تهافت دعاوى الاعجاز العلمي في خلق الجنين

حمزة رستناوي
2015 / 6 / 13

أولا -الآيات موضوع الاعجاز
*نص سورة المؤمنون: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ
*نص سورة الحج: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا"
^
ثانيا- وجهة النظر الاعجازية
يبدأ تكون الجنين باتحاد النطفة المذكرة ( الحيوان المنوي ) مع النطفة المؤنثة ( البويضة ) وينشأ عن هذا الاتحاد نطفة أمشاج ( البويضة الملقحة), ومن هذه النطفة الأمشاج تنقسم الخلايا وصولا الى العلقة التي تشبه شكل دودة العلق و التي تتعلّق بجدار الرحم , ليبدأ بعده مرحلة المضغة, التي تشبه قطعة اللحم الممضوغ, و تنقسم الى مرحلتين مضغة مخلقة من الاسبوع الثالث الى الرابع, و مضغة مُخلقة لتظهر فيها معالم الشكل الانساني حتى الشهر الثالث...و تبدأ هذه المضغة بتشكيل الهيكل العظمي حيث تقوم العضلات بعدئذ بكسائه.
إذا فالجنين لا يكون كامل منذ البداية, بل يبدأ بمرحلة بسيطة تزداد في التعقيد مرحله بعد مرحلة, لا كما يكانَ يُظن بكونه يكون انسانا كاملا صغيرا في جوف الرحم منذ بداية الحمل و قد راعى القرآن الكريم الفارقَ الزمني والخَلقي , فالنقلةَ بين العَلَقة والمُضغَة جاءت سريعة، ، ومن ثَمَّ جاء التعبير عنها بالفاء، دلالة على الاتصال فيها ﴿-;- فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً ﴾-;- [المؤمنون: 14]، و كذلك بين المضغة والعظام ﴿-;- فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ﴾-;- المؤمنون 14.
إن وصف مراحل تطور الجنين كما هو في القرآن يتجاوب مع كل ما نعرفه اليوم عن ذلك. وهو لا يحتوي أية عبارة ينتقدها العلم الحديث
استقراء النصين السابقين و أخذها على الحرفية - و الخطاب العلمي حرفي بالضرورة يكون خلق الإنسان بعد مرحلة التراب من نطفة, فهناك تجاهل لدور البويضة الأنثوية التي تكوّن نصف الإنسان, و هذا علميا غير صحيح كون الخلق يتم من اندماج نطفة مع بويضة, و ثم تكوين بويضة ملقحة, لاحظ الآية التالية كذلك التي تؤكد نفس الفكرة (ألم يك نطفةً من مني يُمنى ثم كان علقة فخلق فسوى) القيامة37
ملاحظة : دلالة النطفة لغويا في زمن النبوة تعني المقدار القليل من المني , و هي غير دلالتها العلمية الاصطلاحية حاليا.
^
ثالثا- تعقيب كاتب السطور
لنلاحظ ما يلي ﴿-;- فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ﴾-;- فالفاء تفيد التعقيب و تدل على أن هذا وقع عقب هذا , و تصبح الدلالة الحرفية للآية أن المضغة تتحول الى عظام و من ثم يكسو اللحم و العضلات العظام, و هذا علميّا غير صحيح .
ففي نهاية الاسبوع الثاني تتمايز المضغة الجنينية الى ثلاث وريقات: الوريقة الخارجية يتكون منها الجهاز العصبي و الجلد, و الوريقة الوسطى التي يتكون منها العظام و العضلات والجهاز البولي, و الوريقة الداخلية التي يتكون منها الانبوب الهضمي و جهاز التنفس
إنّ تطور الجنين عملية معقدة, تمر بمراحل وسطيّة متعددة , و ليست في صيغة "عظام ثم لحم " فتشكّل النسيج العظمي و العضلات من النسيج المتوسطي الجنيني يتم بشكل متزامن و ليس في صيغة أولا – ثانيا...و التعظُّم يبدأ في العظام الطويلة في نهاية المرحلة الجنينية ,و يستمر حتّى إلى ما بعد الولادة
لاحظ في سورة المؤمنون استخدام حرف العطف الفاء (فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً)
أما في سورة الحج فقد تم استخدام حرف العطف ثم : (مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَ)
فالانتقال من مرحلة العلقة إلى المضغة قد تمَّ باستخدام حرفي جر مختلفين في دلالتهما الدقيقة
ثمّ: تفيد الترتيب و التراخي
أما الفاء : تفيد التعقيب
مما يجعلنا نذهب إلى أن المذكور في القرآن الكريم حول تخلّق الجنين يؤخذ على المجمل لتذكير الانسان بمعجزة خلقه و من دون تفاصيل
-و ما يؤكد ذلكَ نص ثالث من سورة غافر ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ) 67 حيث يتم تجاوز الإشارة إلى مرحلة المضغة كلها.
فاختلاف صيغ الكلام عن الخلق و مراحله بين النصوص الثلاثة يتنافى مع كوننا أمام "نص علمي" بل نص مجازي يهتم بقضية الخلق من ناحية عقائدية لغرض الاعتبار.
^^