المنظمات الحقوقية.. للداخل أم الخارج؟

مصطفى مجدي الجمال
2015 / 6 / 11

لا أوافق بالمرة على أية إجراءات للتضييق على المنظمات الحقوقية.. وأعتقد أن حسابها يجب أن يترك للمواطنين جميعًا وليس الحكومة أو المجتمع السياسي وحده.. وأظن أن أي إجراء في هذا الاتجاه غير المحمود يعبر عن موقف معادٍ للحريات ويتخذ من خطأ بعض الممارسات ذريعة للتوغل أكثر في قمع الديمقراطيين، وقطع الطريق على تبلور مجتمع مدني حقيقي ووطني

ولكن في الوقت نفسه ما العمل إذا كانت المنظمة الحقوقية متوجهة بالأساس نحو الخارج.. بمعنى أن تمويلها كاملاً يأتي من الخارج؟ فللأسف لا تجد أي منظمة حقوقية نفاذًا إلى تمويل وطني لأسباب تتعلق بالقمع وحتى عدم النضج الحقوقي لدى البرجوازية والفئات الوسطى عمومًا.. كما أن المنظمات الحقوقية المصرية مازالت تقوم كليًا على العمل الحرفي للنشطاء.. أي العمل بمقابل (سخي جدًا أحيانًا).. وليس على العمل التطوعي

فمثلاً هناك العشرات والعشرات من المحامين الذين يؤدون دورًا تقدميًا في مرافعاتهم في قضايا حقوقية جماعية أو فردية أمام المحاكم.. ولكن بمرتبات أو مكافآت.. رغم أن السبعينيات والثمانينيات عرفت لجنة الدفاع عن الحريات بقيادة نبيل الهلالي، والتي اعتمدت على قاعدة واسعة من المحامين المتطوعين.. أما طريقة المحامي غير المتطوع فإنها بلا شك قد دمرت القاعدة الواسعة من المحامين الديمقراطيين المستعدين للدفاع طوعًا.. وأرست أسلوبًا غير مريح في هذا المجال

وإذا كان هناك نفر من الحقوقيين الذين دخلوا مجال السياسة والانتخابات انطلاقًا من مرافعاتهم في قضايا الحقوق والحريات.. فإنهم للأسف قد اعتمدوا أساسًا على التمويل الأجنبي أو يتوقون إليه.. ومن ثم فإن الأجيال الشابة من المحامين الديمقراطين ستسير على نفس الدرب المعيب

وبالطبع إذا كان تمويلك أجنبيًا فإنه من غير المنطقي أن نتوقع منك نقدًا لممارسات وتوجهات دول ومنظمات بعينها.. فمن النادر جدًا مثلاً أن تجد منظمة حقوقية تمويلاً أجنبيًا لبرامج أو أنشطة تفضح الإجرام الصهيوني أو الإمبريالي.. أو تعترض على روشتة صندوق النقد الدولي التي تجلب الفقر والبطالة والتخلف..الخ

والمنظمات الحقوقية تعتمد غالبًا المنظور الغربي لحقوق الإنسان.. وهو منظور محل نقد شديد من كل الدوائر الحقوقية الراديكالية والقوى الاجتماعية التقدمية في العالم.. فمثلاً تركز المنظمات الحقوقية على الحقوق السياسية والمدنية على حساب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. وحتى المنظمات المعنية بحقوق المرأة تتبنى المفهوم النسوي وليس مفهوم النوع الاجتماعي (الجندر) الأوسع نطاقًا والأكثر تقدمًا.. وهذا ما يفسر لنا الاهتمام المبالغ فيه بقضايا الختان والمثلية والحجاب على حساب قضايا أهم وألح مثل المساواة في شروط العمل والمشاركة المجتمعية والحياة الأسرية.. أما قضايا حقوق الشعوب مثل التحرر الوطني والسيادة وديون العالم الثالث واحتكارات الإعلام والمواد الأولية والملكية الفكرية... فهي قضايا غائبة تمامًا

وإذا أتيح لك الاطلاع على الأدلة التدريبية وبرامج تنفيذ المشروعات فستجدها مترجمة بالكامل، ويكاد ينعدم المدخل المحلي/ الوطني فيها.. بل إن بعض المنظمات تستقدم خبراء أجانب من المنظمات الشمالية للإشراف على التدريب وتقييم المشروعات.. وغالبًا ما يكون "الخبراء" والمدربين مجرد شباب محدودي الخبرة والمعرفة، ناهيك عن مدى إلمامهم بالشروط المحلية

وإذا انتقلنا من جانب المدخلات إلى جانب المخرجات سنجد أن معظم المخرجات تتمثل في ندوات ونشرات ودراسات تتبنى المنهج السابق في التوجه للخارج أساسًا.. وتعتمد أسلوب المكافآت للباحثين والمحامين والإداريين وحتى المتدربين.. ويكاد البعد التطوعي أن يغيب تمامًا.. ومن المهم أيضًا عقد مؤتمرات صحفية يحرص منظموها على دعوة الإعلام الخارجي لها بكثافة

أما المنظمات الحقوقية المحلية ذات السند الدولي القوي فإن ذروة نشاطها تتمثل في رفع التقارير أو الإدلاء بالشهادات أمام لجنة في الكونجرس الأمريكي أو البرلمان الأوربي.. وهو ما يثير الكثير من الحساسيات والالتباس "المشروع" في الداخل.. فالمفترض في المنظمات الحقوقية أن تتوجه أساسًا لمواطنيها بهدف رفع الوعي وخلق رأي عام على دراية بالقضايا المطروحة.. أما التركيز على الدوائر الخارجية (بغض النظر عن طبيعتها وأغراضها) فيبدو في المظهر الأخير كإقرار بأن تغيير الأوضاع في البلاد رهين بالضغوط من خارجها.. وهو ما يضر القضايا العادلة أكثر مما يفيدها.. ناهيك عن الإضرار بالصورة الشخصية للحقوقيين أنفسهم في نظر مواطنيهم

إن التوجه للخارج قبل الداخل- على كل المستويات- يسيء إلى قضية المجتمع المدني ودوره.. ولعل القائمين على المنظمات الحقوقية يدركون أنهم بمسلكهم هذا لن يخدموا القضايا التي يدافعون عنها.. وإنما يثيرون حولها الكثير من الشبهات التي يمكن الاستغناء عنها