر، وتحويل المحترفين لهواة وتصدر الهواة للمشهد، على نحو يفسد العقول ويسمم الشاشات أو يحولها لآلة إلهاء وتغييب للوعي أو أداة تحريض أو تهليل لسلطة أو رجل أعمال.
فهؤلاء المخترقين للمهنة لا يختلفون عن من أتوا بالوساطة أو بتوصيات أجهزة أمنية، وجميعهم يفسدون العمل الإعلامي وتحرير المهنة منهم سيغير صورة الإعلام تماما ويعود بالنفع علي المجال نفسه، وعلى المجتمعات العربية كذلك، لأن الإعلام لا يعمل في فراغ، وأيضا له دوره البارز في تكوين الرأي العام، ووضع أجندة الاهتمامات المجتمعية، بل وكمحرض على التغيير وتعديل الاتجاهات والسلوكيات.
*كاتب صحفي مصري
Email:mahmoudreheem@hotmail.com