عاصفة الحزم إعلان موت المعادلة السودانية!

تيسير حسن ادريس
2015 / 4 / 2

توطئة: هناك بعض القضايا ونقاط فائقة الأهمية قد يكون الجهد الفكري الثوري المعاصر لم يوفها حقها، وهي قضايا ونقاط من الضروري والطليعة تترسم الخطو نحو التأسيس لمسلمات فكرية ثورية تراعي مستجدات العصر أن تتوقف عندها وتعطيها حقها في البحث والتداول... إن الخلوص لنتائج في هذا الحقل الملغوم يتطلب جهدا ومثابرة وصبرا على وجع مخاض الخلق الذي ترنو إليه الساحة السياسية السودانية للانعتاق من جمود المسلمات التي تكلست وطمرها غبار الأزمنة، وهي في هذا لا تنطلق من فراغ وهو ما قد يسهل أمر بلورة أو تعقيد ما تصبو إليه حسب طرق ومناهج المقاربات التي ستتبع؛ ومجمل الأمر يحتاج لعصف ذهني صادق وبراح زمني تحيطه الطمأنينة المطلقة وتجرد حقيقي من نزق (الأنا) المنحازة جبرا.
(1)
لابد لمكونات المشهد السياسي المعارض في السودان وهي تدنو من كسر الحلقة الشريرة -كما أوضحنا في مقالا سابق- أن تتحلى بأقصى درجات الحيطة عند البدء في معالجة مفصال الأزمة الوطنية فائقة التعقيد؛ لتتجنب مزالق تجارب التغيير التي أحاطت ببعض دول الجوار لحد اندلاع الحروب، وتدخل القوى الإقليمية في شؤونها الداخلية؛ ولا شك أن الخطوة الحاسمة التي تعتبر بداية العبور بالسودان لبر الأمان هي النجاح في وضع معادلة سياسية جديدة غير القائمة، وتحكم الأوضاع منذ خروج المستعمر وحتى اليوم ؛ وللخروج نهائيا من سياق (الترترة السياسية) الماثلة، وبلوغ مرحلة من التعافي الوطني لابد من إعادة النظر في مجمل الأسس التي بنيت عليها المعادلة السياسية الحالية، وذاك لعمري هو الترياق المضاد الذي سيبطل سم النزاعات العنصرية والقبلية التي حقن به النظام الحالي شرايين المجتمع، وأضعف مناعته المكتسبة التي حافظت تاريخيا على تماسك نسيجه الاجتماعي.
(2)
لقد فقدت المعادلة السياسية القائمة توازنها منذ سنوات، وسقطت في امتحان التعبير عن التفاعلات المحتدمة، وغدا تفاعل عناصرها حتى في وجود عوامل مساعدة لا يعطي مخرجات لها القدرة على الحد من تفاقم الأزمة الوطنية، دع عنك إيجاد حلول ناجعة لها؛ وقد قاد سقوطها لخلق فراغ في مخزون الفعل الإستراتيجي الخلاق، أفضى لعقر منهجي، فانحصرت أطروحات القوى السياسية في البدائية، والدوران بلا هدى في فراغ المماحكات لكسب الوقت، ومراوغة الجماهير؛ ليتثنى للقيادات والنخب الانتهازية المرتبطة بها تحصيل مكاسب ذاتية؛ طغت المناورات الساذجة والتكتيك على الاستراتجي، فتكلست مفاصل الدولة بتكلس تنظيماتها السياسية، وفقدت القدرة على التقدم، والتعاطي الايجابي مع سرعة إيقاع العصر.
(3)
وليس هناك من شاهد على اختلال توازن المعادلة السياسية الحالية أبلغ من حال التشرذم والتحلل العضوي الذي أصاب الحزب الاتحادي الديمقراطي، أحد أكبر الأحزاب السودانية، والذي كان يعتبر رمانة ميزان المشهد السياسي السوداني، وظلت القوى السياسية الحريصة على خلق مناخ عمل سياسي معافاة تدفع وتعمل بكل مثابرة على أن يظل (الاتحادي الديمقراطي) حزبا (وسطيا) قويا ومتماسكا في موقفه؛ ليحقق اتزان المعادلة السياسية، ويعطيها القدرة على الثبات وضبط التنافس؛ بيد أن التغول الذي حدث من قبل السجادة الختمية في غياب القيادات التاريخية داخله، أخل بهيكله التنظيمي، وأدى لاحتكار القرار الحزبي بيد زعيم الطائفة وأبنائه، فضاعت المؤسسية، وتحول الحزب من حزب رائد، لمحض تابع يدور في فلك الحزب الحاكم؛ يأمره فيطيع، ويبذل له العطايا، ويمنعها متى وكيف شاء، فقد )حزب الاستقلال) استقلاله، ووقاره السياسي، واستغل النظام الحاكم وزنه التاريخي في تغبيش وعي الجماهير، وخداعها، حتى ملت مواقفه، وانصرفت، وغدا لا يمثل سوى (آل الميرغني)، وبعض النخب المتطلعة لمنافع شخصية.
(4)
لقد بدأت نذر الحاجة لإعادة النظر في المعادلة السياسية القائمة تلوح في الأفق منذ ثلاث عقود، وأسفرت تماما عن ضرورتها الموضوعية، مع انحراف النظام المايوي المقبور عن مسار الدولة المدنية الحديثة، وتبنيه لمسار الدولة الدينية كنظام حكم؛ ورغم أن الزمن لم يسعفه لثبيت أركان النظام الثيوقراطي، وعاجلته الجماهير بانتفاضة شعبية إزالته في ابريل 1985م ؛ إلا أن البذرة (الثيوقراطية) ظلت كامنة ترويها الجبهة القومية الإسلامية، من معين أفكار سيد قطب، وابن تيمية حتى أينعت واستوى عودها، واستأسدت بقوة السلاح منقلبة على النظام الديمقراطي في عام 1989م، ومضت من جديد تحاول بناء دولة دينية في مجتمع متعدد الديانات والأعراق؛ لتصل بالمعادلة السياسية لمرحلة الأزمة، وتبدأ تبعا لهذا مسيرة تحلل الدولة السودانية؛ فينفصل الجنوب، وتشتعل الحروب على طول حزام الهامش، ويشهد السودان أضخم هجرة لمواطنيه نحو المنافي، ودول الاغتراب، تهتك عرض نسيجه الاجتماعي.
(5)
كانت مأساة انفصال جنوب السودان دليلا كافيا على فشل المعادلة السياسية القائمة، وما أنتجته من نظم حكم عاجزة عن إدارة البلاد بطرق رشيدة، فقد تسببت جميع السلطات المتعاقبة في تعميق الأزمات الوطنية، وساعدت مناهجها وبرامجها المعطوبة في ارتكاب الكثير من الأخطاء القاتلة، وقد ارتكبت للأسف بعض من هذه الأخطاء التاريخية بقصد الاستفادة بشكل أو بآخر من الأوضاع المأزومة في تحقيق مكاسب شخصية؛ فعجز المعادلة السياسية، وعدم قدرتها على بلورة رؤية واضحة لكيفية وطبيعة النظام الأجدر بحكم السودان، أدى لإعادة إنتاج نفس النخب الفاشلة في كل مرحلة، حتى وصلت هذه النخب المستهلكة لمرحلة الهرب للأمام من وجه الأزمات، وممارسة هواية المماطلة والتسويف على أمل أن يتكفل الزمن بإيجاد المخارج وخلق الحلول، (فاقد الشيء لا يعطيه)، و(لن يستوي الظل والعود أعوج).
(6)
أما فشل النخب السياسية الأبرز فكان في إنتاجها لمعادلة سياسية كرست بانتهازية فظة لثنائية (المركز) و(الهامش)، باعتماد برامج وسياسات تحابي الأول على الثاني، وإصرارها على إقامة نظم مركزية قابضة، تركز السلطة والثروة في أيدي قلة من السكان، متجاهلة النظام الفيدرالي الضامن لعدالة توزيع السلطة والثروة، وقيام تنمية متوازنة تقلص الفوارق بين الأقاليم، في بلاد شاسعة مترامية الأطراف، غنية بالموارد؛ وقد تجاهلت النخب بغباء أخطر علل النظام المركزي المتمثل في تصادم نهجه مباشرة مع طبيعة المجتمع السوداني متعدد الأعراق، متنوع المعتقدات، والثقافات؛ لذا لم يتوانَ (الهامش) إلا قليلا، وهب يقاوم بالسلاح محاولات طمس هويته، وإعلاء شأن الهوية العروبية، التي استوطنت بسماحة الإسلام، وأصبحت مكونا أصيلا من مكونات الثقافة السودانية.
(7)
كان قيام حركات المعارضة المسلحة، وتمرد حركات التغيير الشبابية على المنظمات، والأحزاب سياسية المعروفة، هو الإعلان العملي الجهير عن موت المعادلة السياسية التي ضبطت الساحة السودانية طوال الفترات السابقة، وقد آن أوان تغيرها، أما الانتقال المفاجئ من مربع الحياد التاريخي الذي كان يميز سياسة السودان الخارجية، وتبني سياسة المحاور جهرا، بعد أن كانت تمارس أحيانا في السر باشتراكه المباشر مؤخرا في (عاصفة الحزم) التي تشنها (السعودية) لأسباب تمس أمنها على (اليمن)، فذاك ليس من شواهد سقوط المعادلة السودانية؛ بل هو أحد أفظع نتائج ذلك السقوط، وتعبير عميق عن تغيير جذري في توجهات السياسة الخارجية تحت الحكم الإسلاموي، يفضح حالة عدم الاتزان، والاستعجال في غياب المعادلة البديلة المنظمة للشأن السوداني داخليا وخارجيا، سيجر على السودان وشعبه الكثير من المتاعب، رغم الفوائد الآنية الطفيفة التي سيجنيها النظام الحاكم.
(8)
من المهم أن تعي النخب السياسية، أن سياسة المحاور التي جُرَِّ إليها السودان لن تجلب سوى المزيد من التعقيدات، التي ستنعكس سلبا على الأوضاع الداخلية المأزومة أصلا؛ خاصة وطبيعة سياسة المحاور العربية ليست قائمة على قناعات محددة، تؤيد موقف هذا المحور، أو ذاك؛ بل هي في حقيقتها انعكاس بائس لحاجات ذاتية، تفرضها الأوضاع السياسية الداخلية في كل دولة؛ ومن هذا المنطلق ففرض معادلة تبعد السودان عن سياسة المحاور المحفوفة بالمخاطر أمر في غاية الأهمية، والنظام الحاكم العجول كان يمكنه حصد مكاسب تساعده على الخروج بشرف من عزلته السياسية، وعجزه المالي، لو تروى قليلا، ومارس سياسة (الصبر الاستراتيجي والحياد الإيجابي) تجاه الأزمة اليمنية، وفي كل الأحوال كانت السعودية ستدفع لتأمين ظهرها المكشوف على البحر الأحمر قبل شن (عاصفة الحزم)؛ والحكومات الرشيدة تفاضل بين الخيارات، وتختار أكثرها نفعا، أو أقلها ضررا على شعوبها، ولا تتلقف الفرص بانتهازية مطلقة كيفما اتفق.
(9)
لكن كيف يمكن صياغة معادلة سياسية وطنية متفق عليها في ظل هذا التنافر المنهجي في المشهد السياسي السوداني؟؟ يعود بنا هذا التساؤل مرة أخرى لضرورة تعطيل الأيدولوجيا مرحليا، والاهتمام ببناء (كتلة تاريخية) حاضنة تضمن صياغة معادلة سياسية جديدة، وتهتدي بهديها عمليا عند وضعها الإستراتيجية الوطنية، ولعل الاتفاق على صياغة مقاربة موحدة للقوى السياسية المعارضة إزاء قضية التغيير المركزية، وهي طبيعته وأدواته هي الخطوة الأولى الأكثر أهمية للخروج من النفق، وحالة التيه المعارض، ومن ثم تمهيد الطريق لحدوث تغيير سلس، ووضع معادلة سياسية وطنية تراعي حقوق جميع قوى التغيير، ولا تستثني إلا غير المشارك فيه، أو المعارض لفكرته من حيث المبدأ.
(10)
إذا المعادلة السياسية الوطنية ضرورة لا يمكن تأجيلها، ريثما يحدث التغيير لأن أمر صياغتها وبلورتها يتم في أثناء الحراك الثوري نفسه، وهي من نتائجه الأولية الطبيعية، وإحدى العوامل الرئيسة المساعدة في عملية التحفيز، ودفع التغيير إلى الأمام، فالقوى السياسية المشاركة في الثورة إن لم تطمئن لضمان مصالحها بعد النصر في ظل معادلة سياسية عادلة، يظل يراودها الشك، مما قد يحدُّ من طاقتها في البذل والتضحية في اللحظات الحرجة، وقد يقودها هذا الشعور في المراحل الفارقة الأكثر حدة وعنفا للنكوص، أو التراجع خضوعا لحسابات الربح والخسارة، الحاكمة لطبيعة الممارسة السياسية، وقد أثبتت التجارب أن المعادلات السياسية الوطنية التي تنضج في مطبخ الأحداث الثورية، ويتم التوافق عليها قبل الانتصار النهائي، هي الأقدر على البقاء، والأجدر بالاحترام، والتجربة السودانية تؤكد أيضا هذا الأمر، فقد وضعت المعادلة السودانية الحالية بعد خروج المستعمر، وكان الأجدر أن تصاغ كمتلازمة، ونتيجة من نتائج النضال من أجل الاستقلال، ولكن الانجرار الأعمى وراء شعار (تحرير لا تعمير) قاد لإهمال انجازها؛ لتواضع لاحقا في ظرف غير ثوري، ينافي طبيعتها كمنتج ثوري أصيل، فأتت بهذا معلولة مشوه ومصابة بكافة أمراض الصراع الأيدلوجي، الذي اندلع مباشرة بين قوى المشهد السياسي بعد الفراغ من هم القضية الوطنية المركزية.
الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.
تيسير حسن إدريس 02/04/2015م