محنةُ شهرزاد

يحيى علوان
2015 / 5 / 24

من أعالي الغيمِ تُطِلَُ فاتنةُ السَرد ، أمرأةٌ بتول .. ما وَلَجت "العملةُ" سريرها ،
معَ كل صياحِ ديكٍ تحتفِلُ شهرزاد ببقاء رأسها بين كَتِفيها..،
وحينَ يغُطُّ شهريار في الشخيرِ ، تروحُ تَتَلوّى أَرَقَاً ، فتلبسُ الوسَنََ والحزن تاجاً،
تُعدَّ ما ستحكيه له في الليلةِ التالية ، حكايةً يسرُدُ واحدٌ من شخوصها حكايةً عن شخصٍ في حكايةٍ أُخرى ....

شهرزادُ تُحيكُ الحكايا بمغزَلِ قهرِهـا ،
حشودٌ من العقاربِ تحاصِرُ أملها الهزيلَ ، تنهشُ أيَّةَ فرصةٍ للفرح الصغير ..
الليلُ محنتُها .. غابةٌ ، هي طريدةٌ فيها .. تريدُ أنْ تهدِمَ مملكة السكونِ والسَكينة ..
حيثُ القمرُ مِسَنّ النجوم ....
تُبعثِرُ أرخبيلَ الغيبِ والوحشة بالحكايا ... تأبى التآخي مع الصمتِ ، كي لا ينامَ شهريار فيحلمَ بسيفٍ يشحذه بأعناقِ النساء !

* * *

لا تموتي ، شهرزاد ... فثمَّةَ وقتٌ آخرَ لأَرَقِ الملائكةِ ،
قليلاً من الحياة ، في لُجَّةِ الموت ! فهذا زمنٌ لا ينفعُ فيه الله ، والأعمارُ سدىً راحَت ،
فاتنةٌ أنتِ ، كما كنتِ بالأمس ، وكما البارحة ، التي ستأتي غداً ،
قَتِّري حكاياكِ ... علِِّبي الآمالَ لمستقبلٍ أسوأُ من حاضرنا ... لأزمنةٍ يتكثَّفُ الظلامُ
فيها ، حينَ تنحطُّ المدائنُ والناسُ .. الحكايا والخيال ...
لآزمنةٍ تكونُُ العزلةُ فيها أكثرُ إحتشاداً،
فالتأريخ ثمرةُ الحياة ، لكنها غَدَت اليومَ تقليداً له ..!
يا لويلتنا ! فقد أضحى المستقبلُ ، بدلَ أنْ يكونَ صعوداً قياساًً إلى الماضي ، صارَ
سقوطاً كما هو الحال ...

سنجرِّبُ قلوبنا في ما إذا كانت صالحة للحياةِ حَدَّ الصمت الفصيح ،
إمسكي أسراركِ مُفخخةً بجدواها ،

لا بأسَ ، شهرزاد ، إذْْ قَبلتِ التحدي !
قد يكونُ شهريار أصابته لَوثَةٌ ، وهو صغير لمّـا رأى اُمَّه "تبيعُ الهوى" ، فلصقت به
" عقدة أوديب "!! ولم يجد حائطاً يكتب عليه ما يستدرُّ العطفَ ..!!



أو قد يكونُ مصاباُ بهستيريا " تَمَلُّكِ "! المرأة ، كي تكونَ له وحده فقط ، كديكِ
الجن الحمصي* .. أو كذاكَ الذي سجنَ إبنته لجمالها في بيتٍ من زجاجٍ كي لايمسَّها أحد !!
لكنها ماتت من شيءٍ آخر ... من دودِ الضجر والوحدة !

شهرزاد! لا تُلقِ عصا السرد ، فقد تلقفها نوايا شهريار المريضة !
عليكِ بكورزاكوف** ، حينَ تكفين عن الكلام المُباح !


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* هو الشاعر عبد السلام بن رغبان الملقب بـ"ديك الجن الحمصي"، قتلَ جاريته الحسناء، التي كانَ مُتيِّماً بها ، مخافةَ
أَنْ يشاركه فيها أحد .. خليفةً كانَ أم والياً او نخّاساً ! (ي.ع)
*متتابعة سيمفونية للموسيقار الروسي ريميسكي كورزاكوف ، ألّفَها عام 1888 متأثراً بـ"ألف ليلة وليلة" ، بعنوان
"شهرزاد". (ي.ع)