كشف حساب عامين من حكم -جنرال مبارك-

محمود عبد الرحيم
2015 / 6 / 8

ليس عام واحد على حكم الجنرال السيسي، ولكنه عامان من عسكرة المجتمع وتكميم الأفواه وإدارة البلاد بالدعاية والتحريض وغسيل الأدمغة، وباصطناع أزمات وفزاعات للإلهاء والتحكم والسيطرة علي العقل الجمعي، علاوة علي تقنين الفساد ونهب المال العام، وسياسات القمع والافقار، واهدار مصالح مصر في الداخل والخارج، مقابل صك الاعتراف بالاستيلاء علي السلطة بالقوة والخداع، وتكريس الفساد والاستبداد والتبعية أكثرً، وتصفية ما تبقي من آثار انتفاضة يناير، واستعادة دولة السادات/ مبارك البوليسية الفاسدة.
هذا هو كشف حساب مختصر لجنرال مبارك "الحاكم الاله"، ولا داعي لسرد تفصيلي للمواقف والقرارات وحتى الخطابات المتهافتة التي لا تحوى سوى شعارات لا أثر لها على الأرض ، لأن الكل يعرفها ومل منها.
والسؤال هنا الذي سيبادر أنصار السيسي والمستفدون منه أو الذين لعبت بعقولهم آلة الدعاية الاستخباراتية الجبارة التى تعمل على مدار الساعة.. وهل عام يكفي؟ أليس هذه تركة من قبله؟ ألا يكفيه أنه حمى مصر من مصير مجهول؟ انتظروا عليه ليكمل مدته 8 سنوات ثم احكموا؟
سأبدأ من الأخير، وأقول إن المدة الدستورية أربع سنوات وليست ثمانية، لأنه لا يوجد تجديد تلقائي، وأنما انتخابات حرة مباشرة، لكنهم لا يبغون من هذا الطرح سوى التسويف وتمهيد الجماهير للقبول ببقائه ضعف المدة، إن لم يتم العبث في الدستور المنتهك والمجمد فعليا، كما وصفه أحد أنصار السيسي الكاتب الصحفي عبد الله السناوي، ليظل في الحكم إلى ما لانهاية، مثل السادات الذي ترك برحيله موتا، أو مبارك الذي اضطر للابتعاد في صفقة الخروج الآمن بعد أن بات ورقة محروقة أمريكيا.
وبذات الاتساق مع الذات، وبمنطق توحيد المعايير وليس ازدواجها، فعام يكفي للحكم على السيسي، مثلما قلنا للإخوان طالما أن البلاد تسير إلى المجهول، والتدهور مستمر على كافة الأصعدة، و"أخونة الدولة" قد تم استبدالها ب"عسكرة الدولة" و"الفاشية الدينية" تحولت ل"ديكتاتورية عسكرية"، وثمة مخاطر حقيقية على الأمن الوطني المصري فيما يخص حدودها وأمنها المائي، ودورها ومكانتها وغير ذلك، والتدهور مستمر على كافة الأصعدة، وأحوال الناس المعيشية تزداد سوءا فوق سوء.
ثم أن السيسي يحكم مصر منذ عامين بعد إطاحة مرسي، وإن قضى عاما من وراء ستار القاضي المنتدب مؤقتا للعب دور "الدوبلير الرئاسي"، وكان أيضا شريكا بحكم منصبه كوزير للدفاع خلال حقبة الإخوان، وكذلك إبان إزاحة مبارك واستبداله بالمجلس العسكري الذي كان عضوا فيه.
ثم ما هي المؤشرات التى تقول إننا على الطريق الصحيح، وأنه يعمل لحماية مصر والمصريين تلك الأكذوبة الكبرى التى تم ويتم الترويج لها، فيما المجتمع وصل إلى أعلى مستوى من الانهزامية والتفكك والانقسام الحاد، ومساحة الكراهية والاحتقان والعنف تزداد يوميا حتى داخل البيت الواحد، والإرهاب المصطنع في جانبه منه يتحول لحقيقة بشعة يدفع ثمنها أبناء الشعب من أرواحه وأمنه.
وبعد ارتفاع سقف التوقعات والآمال في أعقاب انتفاضة يناير بات اليأس هو الحاكم لجموع الشعب، خاصة الشباب منهم الذين تم اغلاق نوافذ الأمل أمامهم، علاوة على تنازلات مؤلمة جرت في ملف مياه النيل وفي سيناء والانبطاح غير المسبوق أمام قوى الرجعية العربية الخليجية، وترك المصريين نهبا لاستغلال وفساد رجال الأعمال، وما يسمون بالمستثمرين العرب والأجانب، وتجريف ثروات البلاد، بالتواطؤ مع كبار رجال الدولة ومؤسساتها.
والأهم من هذا تكريس الطبقية بفجاجة، ورعاية واحتضان الفاسدين وتقدمهم الصفوف والمناصب الرسمية، وسط ازدراء الشعب وتحميله مسئولية فشلهم وفسادهم، وكأنه من صنع فقره وليس هم الذين سرقوا حقوقه وافقروه ثم يلومونه ويريدونه أن يكون خدما لهم فقط وعبيد احساناتهم.
والأخطر من هذا هو مصادرة المجال العام والحريات العامة وإهدار كل المبادئ المتعارف عليها دوليا المتعلقة بحقوق الإنسان، وإعطاء الضوء الأخضر للأجهزة الأمنية لإنتهاكات جسيمة بحق المواطن الذي يرفع صوته بالاحتجاج السلمي، وأحيانا لشخص ليس له صوت أصلا، مع معدل قياسي للمعتقلين والقتل خارج القانون الذي يمثل مع التعذيب "ارهاب الدولة" تلك الجريمة التى لا تسقط بالتقادم.
فهل ثمة إنجازات تسجل للجنرال خلاف هذا؟
على الجانب الآخر، سوف ينبري الإخوان أو انصارهم، ليقول إليس مرسي والإخوان أفضل؟ وأنهم لم يفعلوا ما فعل السيسي؟
ونقول لهم ليس صحيحا، ما فعله السيسي سبقه إليه الإخوان، الفارق الوحيد فقط في المعدل، وذلك مرجعه أن الوقت لم يسعفهم، فضلا عن بطء ايقاعهم، واتباعهم منهج التدريج في القمع والسيطرة.
لكنهما أبناء منهج واحد وشبكات علاقاتهم واحدة وولاءاتهم للخارج، وليس للداخل، وكلاهما خطر على مصر، وأبعد ما يكونوا عن التعبير عن حقوق وحريات المصريين ولا مصالحهم، ولا يعرفون ولا يعترفون أصلا بالديمقراطية وحقوق الإنسان، والوطن عندهم شعار ليس إلا، والمواطن رقم فقط، أو أداة للتلاعب به وقتما يشاءون.
ونعود ونقول إن مصر أكبر من الجنرالات والإخوان، ولا مستقبل لهذا البلد دون إزاحة الطرفين من المشهد والوصول لتغيير حقيقي جذري وشامل، ينسف بنية النظام الفاسد المستبد التابع، ويعيد بناء مصر المدنية الديمقراطية الحديثة التي تعمل لصالح المواطن، وليس شبكات مصالح، وغير ذلك حركة في ذات المكان، وإضاعة للوقت والجهد بلا عائد.
*كاتب صحفي مصري
Email:mahmoudreheem@hotmail.com