المعرفة والنهوض المُجتمعي

ريم شطيح
2015 / 6 / 10

المعرفة قوة في كلّ زمانٍ ومكان. إنّ مَن يحمل فِكراً تَحرُّرياً ولا يُعزّزه بالمعرفة فلن يستفيد لا هو ولا المجتمع من هذا الفِكر وسيكون فِكراً مَنقوصاً قد لا يُقدِّم شيئاً حتى على الصعيد الشخصي لصاحبه فأول معرفة عليه أن يُتقِنها هي المعرفة الذاتية لنفسه، حيث هناك وعي فَردي و وعي جَمعي؛ كلاهما يُكَوِّنان فهم الإنسان لذاته أولاً وفهمه لمحيطه ومجتمعه ثانياً وللوجود الإنساني ثالثاً.

إنّ وعي الذات والمعرفة مُتلازمان وأساس النهوض المُجتمعي، وصاحب الفِكر الحُر أو صاحب قضية إنسانية لا يستطيع تحقيق أفكاره والنهوض بمحتمعه ما لَم يمتلك ذلك الوعي لذاته وفهمه لنفسه، امتلاك هذه المقدرة يتطلّب فهماً عالي التوتُّر والعُمق، وتأتي التجربة (المادة) لتصقل وتُفَعِّل هذا الوعي عملياً Activation! ما لم يمتلك هذا الوعي؛ لن يكونَ فاعِلاً ومُؤثِّراً في القضايا التي يتبنّاها. من جهة أخرى، لا يمكن الحصول على معرفة ذاتية أو جماعية بدون فِكر فلسفي وبدون فهم منطق الجدَلية أو الديالكتيك، حيث فهم الأفكار وإيصالها لا يتم بشكل منطقي وموضوعي فقط بدون فهم فلسفي؛ هذا الأخير أساس المنظومة الفِكرية الإنسانية التي تُبنى من خلالها الأفكار والتحليلات.

إنّ المعرفة بمفهومها العلمي هي نتيجة التقاء العقل المُدرِك مع الموضوع المُدرَك واتّحادهما، وهذه النتيجة تُفضي لنتائج أخرى؛ أي المعرفة غير مُنتهية ولا حدود لها. ومن إحدى المُغالَطات التي تقع فيها بعض المجتمعات هي في الخَلط بين العِلم والإختصاص وبين المعرفة، فليس كل حامل شهادة جامعية مُثقَّفاً ولديه معرفة شمولية؛ بل تلك الشهادة هي اختصاص لمجال ما وليست ثقافة عامة ولا معرفة شاملة، فمفهوم ومصطلح المعرفة ليس مرادفاً لمصطلح العلم؛ المعرفة أكثر اتّساعاً وأكثر شمولاً من العلم الذي هو أحد طرق المعرفة. والمعرفة تأتي نتيجة مجهود شخصي وبحث دائم ومُقارَبات بالإعتماد على نهج الفِكر الفلسفي والتحليلي وهذا البحث لا ينتهي عند مرحلة ما أو بالحصول على شهادة جامعية معينة.

ارتبطَت المعرفة بالجرأة وبالقوة، وهذه الثلاثية تُشكّل وحدة التقاء مهمة جداً تحتاجها المجتمعات لتفعيل هذه المعرفة تِباعاً والإستفادة منها، فالمعرفة طريق الجُرأة والقوة وليس العكس؛ حيث الجُرأة بحدِّ ذاتها بلا معرفة وعُمق للأفكار المَطروحة لا تعدو كونها كلاماً قد يكون غيرَ مسؤول على أقل حَدّ، وهنا الجُرأة لا تتّصف بالقوة؛ فالمعرفة أساس الجُرأة والقوة معاً. من ناحية أخرى، إنّ المعرفة أيضاً تفاعُل؛ حيث لا ينضج فِكر حُر إلاّ من خلال التفاعُل بين الآراء والمُعتقدات الخاصة مع العامة والخروج من الدائرة الضيقة المُكَبَّلة بالعادات والتقاليد إلى العالم الكبير الذي يفتح أمام العقل مساحات كبيرة من الحقائق تنقله من حَيِّز التأمُّل والخيال أو الإفتراضيات إلى حَيِّز اﻹ-;-دراك والواقع؛ فكلما ارتفع مستوى هذا التفاعل ارتفع معه مستوى المعارف المُكتَسَبة وتجلَّتْ الحقائق أكثر ليصبحَ الفرد قادراً على التأثير في الآخرين أكثر لأنه حينها يمتلك القدرة على الإقناع وشرح أي فكرة يريد إيصالها للآخرين.

إنّ التفاعل بين الأفكار والآراء والمعتقدات كفيل بغربلة الكثير من المعلومات والأفكار المُكتَسَبة وبإنتاج المعرفة المناسبة للرُّقِي والسّمو بأوضاع المجتمعات إلى الأفضل. فمن الضروري إذاً الإنتقال بالمعرفة لمرحلة التفعيل أو التوظيف وإعادة نشرها من الخاص/الفرد إلى العام/المجتمع لتنميته وزيادة قدراته لمواجهة المشاكل السياسية منها والإقتصادية والاجتماعية. إلاّ أنّ المجتمعات المُتقَوقِعة حول نفسها لن تستطيع أن تتفاعلَ مع مَن يُخالفها الرأي وبالتالي وجَبَ على المُفكِّرين والمُثقَّفين أن يضطلعوا بدورهم الريادي في التوعية والتوجيه ومقارعة الأفكار المُتطرفة التي تضرب على وتر العاطفة المُتمكِّنة في نفوس الشعوب الجاهلة ولا أقول الأمية لأن الجهل أخطر من الأمية ومواجهتها بفكر تنويري إنساني.

لكن، وعلى صعيد الدول العربية مثلاً، فالمُفكِّرون والمُثقَّفون كانوا دائماً مُحارَبين من السلطة والنظام السياسي القائم، فبين النظام الحاكم واستبداد السلطة السياسية والدينية يتكوّن ذلك السد المانع للتطوّر وتوظيف المعرفة والعِلم، فحتى التجربة التي تعقب الوعي الأول والتي تناولتُها أعلاه يلزمها مناخاً وفضاءً من الحرية والديمقراطية وقد يصعب تحقيقها في ظل استبداد السلطات الحاكمة وتسلُّط الدين والموروث من عادات وتقاليد، حيث لا بُدّ من إزالة هذه العوائق أو تجاوزها لتفعيل أي تجربة والإرتقاء بهذه المعرفة وبالمجتمع إلى مصاف المجتمعات الإنسانية. وهنا يتحمّل النظام السياسي المسؤولية الأكبر في عدم تهيئة المجتمع والشعوب للتغيير أو لأيّ فِكر جديد، فالمشكلة كانت وما زالت في عدم وجود حاضِن للمُفكِّرين من قِبَل هكذا حكومات؛ فالأنظمة الشمولية ذات الرُّؤية الأُحادية غير التعددية لعبت دوراً أساسياً في التأثير على الشعوب وممارسة القمع المُمَنهَج ضد كل صاحب فِكر حُر سيقف أولاً في طريقها فخلّفَت تلك الأنظمة أجيالاً تُحارب المُختلف وتضطهد الفِكر الجديد وصاحبه كنتيجة للإستبداد الفِكري والديني والسياسي لهذه الأنظمة.

من هنا، فإنّ المجتمعات التي رفضَت التغيير والإنفتاح كالعربية نموذجاً لم تصل من جهة إلى معرفة تُفضي بحلول بديلة تكسر معها الإنغلاق والتطرُّف، ومن جهة أخرى كانت خاضعة لنظام سياسي شمولي وتسلُّط ديني. فثقافة هكذا مُجتمعات عزّزَت الإقصاء و رفْض الآخَر المختلف والعنصرية وبهذا فهي تتحمّل أيضاً جزءاً مهماً فيما وصلَت إليه الأمور في المجتمعات العربية حالياً كمثال من تردّي خطير في الأوضاع الداخلية وما يتبعها من تنامي الفكر المتطرف الذي وجَدَ تربة خصبة لزرع سمومه؛ فكل فِكر هو بالضرورة وليد مجتمعه وإنّ المأساة في مجتمعاتنا العربية المتناحرة هي في عدم قبول الرأي الآخر حتى بات صاحب الإختلاف كافراً ومجرماً، وعوضاً عن محاربة الفكرة عملوا على محاربة وقتل أصحابها.

أختم قولي في أنّ المعرفة هي نِتاج بحث وعلم وتجارب لكن الأصل هو في الفِكر الحر والعقل طريق النجاة أو السقوط يبدأ من لحظة الإدراك والتنوُّع الفطري للإنسان. إلاّ أنّ المعرفة أيضاً هي أساس كل فِكر حُر، وإنّ الرّغبة بتفعيل هذا الفِكر في المجتمع واستِثماره ونشره تأتي نتيجة لنسبة هذه المعرفة لدى الفرد وليست قراراً؛ حيث غالباً ما يَصِل المُفكِّر إلى مستوى من المعرفة تجعله شريكاً في كل ما يحدث في هذا العالم بشكل تِلقائي، وبالتالي لن يستطيع أن يَنأى بنفسه وبهذه المعرفة عن المجتمع ولا يجب أن يَنأى كي يكون شريكاً وفاعِلاً حقيقياً في النهوض المجتمعي.

ريم شطيح - كاتبة وباحثة سورية