الفصل الثاني/ من المجموعة القصصية طائر القصب لكامل الدلفي

كامل الدلفي
2015 / 4 / 26

الفصل الثاني/ من المجموعة القصصية طائر القصب

(الطلق)

أحلام ليس إلا
حين دخلتِ الإمارة العاشرة المتعارف عليها كواحدة من علامات الساعة ..جلس العلماني الأعرج على طاولة الفراغ ينتظر غريمه اللدود شيخ الجامع المحال على المعاش..ليس من جامع بينهما سوى طاولة في فراغ..وفراغ إثر غياب فجائي لرجال ذهبوا إلى خطوط القتال..اثنان يكتملان ببعضهما بعد الظهر وبمظاهر يومية ينسجانها لقتل الوقت الثقيل...تدحرج بين رجليهما مثل كرة بنية ..يلهث ..وينبح ببطء يعاكس نبضات قلبه المتسارعة ... السعادة تأتي من توفر عواملها الباعثة ..والفراغ يضيق بتراكم عناصر الوجود الواقعي..قررا ان يتقاسما ملكية الجرو ويتعاقبا الدور في تدجينه وتربيته وغذائه....
يوم لك يوم لي ..لك لي ..لك لي لك لي لك لي، كلما تأخرت الحرب كبر الكلب وكان يعوي في الليل فتأتي الجنازات و العويل..
مرة يحلم العلماني بان الكلب يصغي لأوامره بافتراس صديقه الشيخ ويأكل لحماته واحدة بعد أخرى..يرد عليه الشيخ بحلم فاتك اسود..يلعق فيه الكلب دماء العلماني ..فالبادي أظلم ..بينما كان الكلب يحلم أن لديه جروين صغيرين يرغب بهما ان يكونا طفلين سويين...

تهرؤات

كنت أحك وسطي من تأثير الإصابة في الحرب الكيماوية.. هكذا كان جوابي إلى لجنة العفو عن سبب بقائي في السجن عشرة أعوام ، فجسدي يمثل شاهد إثبات دامغ ..هزت ممثلة اللجنة رأسها بعدم رضا وهي تنظر إلى وسطي المتآكل ، لم يخرجني العفو العام الصادر من زيارة اليونامي من السجن كبقية المجرمين الجنائيين .. ذكرتها بالحدث بعد عشرة أعوام ونحن نجلس لصيقين في مؤتمر دولي لحقوق الإنسان وكنت أمثل بلدي. اهتزت مثل جرذ مبتل ..صدمت فهي لا تأبه بغاليلو وتعتقد أن الأرض ساكنة.

أفعوان

في الحلم كان يجرب أصواتاً مختلفة ، في الليلة الماضية كان ينهق ، قبلها كان ينبح ،في أخرى يعوي.. وكذا و كذا ...الصبح كان سعيدا بحلمه وتمنى لو أن يكون كذلك أبدا ، فقد أوصلته الأحلام إلى رغبة مثالية بحث عنها طويلاً ، أولَ مرة يعيش حلماً تهدل فيه أشجانه بصدق ،فقد قضى ليلته يفح كأفعوان مفجوع....

كائنات مكيافيلي العراقية

في حجرة كبير المكيافيليين ثمة ماكينة عظيمة المحاور والسلندرات ،تنتشر في حافتها السفلى أزرار ملونة معلمة بالحروف والأرقام اللاتينية ، الأوامر مستمرة لقرن قادم ، والطاعة مستمرة ، أصابع تضغط على الأزرار تدوّر المحاور والسلندرات ، فتدور معها الأرض والنجوم والأقدار ، المعالم تختفي تدريجيا ، فراغ هائل ، أخدود عريض .. الأزرار تضغط على مزيد من حرق الماضي ، يتبخر بكامله ، لم يبق منه أثر ، لكن أزرار الحاضر عاطلة عن العمل...

مرآة

هو: لا احد في المرآة ، أنظرُ بعينين
وأحيانا بثلاثة منذ أكثر من عمر
إلا أنه لا أحد في المرآة....
أمشاطي تعلو أسنانها أتربة غامقة ،
وزجاجة العطر تبدو كأمونيا عفنة
بينما أنت تنامين بيأس ........
هي : أ ليست تلك مرآتنا الواضحة ؟.

طيور مهاجرة

بعد ثلاثة عقود من وفاته ، سافر الشاعر عبد الله كوران بعيداً عن بغداد نافضاً يديه عن كل عناصر آثارية تمت بصلة إلى حماسته وتوقه للحرية وحبه الكبير للطبقة العاملة في هذه المدينة ،، وطلب من محل تصوير مغلق أن يمزق الفيلم النيجاتيف لصورته الأليفة التي طالما استخدمها في مستمسكاته الرسمية ..أما بغداد فلم يصدر عنها أي تعليق ، لم تعد تحفل بالحياة مثل برج هجرته الطيور....

لجوء رغم انفه

خمسة أعوام من البطالة المركزة سمحت أن تتمرد بعض حواسه وأعضائها ضد إرادته.. فأشترك انفه دون علم منه بسباق الشم في اولمبياد عالمي، لكنه لم يأت بنتيجة طيبة ، فبينما اقتضت لوائح السباق أن يقوم كل انف بتمييز خمس روائح مختلفة في ثلاثين ثانية.. فهو لم يميز سوى رائحة الدم في ثلاث نزالات متتالية.. ولكثرة اللوم الذي تلقاه من رئيس الوفد أتصل سراً بمنظمة دولية سهلت لجوءه الإنساني ...

الحكواتي

طوال الشهر لم ينقطع عن بث الخوف والهلع في قلوب زملائه وهو يصور لهم مشاهد الجثث التي يقابلها كل صباح في الطريق من البيت إلى العمل ، الجميع مشدود إلى عباراته القصيرة المحملة بالتأويل وكأنها أسفنجة مبللة اليوم خمسة بأكياس .. ثلاثة عراة ... أربعة بلا... وهكذا يهز الموظفين ويقلع عروق الأمان في داخلهم..
لم يصل يوم الثلاثاء إليهم ، الساعة قد أشارت إلى منتصف النهار ، لكنه لم يأت .. الجميع توقف عن العمل ، خرجوا إلى الشارع ينطرونه ، لم يصل ولم يدل بعدها بحديث ، إذ ْ حان دوره ليكون جثةً في الطريق...

ممسوس

صنع فكرته بنفسه ، أجاد في صنع فكرته لكن....لم يعد يأوي إلى :
جسده ،
فراشه،
بيته ،
وطنه،
أو إلى الأرض .
السماء مقفلة غير مسموح له أن يمدد فيها لأية قيلولة....
بكى عله يعود إلى حضنٍ،
حاول أن يفكك الفكرة أو يمحوها ،
خرج ممسوساً بالفرح ،
فقد عرف انه هو فكرته المنتجة...

بعوضة

لم يخلد إلى النوم ظل يراقب البعوضة الكبيرة التي حطت على زنده العاري ،
قال لا تصد كائنا عن رزقه ، تلدغني ....
أحك المكان ....ثم أنام ..... أطالت الأمر ....
فقد بدت هرمة من دون إبرتها اللاذعة...
تحايل علّها تطير .....
لم تفعل ..
فقد سبقته إلى النوم على ذراعه....

آدم جديد

سرح النظر في جلسته الهادئة وكأنه في روض ساحر ، تناهى إلى فكره أنه أول البشر في الاستمتاع المذهل بهكذا جمال وراحة بال وبيئة تفوق الخيال غرابة ..أحس بمتعة إعادة التجربة الماكثة في صلبه جينياً ..بحث عن شجرة التفاح وشاط يمنة ويسرة دون أن يجد أثراً ، ترقب أن تأتي الأفعى ولكن ليس هناك ما يدل على وجودها .. همهم أن ليس كل الحدائق غنية بالقصص وان الوجود الأبتر هو الخطيئة فوارى سوأته إن استيقظ من الحلم...

إرهابي

أحاط جند الاحتلال مسكنه البسيط بمجموعة من الهمرات المدرعة ، بينما فات فصيل مدجج منهم إلى داخل الدار ، كان "كاسب" وزوجته وصغارهما حول صينية الإفطار، صرخ الجند بعبارات عسكرية مرعبة ، لكنهم استمروا بتناول الإفطار ...وضع الضابط رشاشه عند صدغه ، حينها توقف عن رشف الشاي ،متسائلا بعينيه ، ما الأمر؟ قال الضابط :وردت تقارير سرية تفيد بأنك من الساعة الثانية إلى الساعة الرابعة صباح هذا اليوم قمت بنشاطات مقاومة لإرادة دولتنا العظمى ،أنت إرهابي، هيا تكلم ماذا كنت تفعل؟ خبأت الزوجة رأسها خجلا..فقال لهم : كنا أنا وهي في الفراش .. فهذا هو الوقت الذي يتبقى لنا بعد نوم الصبية.

قلم باميا

مرات ومرات ، يغرق في التخطيط لميتة أثيرة تجعله بطلا ، ويتردد اسمه في ذاكرة قرنين قادمين على الأقل ، نهاية يتلاشى فيها جسده إلى نثار. وكان في كل مرة يصل فيها إلى ترتيب أخير للفكرة ينفض يديه فزعا ليعود إلى طبيعته العامة ، بسيطا محبا للحياة وودودا ، ربع قرن مضى على وقوعه أسيراً لفكرة النهاية الخالدة ، المقرونة بعجز تام عن التنفيذ ، أن التكرار الطويل للتجربة أمكنه من استبصار الدافع الخفي ، ضحك بحياء صاعق حين قرأ في الموسوعة الطبية بان علامة الذكورة التي عنده ليس اصغر من المعتاد، فهي كما ورد في تلك الموسوعة بحجم طبيعي ، عفط لنفسه ، مرة وأخرى وثالثة . وهو ينظر إلى خضوعه المميت لهم ، خائفا كيف سيتندرون من قلم الباميا على دكة المغتسل... ؟

أوجاع مزمنة

ربت على كتف أبيه بحنو مرتعش كجناح طائر مبتل في صباح شتوي..
حزنه دفع قريحته تخطط بقلم الرصاص هزائم الإنسان في رياح المدن العارية .
- أبي لماذا يكذب المذيع ؟ صعدت عند الأب ذكرى خلخلة الشعور البشري أيام الحروب القديمة ، سمع من جديد تلاوة البيانات .. والحماس المركز وأناشيد المشي على النار....
- وأين كان يكذب ؟
- في عدد الموتى بانفجار يوم أمس .
- لم يكذب ..فهناك أكثرُ من تعريفٍ للموت.

المومس عذراء كما تظن !

مر وقت طويل على أول مرة رسمت المشهد في سرير ..ولها أن تظن كما يحلو لها ، بان أفواه الرجال مغلقة بسبب القبل الحارة التي تتركها على شفاههم في الختام، وهؤلاء ، يتحدثون بشراهة عن مآثرهم معها ، مرتين في الأسبوع على الأقل ، باستخدام جدول الضرب ، سنضحك مليئا من أوهام الكثيرين والكثيرات....

سن العقل

سحب أعمق نفس من الهواء شهده مرة في حياته ،وتلألأ وجهه نوراً وبهجةً وهو يطير سعادة مثل ريشة ، خفيفا من أعباء الوهم الذي أثقله ستين عاما ، نظر بمثلية جارفة إلى سرب الفراشات الطائرة في الطريق إلى منزله ،بالأحرى أنها هي التي اقتربت منه وحامت حوله بتشكيل مبهج فريد ، في الباب تريث وقتا قبل أن يدخل والزوجة تنظر إليه من شباك الصالة باستغراب ،فهو منشغل بالرد على تحيات واستقبال الشجيرات والأزهار في الحديقة..
كم كان عليه أن يبكر في الذهاب إلى طبيب الأسنان ليتخلص من هذه الدلالة المزعجة ( سن العقل) ..؟.

أرواح من ورق

بينما أصبحت متطابقاً مع ظلي ظهيرة طمر كتاباتي ، وكتبي ، وأوراقي الثبوتية و حجة البيت ، وهويات العمل والنقابة ، وغيرها من الورقيات التي تتعلق بشؤون الحياة . في اليوم الذي شهد أوامر حاكم السواد في واحدة من أزماته النفسية الشديدة ، التي قضت بإحراق كل الورق في الولايات كافة. وكنت مثل دفان منشغلاً بالطمر على عجل ، فإذا بها تحط على كتفي مثل حمامة ، وريقة ناصعة هاربة ، شممت هديل خوفها فضممتها إلى صدري وهي تفوح دمعاً وأسى كقلب مهيض . اكتنفني هاجس إخفائها تحت جلدي فخفت العيون ، قرأتها لمحا ، وطمرتها مع الركام لست أدري من كتبها ؟ هل كانت أما أم حبيبة ؟ لكنها كتبت احتجاجها وكفى ! وسطـّته المساحة البيضاء :
- أخذتموه وتركتم لي العزاء ، أ تظنون العزاء يسد الفراغ ؟

المأذنة

سمع الآذان بصوت أبيه ... يرفع للمغرب والعشاء يوميا ، ترك ما في يده واتجه إلى المسجد لتأدية الصلاة .....
حين لاح له المسجد كان مبتهجاً بمنظر المأذنة التي عشق طرازها منذ صباه ، فكر لو يحط عليها مع العصافير التي تتقافز حولها .. انشغل بأمور العلو والتسامي و حكايات سندباد....جرب مرة في صغره أن يطير بأجنحة صنعها من مواد هربها سراً إلى سطح الدار....قفز ، لكنه سقط على كوم القش الذي يشغل الفناء الخلفي من البيت .. الحمد لله لم يمت ساعتها... أغمض عينيه على طعم الذكرى القديمة ..
فزع لصوت دوي هائل في المسجد ،فوجئ أن المأذنة تتدحرج نحوه ، بل بين قدميه ، دخان .. جرحى ..موتى.. سيارات إسعاف ...خارت قواه ، قرفص من دون وعي على الرصيف غير انه تبسم واسترد بعضا من قوته فقد صار من بين الضجيج يسمع ومن دون أجهزة التكبير صوت الأذان لم ينقطع.
أطوار
دهشا وهما يلتقيان على غير موعد في مقهى أم كلثوم ، بعد فراق إجباري أملته عليهما المتغيرات الوطنية التي حدثت جراء العاصفة العاتية لثقافة الإنسان الأخير.. ظل فيهما رمق من ذوق فني يحن إلى الغناء الكلاسيكي الخالد ، فكانا يستعذبان صوت السيدة لذيذاً بطعم الشرق وسحره المذهل.. حضنا بعضهما البعض وتبادلا قبلاً حارقة وأسئلة عطشى عن الأهل والأولاد ......
دخلا بالحديث إلى دائرة إدمانهما العصي ، فقلبا بالوصف مرتكزات المفاهيم التي دافعا عنها عمراً وهم يرون أركانها تنخلع وأبنيتها تتهاوى .. الشاي الساخن يساعد في تقريض الأحاديث عن الحزب البروليتاري والثورة الاشتراكية وحلم المساواة في الايديولوجيا والطبقيات ، وهما يستعيدان بنشوة مسكرة حميمية الاجتماعات السرية القديمة ، وبينما هما كذلك في لذة مناخ مخدر كأفيون ، فطنا كمن يفيق من حلم إلى صوت الآذان ... أشارا إلى بعضهما.. أنها الصلاة... تركا المقهى .... ذهبا دون وعي كلا باتجاه مسجده...!