نتحمّل مسؤولية القتل بالطائرات المسيرة ( اوباما وضباب الحروب)

فضيلة يوسف
2015 / 5 / 28

عندما اعتذر الرئيس الأمريكي باراك أوباما يوم 23 نيسان لعائلات Warren Weinstein و Giovanni Lo Porto وهما رهينتان في باكستان (أمريكي وايطالي)، قتلا في هجوم بطائرة مسيرة في باكستان في كانون الثاني، ألقى باللوم على قتلهما المأساوي على "ضباب الحرب". " تتفق هذه العملية تماماً مع المبادئ التوجيهية التي نقود بموجبها جهود مكافحة الإرهاب في المنطقة"، واستناداً إلى "مئات الساعات من المراقبة، كنا نعتقد أن هذه (البناية المستهدفة والتي دمرتها الطائرات المسيرة بالصواريخ) كانت بناية لتنظيم القاعدة. لم يكن هناك مدنيين في البناية وأضاف الرئيس "وحتى مع النوايا الصادقة والضمانات الصارمة، " والحقيقة القاسية المريرة أنه في ضباب الحرب عموماً وكفاحنا ضد الإرهابيين على وجه التحديد، تحدث الأخطاء - وأحياناً تحدث أخطاء قاتلة ".
مصطلح "ضباب الحرب" باللغة الألمانية، عرضه المحلل العسكري البروسي Carl von Clausewitz في عام 1832، لوصف حالة عدم اليقين التي يعاني منها القادة والجنود في ساحة المعركة. وغالباً ما يستخدم لشرح أو الاعتذار عن "النيران الصديقة" ، والوفيات الأخرى غير المقصودة نتيجة سخونة الموقف والارتباك أثناء القتال. مصطلح يثير صوراً حية من الفوضى والغموض. ضباب الحرب يصف الضجيج الذي لا يصدق، والصدمات النفسية، وابل الرصاص وقذائف المدفعية والانفجارات التي تكسر العظام ، صرخات الجرحى وصراخ إعطاء الأوامر من القادة ، الرؤية المحدودة وحجبها من سحب الغازات والدخان والحطام.
الحرب نفسها جريمة والحرب هي الجحيم، ويُعاني الجنود في ضبابها من الضغط العاطفي الزائد ، الحسي والجسدي. في ضباب الحرب، يكون الجندي مرهقاً بعد نقطة معينة من القدرة على التحمل والخوف على حياته وعلى حياة رفاقه. ويتخذ الجنود كثيراً القرارات في جزء من الثانية تفصل بين الحياة والموت. في مثل هذه الظروف البائسة، فإنه لا مفر من "الأخطاء - الأخطاء القاتلة في بعض الأحيان -"
لم يُقتل Warren Weinstein و Giovanni Lo Porto في ضباب الحرب. لم يقتلا في الحرب على الإطلاق، وليس في أي طريقة حرب معروفة حتى الآن. قتلا في بلد ليست في حالة حرب مع الولايات المتحدة. لم يقاتل أحد في البناية التي قُتلا فيها . كان الجنود الذين أطلقوا الصواريخ التي أدّت إلى قتل هذين الرجلين على بعد آلاف الأميال في الولايات المتحدة ولم يكونوا في خطر، حتى إذا أطلق أي شخص النار من البناية . شاهد هؤلاء الجنود البناية تتبخر تحت الصواريخ، لكنهم لم يسمعوا صوت الانفجار ولا صرخات الجرحى، كما أنهم لم يتعرضوا لارتجاج نتيجة الانفجار. في تلك الليلة، كما في الليلة التي سبقت هذا الهجوم، فإنهم ناموا في منازلهم .
يشهد الرئيس أن هذه الصواريخ أُطلقت بعد "مئات الساعات من المراقبة" وتمت دراستها بعناية من قبل المحللين في وزارة الدفاع والاستخبارات. لم يتم التوصل إلى القرار الذي أدّى إلى قتل Warren Weinstein و Giovanni Lo Porto في بوتقة القتال ولكن في المكاتب المريحة وقاعات المؤتمرات الآمنة. لم تكن الرؤيا ضبابية بسبب الدخان والحطام ولكن تم تعزيزها من قبل تكنولوجيا " Gorgon Stare " للمراقبة المتطورة للطائرات المسيرة.
في نفس اليوم الذي تحدث به الرئيس أيضاً أصدر السكرتير الصحفي للبيت الأبيض بياناً: "لقد توصلنا أن أحمد فاروق، وهو أمريكي وقائد في تنظيم القاعدة، قُتل في نفس العملية التي أسفرت عن مقتل الدكتور Weinstein والسيد Porto. لقد توصلنا أيضاً إلى أن Adam Gadahn ، وهو أمريكي وعضو بارز في تنظيم القاعدة، قتل في كانون ثاني ، ضمن عملية مكافحة الارهاب التي تقوم حكومة الولايات المتحدة. لم يكن فاروق وغدن مستهدفان رغم أنهما أعضاء في تنظيم القاعدة، ونحن لم يكن لدينا معلومات تُشير إلى وجودهما في مواقع هذه العمليات. وأضاف " أن برنامج الاغتيال بالطائرات المسيرة يقتل عن طريق الخطأ الرهائن أحياناً ، كما أنه في بعض الأحيان يقتل عن طريق الخطأ الأميركيين الأعضاء في تنظيم القاعدة. ويبدو أن البيت الأبيض يتوقع منا أن نأخذ بعض العزاء في هذه الحقيقة.
"مئات الساعات من المراقبة" وبالرغم من ذلك، وعلى الرغم من كونها " تتفق تماماً مع المبادئ التوجيهية التي بموجبها نقود جهود مكافحة الإرهاب،" تم اعطاء الأمر بالهجوم على البناية في غياب أي إشارة إلى أن أحمد فاروق كان هناك او ان Warren Weinstein لم يكن . بعد ثلاثة أشهر من الحادث ، تعترف حكومة الولايات المتحدة أن من قاموا بتفجير المبنى الذي كانوا يشاهدونه لعدة أيام لم يكن لديهم فكرة عمن كان فيه.
"الحقيقة قاسية ومريرة" لم يقتل Warren Weinstein و Giovanni Lo Porto في "جهود مكافحة الإرهاب" على الإطلاق، ولكن في عمل من أعمال الإرهاب الذي تقوم به حكومة الولايات المتحدة. قُتلا في ضربة تشبه ضربات العصابات التي أخفقت. قتلا في ضربة تكنولوجية فائقة ، هما ضحايا القتل نتيجة الإهمال في أحسن الأحوال، إن لم يكن القتل المباشر.
و"حقيقة قاسية ومريرة" أخرى أن الناس الذين تقتلهم الطائرات المسيرة ليسوا في ساحات القتال ويُقتلون على جرائم لم تتم محاكمتهم عليها ، مثل أحمد فاروق وآدم غدن ،اللذان لم يُقتلا بصورة قانونية في القتال. هم ضحايا القتل عن طريق التحكم عن بعد.
" الطائرات المسيرة عديمة الفائدة في ساحات المعارك "، اعترف الجنرال Mike Hostage ، رئيس وحدة القتال في قيادة القوات الجوية في كلمة ألقاها في أيلول 2013.وأضاف " أثبتت الطائرات المسيرة أنها مفيدة في "مطاردة" تنظيم القاعدة ولكنها لا خير منها في القتال الفعلي". ازدهر تنظيم القاعدة والمنظمات الإرهابية الأخرى وتضاعفت منذ حملات أوباما بالطائرات المسيرة عام 2009 ، يمكن للمرء أن يأخذ هذه المسألة من الجنرال (لا يوجد للطائرات المسيرة فوائد على أي جبهة )، بل إن استخدام القوة المميتة من قبل وحدة عسكرية خارج ساحة المعركة، هو جريمة حرب. وحتى حيازة السلاح في منطقة لا نزاع فيها هي جريمة، كذلك.
إن مقتل اثنين من الرهائن الغربيين، أحدهما مواطن أمريكي، مأساوي، ولكن ليس أكثر من مقتل الآلاف من اليمنيين، والباكستانيين والأفغان ، والصوماليين والليبيين ، الأطفال والنساء والرجال بالطائرات المسيرة نفسها. يؤكد كل من الرئيس وسكرتيره الصحفي لنا أن الأحداث في باكستان في كانون ثاني الماضي كانت "متسقة تماماً مع المبادئ التوجيهية التي بموجبها نقود جهود مكافحة الإرهاب، العمل كالمعتاد وبعبارة أخرى. يبدو أنه من وجهة نظر الرئيس، أن الموت مأساوي فقط عندما يتم اكتشافه بشكل غير مناسب ويكون القتلى من غير المسلمين والغرب.
قال الرئيس أوباما في 23 نيسان "كرئيس وقائد أعلى للقوات المسلحة، أتحمل المسؤولية الكاملة عن جميع عمليات مكافحة الإرهاب التي نقوم بها ، بما في ذلك تلك التي قتلت عن غير قصد Warren Weinstein و Giovanni Lo Porto "،ومنذ تولى الرئيس رونالد ريغان كامل المسؤولية عن صفقة أسلحة إيران كونترا وحتى الوقت الحاضر، من الواضح أن قبول الرئاسة المسؤولية يعني أن أحداً لن يُحاسب وأن شيئاً لن يتغير. تُعتبر مسؤولية الرئيس أوباما عن قتل اثنين فقط من ضحاياه تافهة جداً للنظر فيها ، وجنباً إلى جنب مع اعتذاره الجزئي، إهانة لذكراهم. في هذه الأيام من التخاذل الرسمي، هناك البعض ممن يأخذ المسؤولية الكاملة عن جميع القتلى والتحرك لوقف أعمال العنف المتهورة والاستفزازية.
بعد خمسة ايام من اعلان الرئيس عن جرائم قتل Warren Weinstein و Giovanni Lo Porto ، في 28 نيسان، كان لي شرف المشاركة في تجمع متخصص في ولاية كاليفورنيا مع نشطاء خارج القاعدة الجوية (Beale) ، موطن طائرات المراقبة المسيرة "غلوبال هوك". أُلقي القبض على ستة عشر منا سدّوا مدخل القاعدة، وقرؤوا أسماء الأطفال الذين قُتلوا أيضاً في هجمات الطائرات المسيرة .ولكن دون اعتذار رئاسي أو حتى قبول أنهم قُتلوا على الإطلاق. كنت مع مجموعة أخرى من النشطاء المناهضين للطائرات المسيرة في قاعدة (Whiteman)الجوية في ولاية ميسوري، وفي أوائل شهر آذار ، في صحراء نيفادا مع أكثر من مائة من مقاومي القتل بالطائرات المسيرة في قاعدة (Creech) لسلاح الجو. مواطنون مسؤولون يحتجون على قواعد الطائرات المسيرة في ولاية ويسكونسن، ميشيغان، أيوا، نيويورك ، وفي قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني (Waddington) في المملكة المتحدة، وفي مقر وكالة الاستخبارات المركزية في (Langley)بولاية فرجينيا، وفي البيت الأبيض، وأماكن أخرى تُرتكب منها هذه الجرائم ضد الإنسانية.
يحتج الناس في اليمن وفي باكستان أيضاً، ضد جرائم القتل التي تحدث في بلدانهم وتشكل خطراً كبيراً عليهم. وقد تقدم محامون من منظمة (Reprieve) " منظمة ضد القتل والسجون السرية " والمركز الأوروبي لحقوق الإنسان الدستورية دعوى في محكمة ألمانية، ضد الحكومة الألمانية لأنها انتهكت دستورها من خلال السماح للولايات المتحدة باستخدام محطة تقوية الاتصالات الأقمار الصناعية في قاعدة (Ramstein) الجوية في ألمانيا لعمليات القتل بالطائرات المسيرة في اليمن.
ربما سيتحمل الرئيس أوباما المسؤولية عن هذه الجرائم يوماً ما . وحتى ذلك الحين فإن المسؤولية التي يتهرب وإدارته منها نتحملها نحن جميعاً . لن يستطيع الاختباء وراء ضباب الحرب ولا حتى نحن.
مترجم
BRIAN TERRALL