طبقية وزير أم نظام حكم يستعلي على شعبه

محمود عبد الرحيم
2015 / 5 / 11


لا أدرى لماذا ردود أفعال الناس على مواقع التواصل الاجتماعي تحمل الاندهاش والاستنكار إزاء تصريحات وزير العدل بشأن عدم أحقية ابن عامل النظافة في أن يكون قاضيا، وأنه يكفيه منحه حق الحياة فقط على هذه الأرض.
فهو ليس الأول ولن يكون الأخير الذي يتحدث بهذه اللهجة الاستعلائية البغيضة، كما أن الطبقية في مصر واقع يومي تلمسه في كل موقع، ولا مكان لغير ذوي النفوذ وأبنائهم، وكل شئ في مصر يورث سواء كانت الوظائف العليا أوالثروة والسلطة، وسلم الصعود الاجتماعي عبر العلم والعمل وفق قاعدة تكافؤ الفرص بات وهما كبيرا، ولا أحد يعترف بهذه المعطيات العادلة الآن.
ولو حدث في أي بلد في العالم واقعة مثل انتحار شاب بعد وصمه بالفقر، وأنه غير لائق اجتماعيا، مثلما حدث قبل سنوات للشاب الذي سعى للالتحاق بالخارجية، واجتاز كل الاختبارات بنجاح، لقامت الدنيا ولم تقعد، ولأنفجرت ثورة عارمة أطاحت بهؤلاء الفاسدين المفسدين الذين يقتلون الأمل في الشباب، ويكرسون للظلم والإفقار وإهدار كل القيم والحقوق وفي مقدمتها استحقاقات المواطنة والمساواة بين أبناء الوطن الواحد في الحقوق والواجبات.
نعم تصريحات وزير العدل مسيئة ومستهجنة، وتستوجب عزله ومحاكمته، لكنها ليست موقفا فرديا ولا حالة خاصة، وإنما وراءها منظومة كاملة من القناعات والتوجهات، وللأسف تكشف عقلية القائمين على الحكم، سواء صرحوا بهذه النبرة الاحتقارية للشعب أو تملقوا الجماهير، وقاموا بخداعهم واستغلالهم، لكنهم في خطاباتهم وسلوكهم المعلن والخفي يمارسون التمييز بكافة أشكاله، ويحتفظون لأنفسهم وذويهم بكل الفرص والامتيازات دون غيرهم، ويقيمون، فعليا، جدارا عازلا يفصل بينهم، وبين الأغلبية المطحونة أصل السيادة ومانحة الشرعية ومالكة كل الثروات والسلطات.
المشكلة ليست في تصريحات وزير العدل الطبقية، ومن قبله رئيس المجلس الأعلى للقضاء، ورئيس نادي القضاة وغيرهم، ولا في كيفية اختيار المتقدمين للوظائف ذات الحيثية كالخارجية والنيابة ... الخ، ولا في الكليات العسكرية والشرطية.
المشكلة الحقيقية في بنية الحكم ذاته القائمة على شبكة مصالح ضيقة تكرس للفساد والاستبداد والتبعية، وتستعلي علي الشعب وترى نفسها "طبقة حاكمة" أو "عائلة مالكة" بالمفهوم المصلحي هم الأسياد ويملكون الأرض بمن عليها من عبيد لا حقوق لهم ولا حرية، فهم خلقوا فقط لخدمة هؤلاء، ووجودهم، أصلا، عالة وعبء يجب التخفف منه قدر الإمكان.
وان كان من ولاء فلشبكات المصالح ولمن أجلسهم علي العرش في أمريكا وإسرائيل وممالك الخليج، وليس للشعب ، الذي يرونه، الجاهل الخانع الذي عصا تفرقه ومزمار يجمعه، ويسير كالقطيع وفق هوى هؤلاء الآلهة الصغيرة.
وهذا الوضع هو ما كان طوال الوقت في مصر، وجاءت ثورة يوليو التي يهاجمها أصحاب الأهواء والجهلاء، لتهدم هذه الأركان الفاسدة المستغلة، وتؤسس دولة العدل والكفاية، ثم أعادت ثورة مايو الساداتية المضادة الأوضاع إلى سالف عهدها ،وهي من تحكم مصر حتى الآن بسياساتها وتوجهاتها وشبكات مصالحها الممتدة للخارج من غير المغفور له السادات مرورا بمبارك وطنطاوي / عنان وحتى الإخوان والجنرال السيسي.
يا سادة، بدلا من التذمر والاستهجان وتفريغ شحنات الغصب بالشكوى، اسعوا للتغيير الحقيقي، ولثورة حقيقية، وليست لاحتجاجات وقتية انفعالية تنتهي سريعا، وتسمح بإعادة إنتاج النظام بوجوه جديدة، مثلما حدث بعد انتفاضة يناير.
اهدموا دولة الفساد والاستبداد والتبعية وأزيحوا "طبقة النصف في المائة" أولا، لتروا الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني ودولة القانون والمؤسسات والمواطنة التي بلا تمييز ولا تهميش ولا إقصاء
فالتغيير يحتاج لإرادة وإصرار واستعداد لدفع فاتورته الباهظة، وليس الانتظار أو المناشدة وانتظار أن تمطر السماء حرية وعدلا.