الفصل الثالث من المجموعة القصصية طائر القصب لكامل الدلفي

كامل الدلفي
2015 / 4 / 28

الفصل الثالث من المجموعة القصصية طائر القصب لكامل الدلفي
حديقة الذكرى

عشق بصوت عال

ثلاثة أيام من البحث المضني في أوراق ومسودات كتبتها في غضون العشرة أعوام الماضية ..ذاكرتي حفزتني للبحث بينها ، فهي لم تنقطع إن تشير إلى وجود معلومات أكيدة بين هذا الركام تتعلق تماما بالوضع الجديد الذي نحياه أنا وأنتِ ، والذي اصطلحنا عليه مجازا بالعشق الحي ، أو بيولوجيا بصوت عال .. في اليوم الرابع وجدت أسماء أنثوية تتضمن ثلاثة أو أربعة من حروف أسمك ..تتكرر تلك الأسماء في قوائم متعددة ، مثل قائمة أسماء زوجات الإسكندر في بابل...وقائمة نبيات قيد الإشارة وقائمة محضيات سرجون و و .
في اليوم الذي أحسست فيه بهلاك حقيقي ، انتابني شبه قرار بقبول الأمور كما هي عليه من دون لمسات سريالية أو إضفاء مسحة روحية على مجريات الحدث.. هذا النفي الداخلي سمح لي بان أتذكر بوضوح نبوءة قديمة ترتبط مع الأسبوع الأول من ولادتي قالت بها جدتي فاطمة حين رأت دجاجتها العربية السوداء تترك محلها المألوف في وضع البيض ، وتبيض على رأسي ، وأنا ابن يومين ملقى كقطعة لحم غضة حمراء في " كاروكي" ..حين رأت السعادة التي تكتنف دجاجتها السوداء ضحكت ووشمت صدغي بإبرتها مولولة في وجه أمي التي انتبذت منهم مكانا قصيا : جئتِ لنا ببلاء ، ابنك هذا يخرم سُنة جده ، ويعق أباه... فسمتني من وقتها بالأبلس .. ودلعتني مرة أو مرتين بإبليس ..كانت جدتي فاطمة تحكم الناحية ، وصلتني رسائلها الممهورة بمهرها المعدني وبماء الزعفران بعد وفاة أبي ..دون إن تكون لي رغبة في قراءتها...في اليوم السابع من البحث ..وقعت عيني على رسالتها الإبليسية أي خاصتي...التي كتبتها إلى والدي : بني إن إبليسك (أنا) لن يمت بداء الحصبة ولا الجدري الذي طفح بوجهه شيء منه ، ولو انه مات بهما لكان ارحم لنا ..انه يشب ويكبر ويحرق ذكرنا بشهوات قلبه حتى يصاب بهوا غانية من البربر، فيلتحق معهم ويضيع أثره..فهو مبلس لا ينال شفاعة ولي يوم نقف مهطعين أمام مالك الملك..وفي الرسالة سرد يخص تفاصيلاً كثيرة من حياتي ..
الغريب إن جدتي وضعت في كل زاوية من الورقة نجمة في وسطها حرف مرسوم بعناية ووضعت في الوسط نجمة خامسة كبيرة وفيها حرف كبير..دهشت وأنا اربط الحروف ، بدأت بالحرف الكبير واتجهت بعكس عقرب الساعة(يسارا) ...فتشكل اسمك ..ضممتها إلى يقينياتي وبصواب رحلتي..
اتصل بي مكتب السفر يبلغني موعد الرحلة ...
تقول جدتي انه سيلعنني الرب على يديك ..اعتقد إن هذا أقل ما سيحصل لي ، ازدحم رأسي بخرائط افتراضية لتوزيع لحظات اللقاء الجنوني معك
هناك رسوم توضيحية لأكثر من ألف نوع من القبل والاحتضان والتحليق ونفي النوم ..
يقول حفيد لي بعد مائة عام من موتي :علينا إن ننقل رفات جدنا إلى البلاد فقد وضع لبناتٍ لعلم العشق بصوت عال.........

قطار أمريكي

جلس على صدري، مؤخرته المملوءة بالشحم و الصنان ، أشبعت أنفي غثياناً ، وكدتُ أن أصدق حكايات التاريخ عن نهاية العالم ، لولا أنه حين يغرز مخالبه في بطني ويشدها بحقده العنصري ، ترتفع معها مؤخرته قليلا فيمر الهواء إلى رئتي فاحبس منه قدر ما أستطيع قبل أن تسترد إلى مكانها، فيغادرني الإحساس بالنهاية ، الحياة هواء والهواء حياة ، أغمضت عيني وسرحت في تفكيري ، تسوقني فكرة الهواء مصدر الحياة ، كأني واقفا أتدافع بين أهلي وأعمامي لأطل على وجه جدتي في لحظاتها الأخيرة ، وقتذاك انتقلنا في طرق التبريد من المهفة اليدوية فأشترى والدي مروحة سقفية ، قالوا افسحوا المجال ليصل إليها الهواء..أحسست أن المروحة التوشيبا تتفهم موقف الجدة وأخذت تبذل قصارى جهدها لتنفخ الهواء البارد إلى وجه جدتي وكنت أفكر في تقبيلها ..جدتي تلذذت كثيرا بالهواء ..لكنها قطعت منه أملها فرددت بيأس (يل جيل منك يعذيبي...) بلاغة مذهلة أمام سلطان الموت ..تركت مخالبه أخدودا عميقا فوق سرتي كان الدم قد أنقعني .وأخذتني نوبات دوار وغثيان ووجع قاهر، سيما بعد أن فرك الجرح بكعب حذائه الروماني ..تسور فخذي وأكاد أسمع صوته أو أرى وجهه ، لكني لملمت قواي وجلست قبالته كحجرة صماء لقد سمعت زئيره ):- سأنيكك يبن الكلب إن لم تمض على هذه الأوراق .. ) ، بالكاد أرى قضيبه كسلاح أخير يصوبه نحوي..بصقت بوجهه ..انهال على راسي بعصا غليظة ..عاد إليّ الوعي بعد خمسة أيام مقبوض عليّ ومربوط إلى سرير في مستشفى عسكري...في جسدي تسعة وتسعين أثرا لسيجارة مطفأة...جاء المارينز في شوارع محلتنا يحلمون بالنرجس والتمر واللبن ، لكنهم ظلوا يدورون في أزقتنا بحثا عن صانعي العبوات ..قال المترجم الذي معهم افتحْ النور، نريد تفتيش الغرفة ..لا توجد كهرباء يا بن وطني ، كانت أسلحتهم تصوب على رأسي، وأنا أشعل فتيلة الفانوس ، لكن وجه نقيب الأمن أحاطني وجها لوجه بظلامه الدامس .. فزعقت به بما أوتيت من غضب : (منيوك..... هذا قطاركم الأمريكي...)، في بوكا لاحت لي الفرصة لتدوين ما يمكن تذكره جيدا...


إمبريالي
كان وجودها حيوياً وكثيفاً على صفحتها في الفيس بوك ، تنشر قصصاً وبوستات بليغة ورائعة ، المعجبون يتهافتون ويتساقطون كالذباب على مربعها الأزرق ، آلاف من علامة لايك ، وتعليقات لا تنتهي ، تقوم هي بفرح مفرط بالرد عليهم واحداً واحداً ...ينظر على بعد قارتين فيقرأ التعليقات الحميمة والخادشة وو.. ...يتلظى على جمر ..يكتب تعليقه ..الذي يكون حاسماً في كلّ مرة .. يخرس أصدقاء الصفحة ينزعجون من وجوده معها ..كتب احدهم ماذا يريد منا هذا المتغطرس هل يريد أن يسلبنا حقنا في منتجات العلم ومباهج السوسيو... ؟، ناشدها آخر...إرحمينا منه ...دخل البعض يكلمها في الخاص سمعنا انه يكتب لك قصصك...قرر أولاد بلدها من أصدقاء الفيس ..تشكيل جمعية الدفاع عن الثروة الوطنية وحمايتها من الغرباء...اعتبروه أخطر إمبريالي عابراً للقارات يستوطن في قلب عذراء وطنية .. كتبوا شعارات حماسية..صدرت صحف الصباح..بمانشيت لاذع يشير إلى خطورة القرصنة الخارجية ..كتب قصيدة وجدانية نشرها في صفحته ..تغنجت أمامه على الخاص:هي لي طبعا..قال:لكِ طبعا ..قامت بمشاركتها على صفحتها..هجم ذكور النحل يعطون لايكات بلهاء ..دعت جمعيتهم أعضائها بمشاركة القصيدة ..ودعت إلى إعلان الجمعة المقبلة يوم اعتصام شعبي ،هبت الجماهير بعد صلاة الجمعة تتجمهر عند نصب العلوم الوطني..تهتف ضد القرصنة الأجنبية ...وتزيد من حماسها حين تتغنى بأنشودته التي ذاعت بطول البلاد وعرضها..لم ترد على رسائله أسبوعا وهو يكتب أنواعا من الأشواق والإحتراقات.. ألغت صداقته وحظرت اسمه..استجابة للمصلحة الوطنية العليا...


إنمي- فاس
كان موعدنا الربيع في فاس، وطأت قدماي المدينة التاريخية أول مرة ، مرضت عند مرقد مولاي إدريس الثاني ، من شدة لواعجي وبكائي عند الضريح، فقد سرد لي عن هجرة أبيه ، تاركا بغداد من ملاحقات هارون الرشيد ، خائفا متكتما ، حتى أعطاه الله المدد على يد الأمازيغ الذين حفظوني في المهد صبيا ..كما ورد في بوحه لي ، هزأت حبيبتي قليلا من نكهتي التاريخية ووخزتني بإبرة من عسل ضاحكة متغنجة ، كم أنت جميل في معطفك الشيعي..يا لأنصار الحسين..أها ..أها..؟ ، كانت فاس تمتزج بكربلاء في ترانيم العشق الجريح ...قضينا وقتاً سحرياً من غير ثالثٍ معنا ...خمسة وخمسين يوماً ..كانت من كبار الاركيولوجيين.. تعرف مسارات الهوية في الحجارة وتعرجاتها ..في الليلة الأخيرة صرحت لها بأني لم أشبع منكما أنت وفاس..اعترفت لي بسر جديد..قالت لا مغرب من دون مشرق.. وأضافت أن كتّاب التاريخ لم يولون ذلك بالاً..أردت العودة إلى عاصمتي قالت امرق معي إلى داري في نابولي و طرْ من هناك إلى بغداد...في شارع ثقافي تعج به مؤسسات الصناعة الفيلمية دخلنا إلى دار إنميشن فيلم ..اقترحتْ أن نكون بطليّ قصةِ حبٍ لفلم انمي..تماهت الفكرة مع جنوني المستعر لحظة فراقها ..سايرتها في فكرة الالتصاق الأبدي .. فكرت أن انزعها عن رباطاتها القاهرة..الفلم بشخصيتين ...غير أنها اقتربت كثيرا من مدفأة في المشهد الأول فاحترقت..لم اعد إلى بغداد ..لم أزل العب في ذاكرة الفلم كبطل واحد للحب في شخصيتين...


حيوان منوي
حقل مهجور.. طحالب ذكرى تذروها هبوب قائضة.. أشواك حسراتٍ وعاقول خيبةٍ ، عزلة ، انفراد موحش ،.حقل "يصوي" ..العهد بالألوان أصبح بعيداً لم يعد يؤم أسواق الكماليات ، نسي هفهفات الحرير لم يعد يضبط فرحتها الجنونية وهي تتغنج ميوعة بين ذراعيه..تعطلت مَلَكة الحفظ للمفردات الأجنبية ..بدا مجانفا للوقع الحضاري أو منزوياً عنه .. لم يمرق في سوق العطور، تبخرت منه أسماء الماركات العالمية ، التي يحتفظ بواحدة على الأقل من كل نوع منها، أيام كان التجار يتنادسون عنه كزبون فريد بامتياز..اخذ يقشر لحاء الذاكرة عما ترسب من الحان وموسيقى..ترآى له شبح أم كلثوم التي عشق صوتها ، كصبارة معصفرة يتدافع عليها أسراب نمل في زاوية من الحقل...أعتد كثيرا ببلاغة الوصف الذي أوحت به ساعةُ سكرٍ : (حين تغادر الرجل حيواناته المنوية يغدو حقلاً مهجوراً...).


عطور
أنار ضياء الغرفة وتركها عارية نهبا لنور المصابيح ، تتقلب في سرير اللوعة، و تتكسر رغباتها كقضبان رقيقة طرية ، بالكاد تلم عليها شعثها ، بينما دلف هو إلى الطريق الزراعي يؤلف حكاية هجر ثأرية ، فقد قدم لنفسه وصلة إقناع مكثفة يردد فيها انه قد شم في رغباتها ضوعا لغيره ... قضى شطراً من ليلته ساهما مطرقا يبحث عن وسيلة يضمن فيها رداً يعيد لقلبه كرامته المضيعة بالوله والتعلق..اهتدى جنانه إلى ما يؤمّن الخلاص وراحة البال ، مستفيداً من حكايات والدته الميثولوجية ، فقرر أن يعود ويقتحم مسكنها ليفرغه من أي عطر أو رائحة يخصانه ككائن يضوع فحولة ، حتى إذا ما تم له ذلك بسلسلة أفعال روحية تعلمها عن والده ، يكون قد ابرأ نفسه من أي ارتداد نفسي مريب..حين وصل إلى مسكنها ، رأى أن روائحه قد جمعت في صرة خلقة عند سلة النفايات بباب المدخل، وأدرك أن البيت تقطنه روائح فحولة طاغية كاسرة تتراقص مع أضواء النوم وموجات اللذة و الارتواء...


شجرة اللوز
في دلتا النهرين كان حليب الجاموس ينز من جلود الأطفال المتوردة ، وكانت أرواحهم حتى وهم يكبرون تظل بطراوة الطين وعذوبة النسائم ،وخيالاتهم ترتع بالخصب والاتقاد مثل عواطفهم التي لا تبرد ، مستعرة مثل كوانين الجمر في شتاءاتهم القارصة ، فلا يعجب من نفسه .. وهو يحط بمظلته الروحية على حافات جبال الأطلس ..يختلي بشجرة لوز غناء عارية الأوراق . تتعبد وجدانا في وحدتها وتبرق إلى عينيه موجات إغراق من اجل إن يتحسسها بحب .يلتف بوجوده على جذعها..لم يبرح منها.. ذاب معها لم تعد شجرة لوز ..هي حب بطعم العدم ..يخالها الحطابون في غابات الأطلس مزارا ..فيلقون بإتعابهم عندها...


جنون مجرد
كتبتْ : رفقاً بي إن كنتَ تحبني..
صمتٌ ...لي مرآة أطالع وجهي عبرها مراتٍ في اليوم الواحد
صمتٌ.....لي في ذهني ما يشبه الرقيب.
صمتٌ.... لي عذابات الشعور بالخيانة.
صمتٌ كان ورائه أحساس مذهل بهزيع برد قارس ورأى ناراً تحرق بتؤدة سرديات أثيرة في نفسه جمدت الأزمان فيه مثل ميت على دكة الغسل ..ذلك إفراطه المعرفي وقراءاته المستمرة لفلسفة كانط حفرا به مشروع الهزائم ...ارتعش قلبه خجلاً..وذاب الجليد الأخلاقي حين ألح على محو وجه كانط قليلا قليلا..غير أن قلبها لم يخذله فقد أوحت كانطيتها المفرطة بحلول مقبولة ، أخذا ينزعان حواسهما الخمس ويتصلان بسعادة...



قيء ...
خطط لإطلاق فرحة مركبة في حياته ،بان يكون صدور روايته الأولى متزامناً مع حفلة زفافه..أنجز صديقه التشكيلي لوحة الغلاف ..ذهبا معا إلى المطبعة الأهلية ...التي ظلت تنتظر معه إجازة طبع الرواية من مديرية رقابة المطبوعات ..رن جرس الهاتف صاح بولده ذي الربيع العاشر أن يجيب على الهاتف ...يا أبي انه صاحب المطبعة....تقول الرقابة يسمح طبع الرواية بكمية محدودة(خمسمائة نسخة فقط)...لم تسعه الدنيا من الفرح..دفع تكاليف الطبع ..رن الهاتف ..يقول صاحب المطبعة جاء أمر بمنع التوزيع ..وجاءت سيارة تويوتا بيضاء أخذت جميع النسخ المطبوعة... مرت العقود والمنع والتراب يعلو شيئا فشيئا على تفاصيل السرد...بعد إزاحة النظام البوليسي صار بإمكانه أن يطبع ما يشاء..لكنه مانع أن يطبع روايته الأولى بالرغم من إلحاح أبنائه فهو خجلٌ جدا من إصداره الأول وهو في الستين أصبح الأمر لا يناسب عمره ..راودته فكرة أن يوصي لابنه بان يطبع الرواية بعد وفاته تخليدا له....

القرد العاشق
اخترت صديقي " ن " من عصارة أيامي العصيبة ، ظل يمثل لي فيئا ودفئا وأشجاراً عالية تبدد خوفي وتكبح صفير الريح في أذني بزقزقة البلابل الذكية التي تنسج مباهج الحس على أغصانها الداكنة ، يستمع برضاه العميق إلى بوحي وزفراتي العميقة عن حبي المتفجر نحو امرأة على صفحات الفيسبوك .. يؤرشف في ملف على حاسبته الإلكترونية تفاصيل حكاياتي عن عشقها ليلةً ليلةً ، مرةً أشار عداد الرسائل بيني وبينه إلى مئة ألف رسالة...مفردات عن أطياف الحس والشعور البهيجين ..أحسست إن صديقي مؤمناً بأن الحب الواقع بيني وبينها ، هو حقيقة مستقرة ومن المسلمات الإيمانية ... بينما هو في الحق مجرد تمرين مكثف في التطور السردي ، فقد أنجزت مجموعتها الشعرية الحاصلة على جائزة الدولة التقديرية في بلادها عبر الحوار معي في لعبة العشق ، أما أنا فقد أنجزت حوارات روايتي الثانية جميعا في مراسلاتنا الغرامية ... حدثت صديقي بواقعية عن تراجع المشاعر في مرحلة أفول الحب وعن مشاعرها الكارهة لي وعن كرهي لها أيضا ، غير انه لم يتقبل الواقع الجديد ....ألغى صداقتي معه على الفيسبوك ..كما فعلت هي معي تماما ... مشاعره انزاحت نحو التضامن معها ، وانقطعت عني أخباره ، ذهبت إليه حين سمعت بمرضه .. تركتنا عائلته لوحدنا ، بادرني : أنك أمرضتني فقد أدخلتني أجواء قصة غريبة ، وجعلتني طرفا في الحب ، فأنا اعشقها كرديف لعشقك وحين أغلقت الطريق إليها فقدت صوابي وجننت لفقدها ، ورفع صوته : أجبني كيف تمكنت من نسيانها؟
- صديقي: ثقافتنا هي التي تعيد إنتاج العشق اللاهب في دواخلنا وفق مقتضيات العوامل الوراثية بعيدا عن اشتراطات الواقع ، كما أنها مجافية للعلوم العصرية ومقاطعة لها ، فهي ترى إن تشارلس داروين شخصية خيالية.. أنا نسيتها بفعل الانتقاء الطبيعي لا غير ، سعل كثيراً وهو يدس حبات جوز الهند تحت مخدته ، وطلب أن يأتوا له بوجبة دواء الأعشاب بعد إن عزف عن تناول الغداء...

ثرثرة

أصر المعلم ج على أهمية الثرثرة اللغوية في حياة الطالب الابتدائي وقد اقترح أن تكون حصص الدروس حرة وطليقة في تعليم الطلبة طرق الثرثرة وأساليبها فهي انفع لهم من المناهج الدراسية التي يراها مجرد هياكل ميتة خالية من الحياة والحركة والحس والجمال ..وقد واجهته إدارة المدرسة والتربية بإجراءات صارمة وأخضعته إلى رقابة مشددة بغية ردعه عن استغلال حصص دروسه بالشذوذ والجنون المعرفي كما أطلق ذلك عليه مدير المدرسة..لكنه وعلى مدى عشرة أعوام دراسية لم يتقيد بأوامر الإدارة وكان يعطي في كل صف درسين في الثرثرة من بين خمسة دروس حصته الأسبوعية ، والذي اقنع الإدارة بالتغاضي عنه ،هو معدلات النجاح العالية التي تحققها المدرسة في تخصصه في الامتحانات العامة على مستوى الجمهورية،وانخفاض نسبة التسرب الدراسي والغياب اليومي في الصفوف التي يكون مرشدا لها..حين دخل وزير التربية بصورة مفاجئة إلى إدارة المدرسة ..أحس المدير بارتعادة وقشعريرة تتناوبان على جسده ، وبأن شراً ما سيحيق به ، بينما أمر الوزير بضرورة الذهاب إلى صف المعلم ج فهناك قرار من الوزارة بتكريمه.. حين وصلا إلى الصف أشار إليهما (الوزير والمدير ) أن يقفا جانبا حتى لا يفسدا على بقية الطلبة متعة الاستماع إلى الآراء الحرة التي يدلو بها كل تلميذ بالتعاقب ...حين انتهى الطالب من حديثه...استأذن المعلم ج من الطلبة ببعض الوقت للترحيب بسعادة المدير وضيفه الكريم فهو لا يعرف انه وزير التربية فكرر المدير الترحيب بسعادة الوزير ...وهنا بش المعلم ج .. إذن أعزائي الطلبة نستمر في حديثنا الذي أبتدأناه عن ما معنى أن يكون الإنسان وزيراً والذي كللته المصادفة العجيبة بحضور سعادة وزير تربيتنا المبجل ..وأشار إلى الطلبة بالاستمرار بالحديث ..وقبله استماح الوزير عذرا بان يأمر رجال حمايته المسلحين بالتواجد خارج الصف ..
طالب (1) :حين يكون الإنسان وزيراً يعني ذلك أنه يسمح لنفسه بالتجاوز على غيره واخذ فرصتهم فهناك من مجموع ثلاثين مليون إنسان ، من المنطقي آن يكون هناك من هم أكثر جدارة منه بالوزارة ..حوار...اعتراض
طالب رقم (2): حين يكون الإنسان وزيراً يعني بأنه سيقوم بقطع ارتباطاته تدريجيا مع الوطن ..فهو يبدأ بالسفر المستمر إلى عواصم العالم ثم يشتري عمارة وبيتاً هناك ، يعيش فيهما بعد أن يتقاعد... سؤال حوار...
طالب رقم(3): حين يكون الإنسان وزيراً يعني أنه خائف طالما يحتمي بغيره من المسلحين ، اعتقادي انه يخطأ كثيراً فربما يزوّر أو يسرق أو يظلم الآخرين..أسئلة..حوار...
طالب رقم (4):اسمح لي يا أستاذ أن اقترب من سعادة الوزير ..تقدم باتجاهه ومد يده على كتفه ..أنا أول مرة في حياتي أرى وزيراً وأكون بهذا القرب الشديد منه ، يا سيادة الوزير...لماذا ننسى كل ما نتعلمه في المدرسة ؟ لماذا لا نذهب إلى القمر ؟ أين نعمل حين ننهي دراستنا ؟ ( دمدم السيد الوزير بمرارة : مهزلة ..مهزلة...منسحبا من الصف بغضب ) بينما الطالب مستمرا بالحديث نحوه بصوت عال:أجبني ما معنى أن يكون الإنسان وزيراً ؟.