الشهيدة ، جريمة قتل وبناء أفغانستان جديدة

فضيلة يوسف
2015 / 5 / 26

ذهبت إلى كابول، أفغانستان، في شهر آذار ، لرؤية الأصدقاء القدامى. وعن طريق الصدفة، وصلت في اليوم التالي لتعرض امرأة للضرب حتى الموت وإحراقها من قبل حشد من الشبان. وسيعرف العالم اسمها قريباً : Farkhunda (فارخندا). ويعني اسمها "الميمونة" أو "المبتهجة". قُتلت فارخندا في قلب العاصمة الأفغانية، في مزار شعبي، دُفن فيه محارب مجهول استشهد من أجل الإسلام. عملت قبل سنوات، قرب هذا المكان . كنت أعرف الحي وكذلك مفترق الطرق للمسافرين والتجار وشارع السوق بجوار نهر كابول، الذي يشغله الباعة المتجولون والمتسولون ومدمنو المخدرات واللصوص. كان دائماً حياً مراوغاً. والآن، أصبح مسرح الجريمة.
في نيسان ، في نهاية فترة الحداد التقليدية ( 40 يوم) للمرأة الميتة، قام مجموعة من المواطنين يطلقون على أنفسهم اسم لجنة العدالة لFarkhunda بإعادة تمثيل جريمة القتل ، وكانت المجموعة قد ضغطت على الحكومة لاعتقال ومعاقبة القتلة. وبعد فترة وجيزة من المطالبات، قدّم مكتب المدعي العام اتهامات رسمية ضد 49 رجلاً: 30 مشاركاً مشتبه بهم في جريمة القتل و 19 من ضباط الشرطة المتهمين بالتقصير في محاولة وقف عملية القتل. بدأت المحاكمة في المحكمة الابتدائية ، في 2 أيار، وبثها التلفزيون الأفغاني على الهواء مباشرة. ماتت Farkhunda الآن ودُفنت، ولكن قصتها بقيت وبقوة . يبدو صعود شيء لم أره في أفغانستان لفترة طويلة جداً: قوة الشعب الداعية لنبذ العنف والإصلاح بشكل سلمي. ما الرسائل التي يجب أن يفهمها الأميركيون، على وجه الخصوص، الذين يقاتلون دون جدوى في أفغانستان لمدة 13 عاماً و يزيد.
اللكم والركل ، التكسير، والجر، ووالحرق
زارت Farkhunda بعد ظهر يوم الخميس، 19 آذار، ضريحاً. وهناك، شاهد نحو 30 شخصاً من الزوار، كيف بدأ عدد قليل من الشبان هجوماً من شأنه أن ينهي حياتها. أخذ بعض المتفرجين بالصراخات التي استدعت أكثر: ("الله أكبر"). وبعد أقل من ساعة، أضرموا النار في جسد المرأة، وقدرت الشرطة أن الحشد وصل من 5000 إلى 7000 شخص. منذ البداية، استخدم المتفرجون هواتفهم المحمولة لالتقاط الصور أو مقاطع الفيديو، وكثيراً منها تم نشرها في وقت لاحق في الفيسبوك والذي يتابعه عشرات الآلاف في جميع أنحاء البلاد، وفي نهاية المطاف العالم.
انتخب أشرف غاني، رئيساً لأفغانستان لمدة ستة أشهر فقط قبل الحادث فقط، ولم يشكل حكومة حتى ذلك الوقت، وكان يستعد لقضاء خمسة أيام في الولايات المتحدة. ،وكانت عملية القتل المروعة مثيرة للقلق ، لأنه حتى في العاصمة كابول ما زال عدد كبير جداً من الأفغان أميون تنتشر بينهم الإشاعات، والقيل والقال، بسرعة أكبر من وسائل الإعلام، ولا تكون الكلمة الأخيرة في كثير من الأحيان لرجال الدين . قبل ان يغادر كابول، سمّى غاني بحكمة 10 من الأفغان المتميزين، ستة رجال وأربع نساء، إلى اللجنة المكلفة بكشف الحقائق عن عملية الاغتيال. وكان من بينهم علماء الدين الإسلامي وقانونيين، وبرلمانيين، ومتخصصين في مجال حقوق الإنسان.
وأصدر أيضاً بياناً عن الحادث، حسم فيه الجدال بين الأصوات المختلفة التي تتحدث. وأكدّ أن إقامة العدل واجب المحاكم، وليس الأفراد، وأنه سيتم "التعامل بشدة" مع الذين يأخذون القانون بأيديهم. ، وفي الجانب الآخر، أدان أيضاً "أي عمل يتضمن عدم احترام القرآن الكريم والقيم الإسلامية". وفي حين تملق الرئيس الأميركيين في واشنطن ونيويورك لدعم نظامه الجديد، فإن اللجنة في كابول عملت كقوة وحيدة للبحث في العشرات من الاتهامات والتخمينات للتوصل إلى الحقيقة في وفاة امرأة تُعرف فقط باسم Farkhunda.
هذا هو ما تم الوصول إليه : امرأة في سن 27، متدينة جداً ، لم تتزوج وقد تخرجت من المدرسة الثانوية وكرست نفسها للدراسات الدينية في مدرسة دينية إسلامية خاصة، وتطمح أن تصبح معلمة للشريعة الإسلامية. عاشت في المنزل مع والديها، وهي الرابعة بين 10 أطفال. ذهبت يوم الخميس، إلى الضريح ترتدي العباءة السوداء كمؤمنة ورعة، وكانت منقبة ، أقامت صلواتها هناك وقضت بعض الوقت في تنظيف منطقة الضريح حيث يصلي الناس. وبعد ذلك، تبادلت كلمات مع رجل كان يعمل كعامل نظافة في الضريح عبر الشارع، ويعمل الآن في بيع قصاصات من الورق (tawiz تمائم) تحمل آيات قرآنية مكتوبة بخط اليد، ومعروفة على نطاق واسع بخصائصها السحرية .ما هو الحديث الذي دار بين Farkhunda وعامل النظافة زين الدين ؟ وقد أغلقت تلك الفجوة في القصة من عائلة Farkhunda والأصدقاء. من الواضح أنها استنكرت عمل من يبيعون التمائم الخرافية إلى الفقراء والنساء وانها بعيدة عن الإسلام. ماذا فعل عامل النظافة بعد ذلك؟ هذه الحكاية بحاجة لشرح وتبرير. في حين لم تجد اللجنة أي شهود على الحديث المتبادل، فإن عامل النظافة نفسه قال لهم انه قد صاح في الناس الذين تجمعوا في الضريح: "هذه المرأة أمريكية وقد حرقت القرآن". نظرت Farkhunda إلى الناس في الساحة، وقالت بصوت قوي سمعه العديد من الشهود، "أنا لست أمريكية، وأنا لم أحرق القرآن".
على الرغم من الاتهامات الكاذبة، فإنها أثارت استجابة سريعة. اقترب شبان غاضبون من المرأة المتهمة، تدخل شرطي وبمساعدة شاب آخر أخذها إلى غرفة داخل الضريح. وقف ذلك الشاب أمام الباب، وقال للآخرين، "اتركوها وحدها. لا تفعلوا هذا بها . "(وكان تقريباً في نفس العمر "العشرينيات" مثل أولئك الذين سيقتلون Farkhunda ويبدو أنه كان المواطن الوحيد الذي قدّم لها مساعدة في ذلك اليوم).
أراد الشرطي أن يأخذها إلى مركز الشرطة لتأمين سلامتها. وأصرت Farkhunda أن تكون الحراسة من الإناث، ولكن عندما وصلت شرطية وفتحت باب الغرفة الداخلية حيث كانت تنتظر، هرع الرجال الغاضبون وجرّوها. وضربها بعضهم ، وقاموا بتمزيق الحجاب الذي يغطي شعرها وكان وجهها مغطى بالدم. سقطت على الأرض لكنها تمكنت من الجلوس، ودعمت نفسها بذراع واحدة وتُظهر الصور لتلك اللحظة ساقين لشرطي بالزي الرسمي بجانبها.
قام شرطي أو آخرون بسحب Farkhunda وجروها على سطح منخفض هروباً من الغوغاء. ورفع شرطي آخر ساقها، ولكن ضرب مهاجم معصمه بعصا، مما دفعه إلى تركها. ثم انزلقت Farkhunda من السطح وسقطت على الرصيف في الأسفل . أطلق واحد أو أكثر من الشرطة أعيرة نارية في الهواء، ولكن بعد فوات الأوان. تحوّل الخطر إلى جنون. بدأ نحو 10 أو 12 رجلاً في اللكم والركل، ، ورجم Farkhunda حتى الموت. وألقى أحدهم حجراً كبيراً على رأسها. وفي وقت لاحق، برّر ذلك بأنها "كانت ميتة."
ثم تأتي ثغرات كبيرة في سجل التصوير الفوتوغرافي. كانت Farkhunda ملقاة في وسط الشارع ومرّت سيارة فوقها. كيف انتقلت من الرصيف إلى الشارع لا أحد يعرف . ويشمل الغموض، أيضاً، مظهر السيارة التي سحقتها ومن ثم جرها في بعض الشوارع غير المحددة. وهناك، استولى أشخاص غير معروفين على جثتها وألقوا بها من فوق جدار منخفض بمحاذاة النهر على حجارة مجرى النهر الجاف جزئياً. ثم سكب رجل البنزين على وشاح له وعلى Farkhunda. وأشعل الوشاح وأسقطه على جسدها. وعندما ارتفع اللهيب إلى السماء ألقى آخرون في الحشد الأوشحة الخاصة بهم والستر على الجثة المحترقة، لحرصهم على تأجيج النار، وفي جميع هذا الوقت، وقفت الشرطة المسلحة في مجرى النهر وشاهدت Farkhunda تحترق.أخيراً، ظهرت شرطة مكافحة الشغب . وكان من الصعب عليهم اختراق الآلاف من المتفرجين المزدحمين على جانبي النهر والجسرين لرؤية حرق امرأة قيل أنها أحرقت القرآن الكريم.
"العمل لخدمة الكفار"
في غضون ساعات، عرف الجميع أن قتل Farkhunda لم يكن مثل أي فعل من الأفعال العنيفة الأخرى الشائعة في كابول. لم يكن عملاً من أعمال الحرب، ولم يكن عملاً إرهابياً ، ولا اغتيالاً سياسياً. ولم يكن قتلاً للثأر، ولا جريمة شرف، ولا جريمة قتل في العائلة. في وضح النهار، وفي مزار شعبي ، قام حشد من الشبان العاديين بقتل امرأة شابة لا يعرفونها بقبضاتهم وبالقدمين وبكل الأسلحة التي كانت بأيديهم . بينما حاول سكان كابول المصابون بالصدمة ايجاد معنى لهذا، ظهرت بعض الشخصيات العامة سريعاً لتقول لهم كيف يفكرون.
أيدّ عدد من المسؤولين الحكوميين على الفور في الفيسبوك القتل، على افتراض أنه إذا كانت المرأة قد حرقت القرآن وهي ليست أمريكية، لكن أفكارها كانت لذلك. المتحدث الرسمي باسم شرطة كابول Hashmat Stanekzai ، على سبيل المثال، كتب أن Farkhunda " ، مثل العديد من الكفار يظن البعض أنه بمثل هذا العمل وإهانة القرآن سوف يحصلون على المواطنة الأمريكية أو الأوروبية. ولكن قبل الوصول إلى هدفهم، يفقدون حياتهم ". كما وافقت وكيل وزير الثقافة والإعلام Simin Ghazal Hasanzada على إعدام المرأة" التي عملت لخدمة الكفار. نشر Zalmai Zabuli رئيس لجنة الشكاوى في مجلس الشيوخ في البرلمان ، صورة لFarkhunda مع هذه الرسالة: "هذا هي الشخصية المفزعة الكريهة التي عوقبت من أبناء المسلمين لفعلتها. وبالتالي، فإنها أثبتت لمواليها أن الأفغان يريدون الإسلام فقط ولا يمكن أن يتسامحوا مع الإمبريالية، والمرتدين ، والجواسيس ".
بعد يوم من القتل، أيدّ عدد كبير من الأئمة والملالي عملية القتل خلال صلاة الجمعة في مساجدهم. وحذّر أحدهم الحكومة أن أي محاولة لإلقاء القبض على الرجال الذين دافعوا عن القرآن ستؤدي إلى انتفاضة.
في اليوم التالي، عندما شارك هذا الإمام في جنازة Farkhunda طلب المشيعون منه المغادرة. وخلال أيام، أقالت الشرطة المتحدث باسمها وبعد ظهور وكيل وزير الثقافة والإعلام على شاشة التلفزيون للدفاع عن وجهات نظرها، أُقيلت من منصبها أيضاً. هذه المرة، يبدو أن التهديد بانتفاضة اسلامية في كابول، وهو الخطر الذي تم ترهيب المسؤولين الحكوميين به لمدة عشر سنوات، قد اصطدم بالحائط. هذه المرة، وتحوّلت الانتفاضة على الجانب الآخر.
الحقائق والذاكرة
طلب الرئيس غاني من اللجنة التي عينها لدراسة ظروف اغتيال Farkhunda النظر من ثلاثة زوايا: الشريعة الإسلامية والقانون الأفغاني، والمجتمع الأفغاني. ضمّت اللجنة ثلاثة من علماء الشريعة البارزين الذين شرحوا لزملائهم في الفريق الفرق بين الإسلام وتشويهات المتطرفين الأفغان. وقالوا أنه في إطار الشريعة، ينبغي أن يُسجن أي رجل يُنكر الإسلام من خلال حرق القرآن لمدة ثلاثة أيام، ويُعطى فرصة كل يوم للتوبة. وإذا لم يعد للإيمان، يُعدم. أما المرأة التي ترتكب نفس الجريمة فينبغي سجنها أيضاً وتقديم فرصة مماثلة لتغيير رأيها. وإذا رفضت، لا ينفذ فيها حكم الاعدام. وبدلاً من ذلك، تمكث في السجن إلى أجل غير مسمى. ويترتب محاسبة أولئك الذين قتلوا Farkhunda بناء على ذلك ليس لأنها كانت بريئة من الجريمة المنسوبة لها فقط ، ولكن بسبب أن قتلها نتيجة الاعتقاد أنها أحرقت القرآن في حد ذاته انتهاكاً للشريعة الإسلامية.
أما في القانون الأفغاني، فإن القتل هو القتل. ولم تعثر الشرطة أي ظرف من الظروف المخففة على الإطلاق: لا أدلة مادية على حرق القرآن، لا شهود لمثل هذا الحدث، لا صور، لا شيء. اعتقلت الشرطة بناء على الصور، وشهادات المواطنين والشرطة بسرعة أكثر المحرضين الرئيسيين والمهاجمين، وأكثر من عشرة من رجال الشرطة الذين تم ايقافهم بتهمة الإهمال اثناء مشاهدتهم لعملية القتل . وفي غضون 10 أيام ألقت القبض على ما يقرب من 50 شخصاً. ولكن أربعة من القتلة على الأقل ما زالوا طلقاء، وهم أعضاء في ناد شعبي لبناء الجسم يرعاه رجل بارز ومؤثر. هذه أفغانستان، ولا يُعرف هل سيتم القبض على الجناة أم لا، ولا يُعرف هل ستتم محاكمتهم أم لا ، وإذا تمت المحاكمة، هل سيُدان المتهمون أم لا ، وإذا أدينوا هل سيتم إرسالهم إلى السجن أم لا، وإذا سجنوا هل سيبقوا في السجن لقضاء مدة عقوبتهم أم لا ؟ وكان الرئيس الأفغاني السابق حميد كرزاي عادة يتجاهل الجرائم ضد النساء ويعفو عن الرجال المتهمين بارتكاب هذه الجرائم . وما زالت الإجراءات القانونية في عهد الرئيس الجديد تحت الاختبار.
كان وضع هذا القتل في سياق المجتمع الأفغاني أصعب مهمة واجهت اللجنة الرئاسية. لأنه وحتى بعد 35 عاماً من الحرب الوحشية، أثار هذا القتل في هذا العام الكثير من الحزن - الكثير من العار بين الرجال، والكثير من الغضب والخوف بين النساء . كانت الضحية امرأة إسلامية ورعة ، فوق الشبهات. لم يقتلها رجال سيئون، ولا مجرمين ولا مرتزقة ولا مدمنو مخدرات ولا بلطجية ، ولكن مواطنين أفغان عاديين، وكذلك وقف آلاف يُشاهدون الحدث. ثم شاهده الرجال والنساء في جميع أنحاء البلاد، في الفيسبوك وبكوا .قال الرجال والنساء على حد سواء انهم لم يستطيعوا النوم بعد ذلك، وأنهم انخرطوا في البكاء مرات عديدة وبصعوبة كافحوا ذلك ، ويمكن أن نتحدث في شيء آخر. في كابول، غادرت الطالبات الجامعة للبقاء في المنازل. لم تخرج النساء من جميع الأعمار في شوارع المدينة. أبقى الناس من جميع الرتب الاجتماعية أبنائهم وأصدقائهم بالقرب منهم ، وسألوا أنفسهم السؤال الصعب: هل هذا ما أصبحنا عليه؟
كتبت المؤرخة الأفغانية والمعلقة السياسية هيلانة ملكيار الجواب في مقال لقناة الجزيرة : نعم. أشارت فيه أن أفغانستان قبل الحروب الطويلة كانت بلداً فقيراً متخلفاً بالتأكيد ، ولكنها تتميز بالكرامة، وميثاق الشرف، و كان "الإسلام قد تأثر تأثراً كبيراً بالثقافة الصوفية، لكنه كان معتدلاً ومتسامحاً على "الآخر".
"وفوق كل شيء"، كما كتبت ، كانت "القيادة الأفغانية قبل الحرب على الدوام السلطة الأخلاقية وتُستخدم لتنفيذ سيادة القانون والإصلاحات." لكن ثلاثة عقود من الحرب غيّرت كل ذلك، تم تقنين ثقافة العنف وتمريرها من جيل إلى جيل. لقد لخصت كارثة القرن الحادي والعشرين في أفغانستان على هذا النحو: " أدّى التدخل الدولي الذي قادته الولايات المتحدة عام 2001، إلى ازدهار شريحة من الأقوياء بشكل كبير، بعد أن أصبحت غنية مالياً وسياسياً. وتوصلت إلى أن استخدام القوة والوحشية، يؤتي ثماره. تفشت الجريمة ويذهب معظمها دون عقاب. شجّع الفساد بين الشرطة والمدعين العامين والقضاة المجرمين، ولا يثق المواطنون كثيراً في سيادة القانون. لقد طُمست الخطوط الفاصلة بين الأخلاق والسلوك غير الأخلاقي بين الأعمال القانونية والأعمال غير المشروعة، وبين العمل الصالح والخاطئ لدرجة أن معظم الناس لا يعلمون أنهم مخطئون .
سيكون من الجميل رؤية المؤرخة تبالغ ، ولكن رجال الدين والموظفين العموميين الذين أشادوا بالغوغاء القاتلة يوضحون وجهة نظرها تماماً. هكذا، فعل أيضاً، الجمهور المرتبك والمنقسم . هل ضرب امرأة حتى الموت في الشارع الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله؟ أم لا ؟ قدّم النائب من هيرات نقطة يمكن التنبؤ بها ، إذا كانت هناك حاجة لمزيد من الإثباتات. حيث قال: ما كان على Farkhunda أن تذهب أبداً إلى الضريح في المقام الأول.

الأزمة الجماعية كابول
حتى قبل عملية القتل، يواجه سكان كابول أزمة الهوية الجماعية. يبدو كما لو أنهم لم يعرّفوا أنفسهم حتى الآن. على مدى العقد الماضي، تضاعف سكان المدينة ثلاث مرات تقريباً. تُغمر المدينة الآن بالنازحين من الريف حيث لا ينتهي القتال ، وكذلك اللاجئين العائدين من باكستان وإيران مع معتقدات وسلوكيات جديدة. أحضروا الموسيقى والعنف من باكستان والماكياج والتدين من إيران. وللتلفزيون المزدهر شعبية خاصة عند الجمهور الأمّي، ولفت نظر المشاهدين لأنماط الحياة المغرية المستوردة: والمثيرة ، ملاحم الغناء والرقص في هوليوود، والأعمال الدرامية الأسرية المحمومة من المسلسلات التركية، وأفلام العنف الفائقة التكنولوجيا من الأفلام الأمريكية التي لا نهاية لها .
تحوّلت المدينة نفسها بوحشية من قبل الأغنياء " المحدّثين "من ازدهار تجارة المخدرات في البلاد أو من مشاريع المساعدات الخارجية أو من قبل وكالة الاستخبارات المركزية للعمل في مخططات سرية. حتى السنوات الأخيرة، كانت كابول عبارة عن مجموعة من المناطق المميزة المتباينة تبعاً للأسلوب والوظيفة. أخفت الأسوار العالية المنازل المبنية من اللبن المنخفضة التقليدية ، والحدائق المعشبة والمزهرة أشجار اللوز والمشمش في العديد من الأحياء. وتتضاءل الآن هذه البقايا من المدينة القديمة والمتوهجة ويظهر بدلاً منها القصور الباكستانية المعمدة وأبراج المكاتب على الطراز الفارسي الخليجي المصنوعة من الزجاج والملفوفة في قطع من القماش المشمع الأخضر الممزق. (بدأ أصحابها بالذهاب إلى دبي عندما غادرت قوافل المساعدات المدينة بعد بدء القوات الأجنبية بالانسحاب منها). يرى الأفغان الكبار في السن مثل الروائي زرياب، المدينة كمدينة أجنبية جديدة بُنيت على أنقاض المدينة القديمة وتم دفن الثقافة الأفغانية نفسها.
ويُخطئ العديد من الزوار والصحفيين الأجانب الجدد على مدينة كابول بوصف ذلك بأنه "تقدّم". هذه هي الطريقة التي توصف بها عادة في التقارير الرسمية وفي وسائل الإعلام الدولية ، وعلى هؤلاء أن ينظروا حولهم في هذه الفوضى في المناطق الحضرية ، كما يفعل الافغان، ان كل تلك المليارات من الدولارات من المساعدات الخارجية تطرق بالكاد فقراء المدينة. لا يزال الآلاف من الأولاد والبنات الصغار، الذين ينبغي أن يكونوا في المدرسة، يبيعون بطاقات الهاتف وغيرها في الشوارع؛ ولا يزال كبار السن من الرجال يدفعون عربات ثقيلة وسط حركة المرور، ولا يزال العمال في الملابس الرثة ينتظرون بالقرب من مسجد (حاج يعقوب) للحصول على عمل ليوم واحد. في خضم الثراء غير المشروع، والفقر العميق، المحزن، في معظم البلاد. يتذكر الشعب الأفغاني اليوم ماذا كانوا وماذا أصبحوا وماذا يأملون ان يكونوا .
فتح مقتل Farkhunda عيونهم فجأة. المعلقون الأفغان والأجانب الذين سعوا لشرح الغضب الشعبي العارم الذي تلى وفاتها ، كثيرا ما ادعوا أن الأمة قد صُدمت بالفعل واكتأبت بشكل عميق جراء الحروب التي لا تنتهي ،أُصيبت بالصدمة لارتكاب الجريمة. لكن الصدمة عادة تُحبط المتألم، تُصيبه بالذهول وتقلل التعاطف التي مع الآخرين. فعل مقتل Farkhunda عكس ذلك تماماً. قال الناس انها قطّعتهم مثل سكين. انها جعلتهم يحسون مرة أخرى. وصف الرجال نزيف قلوبهم ،وتحدثت النساء عن جفاف الدموع. بكينا على Farkhunda – وعلى أنفسنا.
قبل وقت طويل من عملية القتل اشتكت الشابات أن الرجال يتحرشون بهن باستمرار في أماكن العمل وفي الشوارع، وأن الرجال يعاملون النساء بشكل منتظم بازدراء واحتقار. وبعد القتل واجهت بعض النساء مثل هؤلاء الرجال. أصرت أخريات بغضب أنهن يشعرن بالخوف. حتى قالت بعض النساء أن وجوه آبائهن وإخوتهن تبدو لهن الآن بغيضة. أقسم بعض الرجال أنهم يشعرون بالعار، وأن عملية القتل السادية ل Farkhunda تُشير إلى العنف الخاص الذي تتعرض له الكثير من النساء الأفغانيات بانتظام في منازلهن.
النعش الذي تحمله النساء
في اليوم الثالث بعد القتل، والدفن في مقبرة كابول. وللمرة الأولى في التاريخ، لم يكن الرجال الذين رفعوا النعش على أكتافهم وحملوها إلى اللحد لكن النساء. كان مشهداً مروعاً وشجاعاً وجديداً.
بدأ اليوم التالي بتساقط مطر من خلال الهواء المغبر فكانت القطرات الأولى شكل طين. وكانت مظاهرة ستعقد أمام المحكمة العليا للمطالبة بالعدالة لFarkhunda. وقد تخوفت. قبل ست سنوات شاركت في إحدى المظاهرات الأولى التي في كابول لصالح المرأة. إذا أسعفتني الذاكرة، لم يكن هناك أكثر من 30 سيدة ، احتجاجاً على اعتماد قانون الأحوال الشخصية الشيعي، المعروف في الصحافة الدولية ب "الاغتصاب في قانون الزواج" لإضفاء الشرعية على هذه الجريمة وغيرها الكثير ضد المرأة الشيعية.
حفنة من المتطوعين الدوليين وزميلاتنا الأفغانيات (المغطيات بالبراقع لإخفاء هوياتهن)، واجهنا حشد من مئات الرجال الذين رددوا عبارات بذيئة وألقوا الحجارة. طوقنا رجال الشرطة الأفغانية لحمايتنا. لا أذكر أننا خرجنا في أي وقت مضى في مظاهرات كان ذلك انتصاراً من نوع ما، لمجرد بقائنا على قيد الحياة ودون وقوع إصابات خطيرة. وقد خرجت النساء الأفغانيات بأعداد أكبر في مظاهرات عديدة أخرى منذ ذلك الحين، ويسرن بفخر، ملثمات، حاملات لافتات الإعلان عن مطالبهن الشخصية. ومع ذلك ظلت حياتهن إلى حد كبير نفسها. كانت هذه المظاهرة لFarkhunda شيئاً جديداً. جاء الآلاف من الرجال والنساء معا للقيام بمسيرة تحت المطر. جاءوا أفراداً وجماعات، يمثلون جميع أنواع منظمات المجتمع المدني الأفغاني. مشيت مع الزملاء من منظمة المرأة الأفغانية التي تساعد الناجيات من الاعتداءات العنيفة. إلى جانبنا كانت مجموعة من أساتذة الجامعات، وعلماء الدراسات الإسلامية. هتافاتنا - أكثرها باللغة الفارسية -: "Farkhunda أختنا "، "العدالة من أجل Farkhunda"، "لا تسيئوا استخدام الإسلام"، "الإسلام للإنسانية، وليس وحشياً"، "أوقفوا العنف ضد النساء" "الصمت جريمة. حمل شاب لافتة بيتية الصنع من الورق المقوى مكتوب فيها "عاقبوا القتلة" . أمام السياج الحديدي الطويل الذي يحمي مبنى المحكمة، اصطف مئات أو أكثر من الرجال المتجهمين في الطريق، جنباً إلى جنب ويخيم الصمت عليهم. يبدو أنهم من العمال العاديين، الخشنين ومبتلين من المطر، وما يثير الاهتمام، أنهم يتوشحون في الأوشحة الخضراء تكريماً للشهيدة. وعلى طول الطريق صور كبيرة ل Farkhunda، طويلة القامة مثل الرجال الذين يساندوها. كانت ترتدي في الصورة العباءة السوداء، ووجهها مكشوف. يبدو أنها تنظر إلى آلاف المارة يرددون اسمها. سرنا لساعات أمام المحكمة ، مرة بعد مرة.هنا دليل على حقيقة أساسية مفادها أن الرجال الأمريكيون في واشنطن، الذين يرون الدفاع عن "حقوق المرأة" شعاراً ساخراً ، غير قادرين إلى الأبد فهم: وراء كل امرأة أفغانية تؤكد حقها في الدراسة أو العمل أو الصلاة رجل أو رجال لا يسمحون لها بالخروج من المنزل. هنا في المسيرة نساء ورجال ضاقوا ذرعاً بالعسكرية والفساد اللذان جعلا مجرمي الحرب أثرياء، والملالي الأصوليين اقوياء ، وجعلا الشبان العاديين يشكلون خطراً - الشباب دون تعليم، ودون فرص عمل، ودون مال للزواج ، لا يجدون ما يفعلونه ولكنهم ذبحوا بسادية امرأة بريئة باسم الله ومن أجل الدفاع عن كتاب لا يستطيعون قراءته.
الإفلات من العقاب، والتغيير، والأخت الشهيدة
لدى عودته إلى كابول، أدان الرئيس الغاني قتل Farkhunda واستدعى عائلتها إلى القصر لتعزيتهم . وزار الرئيس التنفيذي في أفغانستان عبد الله عبد الله الأسرة في منزلها واستنكر "الجريمة البشعة". وزارت اللجنة المكلفة بالتحقيق ، أيضاً، الأسرة وأخذت النساء الأم الباكية بين أذرعهن .
لم يكن هذا حداداً عادياً، جعلت أحداث الأيام العشرة السابقة النضال الحقيقي الذي يكمن في قلب المجتمع الأفغاني سهلاً – صراع لم تستطع واشنطن فهمه في كل هذه السنوات، في حين فقد الأمريكيون، البصر من تنظيم القاعدة، استمرت غارقة في حرب أهلية ضد المتطرفين الاسلاميين من حركة طالبان ، وقاموا بدعم الزملاء المجاهدين، أمراء الحرب أثناء النضال ضد السوفييت في الثمانينيات الذين اشاد بهم الرئيس رونالد ريغان واشتهروا باسم "المقاتلون من أجل الحرية". كل هذه السنوات، كانت الولايات المتحدة تدعم جانباً واحداً ضد الدولة ، وأيدّ الأصوليون الرئيس حامد كرزاي ضد من اسماهم "الاخوة الغاضبون"، حركة طالبان.
الآن، مع وفاة Farkhunda، نزل المجتمع المدني في كابول إلى الشوارع ليكشف المنافسة الحقيقية المستمرة: الصراع بين الملالي وأمراء الحرب الإسلاميين المحافظين ، وهم غير متشبثين بالدين ولكن في السلطة، وعزم الرجال والنساء الإسلاميون التقدميون على نقل أفغانستان إلى العالم الحديث. ليس العالم العلماني الغربي، ولكن العالم الأفغاني الجديد الذي من شأنه استعادة قيم ما قبل الحرب القديمة من الإسلام السلمي والإنساني، الأكثر عدلاً وتسامحاً.
اجتمعت اللجنة في القصر لمناقشة مسودة النتائج التي توصلت إليها مع الرئيس غاني. في حين كان بعيداً، وأشياء لا يمكن تصورها وقعت في كابول. واتخذ المجتمع المدني موقفاً وأعداد كبيرة من سكان كابول العاديين، بل وربما الأغلبية، وقفت معهم في التبرؤ من السلطات الدينية والسياسية المحافظة جداً التي احتفلت بقتل Farkhunda. ذكّر غاني اللجنة بالمخاطر التي ينطوي عليها الإخلال بالتوازن الهش للمجتمع الأفغاني - وخاصة مع عدم وجود حكومة حتى الآن. تنفجر القنابل في كل مكان. ماذا لو أضاف تقرير اللجنة الرئاسية مزيداً من التسخين إلى الصراع المحتدم بالفعل بين المجتمع المدني، الذي يهتم بحكومة نظيفة ويهتم بالشفافية، وسيادة القانون، وحقوق الإنسان، والقوة المتأصلة من رجال الدين الإسلاميين المحافظين المتشددين ؟ التي من شأنها أن تثير مواجهة عنيفة؟ وفي مثل هذه المواجهة، هل سيفوز غير الإسلاميين؟
وهدد الملالي الأصوليون المتطرفون الميول الصوفية المعتدلة عند الأفغان لقرن من الزمان. في عام 1929، طرد الملك أمان الله رجال الدين المحافظين المتشددين من المدرسة الديوبندية من البلاد، ووصفهم بأنهم "أشخاص سيئون وأشرار" كان الملك من المؤيدين الأوائل لحقوق المرأة، ولكنه اضطر إلى التنازل عن العرش وعاد الملالي المحافظون جداً الى البلاد. (في الوقت الراهن، زعيم طالبان، الملا عمر، وإن لم يكن مؤهلاً تماماً كرجل دين، هو الديوبندية الأكثر شهرة في أفغانستان.)
في عام 1959، عندما أذن الملك ظاهر شاه للنساء بخلع الحجاب، وضع رئيس وزرائه داود خان، جميع الملالي المحافظين جداً في السجن، قائلاً انه سيطلق سراحهم إذا جاؤوا بآية من القرآن تشترط الحجاب على المرأة. (لم يستطيعوا.) بعد سنوات عديدة، ولأسباب غير معروفة ، أطاح داود بالملك، واغتيل هو نفسه في الانقلاب الذي نفذه الشيوعيون للوصول إلى السلطة. النتيجة: بعد ما يزيد قليلاً على 20 عاماً من الحداثة التي جلبها الملك مولت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية سبعة أحزاب إسلامية محافظة جداً من المجاهدين واعادتهم إلى أفغانستان من الباكستان.
يعتقد مدير وكالة المخابرات المركزية وليام كيسي، وهو كاثوليكي محافظ، أن الإسلاميين المحافظين من شأنهم أن يكونوا حلفاء مثاليين في القتال أثناء الحرب الباردة ضد "الشيوعيين الملحدين" في الاتحاد السوفيتي. وبهذه الطريقة، ومع الرغبة الأمريكية بتذوق الروس بأنفسهم طعم "فيتنام" تحولت الحرب الباردة إلى حرب ساخنة بالوكالة في أفغانستان. وبعد خمسة وثلاثين عاماً، لا يزال كثير من الكبار الوكلاء السابقون للولايات المتحدة يمارسون السلطة بوصفهم أعضاء في الحكومة الأفغانية، وأعضاء في حركة طالبان، وبقوة أكبر ونسخة مشوهة وعقابية للإسلام هيمنت على حياة البلاد السياسية والاجتماعية أثناء الاحتلال الأمريكي.
ولكن بالنسبة للعديد من الأفغان، كانت الصدمة الوطنية من قتل Farkhunda نقطة تحول. كتبت Frozan Marofi، وهي مدافعة منذ فترة طويلة عن حقوق النساء، في صحيفة الغارديان عن الأمل المكتشف حديثاً لبلادها: "جميع الناس في جميع أنحاء أفغانستان، في بدخشان، في هيرات، في باميان، يعتبرون قتل Farkhunda سيئاً. حتى طالبان قالت إنه لم يكن شيئاً جيداً. أصر "نادر نادري، وهو عضو بارز سابق في لجنة حقوق الإنسان الأفغانية المستقلة: "هذه نقطة تحول للحريات المدنية وسيكون من الصعب العودة إلى الوضع السابق عندما نصّب الزعماء الدينيون أنفسهم على حساب العدالة والدستور. وإذا ما استمر هذا الصراع، فإن النتيجة ستكون ما يحتاجه البلد، جعل سيادة القانون واضحة ومفهومة والدين في مكانه الصحيح في إطار القانون ".
في الوقت نفسه، تجمهر آلاف من رجال الدين الاسلاميين في موقع قتل Farkhunda لشجب المجتمع المدني وتحذير الرئيس غاني أنه إذا لم يتم إسكات المدافعين عن حقوق المرأة وسيادة القانون، فإن رجال الدين سيسحبون دعمهم للحكومة وستتبع "عواقب سيئة" كيف ستكون تلك العواقب السيئة؟ الإسلام في أفغانستان، الذي يمثله العلماء، وعدد من العلماء النخبة عينهم الرئيس غاني في لجنة تقصي الحقائق، ومجموعة أكبر بكثير من رجال الدين تضم العديد من، الملالي الذين نصبوا أنفسهم وبعضهم أميين ويعتبرون أنفسهم علماء. سيطر مثل هؤلاء الرجال على الاجتماع.
أعلن أحد الملالي في التجمع: "أنا أقول للرئيس أشرف غاني والمجتمع المدني كونوا منتبهين ... البندقية لا تزال في أيد الملالي. وإذا قدم العلماء فتوى فقط تسقط... هذه الحكومة. دعا "رجل دين آخر وسائل الإعلام إلى معاقبة من يهين العلماء في الحديث عن جريمة قتل Farkhunda.وحذّر : إذا استمرت الشتائم، "سيتم قتل النساء بطرق أشنع ... وسيتم القضاء على كثير من الناس بطريقة أسوأ بكثير. ثم، لا أحد يرفع صوتهم ... إذا كانت حياتك غالية عليك ، أغلق فمك.
في النهاية، أصدر هذا الاجتماع من "العلماء" بياناً يتناقض بشكل مباشر مع وجهة نظر العلماء المسلمين في لجنة الرئاسة: كان قتل Farkhunda له ما يبرره، لأن القتلة استندوا على نية حماية القرآن والحقوق الإلهية ". كما أمر العلماء الحكومة بالالتزام بالشرط الحاسم في الدستور الذي يؤكد أن الشريعة تنسخ جميع القوانين الأخرى. سارع الرئيس التنفيذي عبد الله عبد الله بعقد لقاء مع رجال الدين. (لم يتم الكشف عن فحوى حديثهم.)
في اليوم التالي، عندما قدمت اللجنة تقريرها النهائي، تضمنت طلباً تصالحياً: "يدين العلماء ونشطاء المجتمع المدني بشكل منسق وبصوت عال تلك التصريحات غير المسؤولة تحت اسم المجتمع المدني أو المجتمع الروحي التي تهدف إلى تحريض الناس على الاضطراب وعدم الاستقرار ".
ومع ذلك، اختارت وسائل الإعلام عنوان لاستنتاجات اللجنة كان أهمه: Farkhunda بريئة . وبدا ذلك غريباً لقصة قتل بدم بارد، وركزت على شخصية الضحية بدلاً من سلوك القتلة. ولكن هذه أفغانستان، حيث "بريئة " تعني فقط أن Farkhunda بالتأكيد لم تحرق القرآن. ما لم تقله وسائل الإعلام نقطة أساسية: أنه حتى لو أحرقت امرأة القرآن، فإن القانون الإسلامي يحظر قتلها. قرر شخص ما أن الجمهور سيكون أفضل بدون هذه المعلومات. وأضافت واحدة من المحطات التلفزيونية الأكثر شعبية في العاصمة أخبارها الخاصة للتضليل ، وقدمت في نشرتها الاخبارية تلفيقاً مذهلاً: أن اثنين من أعضاء لجنة تقصي الحقائق يعتقدون أن قتل Farkhunda له ما يبرره تماماً.
وبعد بضعة أيام، أصدرت منظمة العفو الدولية تقريراً رئيسياً عن فشل الحكومة الأفغانية - حكومة كرزاي السابقة – في حماية المرأة والرجل في الحياة العامة الذين يدافعون عن حقوق المرأة. خلال العقد الماضي، تم اغتيال مسؤولات في المحافظة ومذيعات في التلفزيون والإذاعة ، وشرطيات وسياسيين وعمال إغاثة، ومحامين يدافعون عن النساء ، واحداً تلو الآخر، دون أي تحقيق أو تعليق من حكومة كرزاي. النساء اللواتي نجون في بعض الأحيان فقدن أزواجهن أو أطفالهن في عمليات القتل. وأُجبرت العديد من هؤلاء النساء على الفرار من البلاد، في حين واصل آخرون عملهم، والانتقال من منزل الى منزل هرباً من الملاحقة. معظم المدافعين عن القتلى من النساء قتلوا على يد طالبان، لكن بعضهم الآخر على أيد أمراء الحرب المحافظين جداً، داخل وخارج الحكومة على حد سواء.
في 50 حالة حققت فيها منظمة العفو الدولية، طلبت النساء المهددات بالقتل مراراً حماية الحكومة التي تم توفيرها بشكل روتيني للرجال في الحياة العامة. خلصت منظمة العفو الدولية: "هذه اللامبالاة المؤسسية من جانب السلطات على التهديدات والمضايقات والاعتداءات التي تواجه النساء المدافعات عن حقوق الإنسان هو نتيجة لهياكل الدولة الضعيفة، ولا سيما مؤسسات القضاء وإنفاذ القانون والأمن. ومما يعزز ذلك ثقافة الإفلات من العقاب الدائمة ... "
لم تتحقق "ثقافة الإفلات من العقاب" من فراغ. ولم يكن ذلك نتيجة ملازمة ل"ثقافة العنف" التي رسختها الحروب الطويلة. وبدلاً من ذلك، تمت رعايتها لمدة عشر سنوات من قبل حكومة ببساطة لم تأبه بذبح النساء. بلغت اللامبالاة لهذه السياسة وأكدتها ضمنياً الولايات المتحدة في عام 2011 عندما ألقت وكالة المعونة واشنطن، USAID، "قضايا النوع الاجتماعي" في الجزء السفلي من قائمة أولوياتها، في حين قال متحدث مجهول باسم وزارة الخارجية مازحاً حول ندرة المشاريع المخصصة لدعم و الدفاع عن النساء. "كل تلك الماسات المدللة في حقيبنا " .
في غضون أشهر، وقع الرئيس كرزاي "مدونة سلوك" للنساء في العصور الوسطى لتصبح قانوناً ، والتي صاغها مجلس العلماء، وتتناقض نقاط رئيسية فيها بشكل مباشر مع الدستور الأفغاني، والقانون الجنائي الأفغاني، وCEDAW، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، التي وقعت أفغانستان عليها (وإن لم تكن الولايات المتحدة إحدى الدول الموقعة) . من تلك اللحظة تسارعت خطوات اغتيال المرأة في الحياة العامة على نحو سريع، في حين ارتفع معدل العنف ضد المرأة العادية بمعدل استثنائي. في عام 2014، ارتفعت بنسبة تزيد عن 24٪-;- في المئة عن العام السابق. وكان ثقافة الإفلات من العقاب متأصلة جداً في الحياة الأفغانية خلال السنوات القليلة الماضية ويبدو أن أي شخص يمكنه اغتيال امرأة ومواصلة العيش بشكل اعتيادي في المجتمع.
تخيل، بعد ذلك، استياء قتلة Farkhunda عندما تم إلقاء القبض عليهم لأن ذلك عملاً اعتيادياً قام به رجال آخرون ولم يتم عقابهم .. بعد فترة وجيزة، رفعت وزارة الحج والدينية مكانة Farkhunda إلى ( شهيدة ) ، تحولت من رمز لحقوق المرأة إلى شهيدة من أجل قضية الإسلام. وهذا يعني أن المعركة العامة انقلبت من المجال العلماني للدولة الدينية؟ وماذا بالنسبة للقتلة لو تم شنقهم ؟هل سيبنى على قبورهم مزار لأنهم دافعوا عن الاسلام؟
بدأت في 2 أيار، محاكمة القتلة المتهمين، تكاثرت الأسئلة والشائعات ، في حين انتقلت ساحة الطعون من الشوارع والمساجد لمحكمة متلفزة. وهذا في حد ذاته كان معلماً: على ما يبدو انتصار الشفافية القضائية. كل الأفغان الذين يمتلكون جهاز تلفزيون يمكنهم رؤية عصابة من الرجال مكبلي الأيدي في قفص الاتهام ولم تعلن أسماءهم في المحكمة بأمر من القاضي الذي ترأس الجلسة. أي شخص يمكنه الاستماع إلى الأسئلة التي طُرحت على السجناء والإجابات غير العادية. اعترف رجل طويل القامة بإسقاط صخرة كبيرة على رأس Farkhunda وقال انه يشعر بالأسف. البعض الآخر لا يشعر بالذنب. ويقول البعض بشكل غير مقنع أنهم لم يكونوا هناك على الإطلاق.
قبل عدة سنوات، شهد زميل صحفي في كابول محاكمة جنائية منظمة لافتة تمت على مراحل فقط من أجل المصالحة. لكن هذه المحاكمة التلفزيونية تبدو شيئاً حقيقياً، متسرعاً وغير منضبطة: عملية مقصودة فيما يمكن أن نسميه، إذا كنا متفائلين عجيبة، ورمزاً لسيادة القانون. لكن المحاكمة كانت سريعة ،مثل الجريمة نفسها، بهدف انهاء الامور. استمعت المحكمة إلى شهادة 10 رجال في اليوم الأول متهمين بالقتل، وبعد يوم واحد فقط من إجراءات القاضي صفي الله مجددي تم النطق بالحكم على جميع الرجال ( 30 متهم ) بالمشاركة في الجريمة. حُكم على أربعة من الرجال بالشنق، بما في ذلك البائع المتجول للتمائم الذي اتهم Farkhunda ومسؤول في المخابرات الأفغانية تباهى في الفيسبوك بالمشاركة في عملية القتل. وحكم على ثمانية متهمين آخرين لمدة 16 عاماً في السجن، رغم أن الجميع يعلم أن المدة قد تخفّض بشكل كبير في الاستئناف ويمكن شراء التخفيض . وتم تبرئة 18 متهماً وجهت لهم المحكمة تهماً عديدة من الاعتداء والقتل والتحريض على العنف. وتم تأجيل القضايا الخاصة ب 19 من ضباط الشرطة المتهمين بالإهمال في أداء الواجب. ، ويبقى ما لا يقل عن أربعة من القتلة الرئيسيين الذين ظهروا في الصور طلقاء.
كما هو متوقع، لا أحد راض عن الحكم. الأحكام خفيفة جداً بالنسبة للبعض، وثقيلة جداً بالنسبة للآخرين، وسريعة جداً لكي نكون منصفين. لكنها تزامنت تماماً مع التنبؤ الذي سمعته في كابول قبل بدء المحاكمة: سوف يشنق عدد قليل، ويفرج عن الباقين . لم تكن هذه هي المرة الأولى التي استندت فيها قضية مثيرة للجدل ، على القوة النسبية من المتنافسين، وليس على الأدلة . إعطاء شيء لكلا الجانبين أما العدالة لا. تريد حكم القانون؟ هذا هو .
هذه بالتأكيد لن تكون نهاية القصة. عندما يدفن الأفغان موتاهم ، يضعون حجراً على القبر لمنع الميت من الخروج ولتذكيره بأن عليه البقاء في القبر ، لكن الشهيدة Farkhunda، لن تبقى .