الجزائر والدور المشبوه ل -الناتو- العربي

محمود عبد الرحيم
2015 / 4 / 16


رغم انتقاداتنا للوضع الداخلي الجزائري، نتيجة غياب ديمقراطية حقيقية وتداول فعلي للسلطة، وحالة فساد واسع لا ينكرها المسئولون أنفسهم، تتسبب في سوء أوضاع الجزائريين، لكن يجب الاعتراف بأن الديبلوماسية الجزائرية تتسم بالحكمة والعقلانية، وتغليب المصلحة الوطنية والعروبية، وهو ما يحسب لهذا البلد العربي المغاربي الكبير التى تتسم كثير من مواقفه بالرشادة وحسن تقدير العواقب.
وقد احسنت الجزائر صنعا برفض التورط في المستنقع اليمني، مثلما رفضت من قبل التدخل العسكري في ليبيا، أو إنشاء"ناتو عربي" لتدمير البلدان العربية، ومسايرة ممالك الخليج في الانحياز لطرف ضد طرف في المعادلات الداخلية العربية، بضوء اخضر أمريكي ولخدمة المصالح الصهيوأمريكية.
ولو الجزائر بعافيتها، لكانت استعادت ديبلوماسيتها النشطة القديمة، وتمكنت من احداث اختراقات في تلك الملفات العربية الحساسة التى تتطلب قيادة ومظلة عربية تسعى لتحقيق المصالح العربية عبر التوصل لتسويات تأخذ مصالح الشعوب والأوطان بعين الاعتبار وليس تنفيذ اجندات خارجية بحجة مواجهة ايران أو الارهاب أو غيرهما، أو ادعاء دعم الشرعية هنا أو هنالك.
وكنت أتمنى، بالفعل، لو حافظت الجزائر على إصرارها السابق على تدويل منصب الأمين العام للجامعة العربية، وليس قصره على دولة المقر، مثلما كانت تضغط إبان وجود عبد العزيز بلخادم في منصب وزارة الخارجية.
وأظن أن قيادتها للجامعة كان يمكن أن تحدث فارقا بعد خضوع مصر الدولة العربية الكبرى للنفوذ الخليجي خاصة السعودي والاماراتي، وتنازل حكومات ما بعد الزعيم عبد الناصر، طوعا أو كرها عن مسئولياتها ومكانتها وقيادتها للمنطقة، فضلا عن تحويل "بيت العرب" عبر سلاح المال النفطي لأداة لتنفيذ التعليمات الأمريكية، والعمل ضد المصلحة العربية.
وللأسف، خذلنا نبيل العربي ، بعد سلفه عمرو موسى الذي كان جزءا من نظام الديكتاتور العجوز مبارك، حيث كنا نتوقع منه تغييرا جذريا في وضعية الجامعة العربية والنظام العربي الجماعي بكل مناحيه، واحداث ثورة حقيقية في هذه المنظومة لتنهض بمسئولياتها، وتحول الجامعة كمؤسسة تضامن عربي فعلي، وتعمل على ما يخدم مصالح الشعوب العربية.
لكن في عهده، نجده يمرر، دون ممانعة تذكر، ما يمليه عليه نظم الخليج ومصر، ويتحدث بخطاب متهافت عن الأزمات العربية بصورة تضخم من أمور وتهون من أمور أخرى لا تستأهل ذلك، فضلا عن مسايرة الأنظمة في تحويل الانتباه عن الكيان الصهيوني العداوني المحتل للأرض العربية، إلي محاربة الارهاب المصنوع أو عدو وهمي اسمه ايران التي هي بكل حال حتى لو حدث تباين في المواقف أو المصالح، فثمة مشتركات عديدة، ويمكن حل كثير من الأزمات في المنطقة بالتقارب معها، ولا تمثل خطرا حقيقيا مثل الصهاينة اصحاب المشروع الاستعماري الاستيطاني، ورأس حربة الاستعمار القديم الحديث لعرقلة نهضة الأمة العربية واستنزاف مواردها.
إن أى صوت يرفع المطالب والطموحات العربية ويتمسك ولو بالحد الأدني من مصالح العرب، كالجزائر، يجب أن نثمن مواقفه وندعمه، كما يجب أن نشدد على رفض كل ما يضر مصالحنا كشعب عربي، وفي مقدمة ذلك التدخل في الشئون الداخلية للدول، وفرض ارادة من الخارج، أو تصفية حسابات مع قوى اقليمية أو خوض معارك أطراف من خارج المنطقة على الأرض العربية بمال وسلاح العرب.
إننا ندعم التدخل فقط في حالة مواجهة عدوان خارجي بمنطق التضامن العربي، ومتطلبات الأمن القومي العربي، أو حماية المصالح العربية وليس الصهيوأمريكية، وأن يكون يحظى بالقبول الشعبي الواسع، وليس تدخل هدفه إما فرض أمر واقع بالقوة والاتيان بسلطة حاكمة تابعة ومتواطئة، ومناوئة فصيل سياسي داخلي، أو الانتهاء حال الفشل في هذا الهدف إلى تدمير المدن العربية، وتركها نهبا للفوضى والصراعات الأهلية والمذهبية والقبليية.
وفي تصوري، إن إنشاء ما تسمى ب"قوة عربية مشتركة" ليس سوى "ناتو عربي" مشبوه الأهداف ومشكوك في نوايا من يقفون وراءه، حيث يبدو أنه ينهض بمهام "الناتو" الغربي بدون أن تتورط امريكا وحلفاؤها، بشكل مباشر، في مستنقع الصراعات الداخلية العربية، ولا تتحمل الكلفة البشرية والمادية لحروب غير محسوبة العواقب، بعد أن تعلمت من درسي افغانستان والعراق وكلفتهما الباهظة، ولكي تترك عرب أمريكا ينفذون أهدافها، ويحاربون حروبها بالوكالة، حتى لو كانوا في سبيل ذلك، يهددون الأمن القومي العربي الحقيقي، ويستنزفون موارد شعوبهم.
وفي المحصلة النهائية، يكون الرابح امريكا والكيان الصهيوني اللذان يتحقق لهما ما ارادا، دون دفع فاتورة الحروب والتدخل المباشر، وليذهب العرب والإيرانيون إلى الجحيم غير مأسوف عليهم بعد أن يضعف كل منهما الآخر.
*كاتب صحفي مصري
Email:mahmoudreheem@hotmail.com