قصة: الاغتيال

سليم مطر جنيف
2015 / 3 / 31

هذه القصة جزء من رواية( تاريخ روحي) الصادرة هذا الاسبوع من بيروت


أخيراً في هذه الليلة الليلاء بدأت بتنفيذ عملية اغتيال رئيس بلادي التي كنت أهيئ لها منذ أشهر طويلة. لعلّي معتوه أو واهم لخوضي مثل هذه المغامرة المتهورة؟ لكني الآن مقتنع بأني إنسان واقعي وعاقل جداً، وَلَدَيَّ كل المبررات لارتكاب مثل هذه الحماقة. أنا بكل بساطة:
شبيه الرئيس!!
اسمي (آدم) ومهنتي الرسمية أن أكون (شبيهاً) لرئيس دولتي. أحل محله في تأدية المهمات التي قد يكون فيها سيدي عرضة للخطر..
لكني الآن أحبو مثل جرذ جريح بين الممرات المظلمة محاولاً قدر الإمكان تحاشي أجهزة الإنذار التي قمت بإبطال مفعول أغلبها. خلال عملي في القصر الجمهوري تمكنت من جمع المعلومات الكفيلة بتسهيل خطتي. توصلت إلى طريقة آمنة لفتح الباب المؤدي إلى الملحق السري لمبيت الرئيس. الملحق نفسه يخلو من الحراس لأن الرئيس يفضل أن يكون وحده تماماً أثناء نومه، فهو ليلاً لا يأتمن حتى حراسه الشخصيين. رغم كل المخاطر، غير أني لا أشعر بالخوف قدر ما أشعر بتأنيب ضمير لاضطراري القيام باغتيال رئيسي وسيدي ومالك نعمتي وروحي.
كيف يسهل عليَّ أن أغتال ذلك الإنسان الذي مهما حقدت عليه فإنه رغماً عني أصبح جزءاً من حياتي. بعد هذه الأعوام من تقمصي لشخصيته تسلل الرئيس كثعبان إلى دواخلي ونفث روحه في دمي حتى استحال هو.. أنا..!
لم أحسب أبداً أني سأنتهي إلى هذا المصير اللعين. الذنب ليس ذنبي، بل الرئيس هو الذي أصر على امتلاك كياني ومسخ حياتي إلى جحيم. ياتُرى هل أتأسف الآن لأني تخليت قبل عشرة أعوام عن درب أبي الورع والسير في ذلك الدرب الشيطاني. لن أنسى يوم قررت الالتحاق بكلية القوة الجوية، لا لأني كنت أرغب بها حقاً، بل من أجل الانتقام من حبيبتي التي أذلتني وتخلَّت عنّي من أجل ضابط عسكري بهرها بنجومه.
أثناء فترة الدراسة الأولى خيّل لي بأن اختياري للطيران لم يكن محض صدفة. شعرت بأنني أحقق رغبة صوفية مندثرة في أعماقي بالصعود إلى السماء والاقتراب من ربي. كنت أحس بمتعة مفعمة بنوع من التعبد الخفي عند التحليق في رحاب الفضاء المطلق بانفتاحه واتساعه. كنت أقوم بطلعاتي بشعور من يمارس طقساً يسموا بروحه في متاهات اللاّمحدود. لكن الحقيقة ظهرت عندما بدأت فعلياً القيام بعمليات القصف ضد متمردي الوطن وضد الجيران. ظللت في البدء متردداً أخشى التحديق في السماء لأنها صارت مرآة تفضح ذلك الجزء الشيطاني المشوه من ذاتي. كان ذلك الهاجس يبدو مثل سرطان ينموا ويكبر ويجتاح كل ماهو حي ونبيل وإلهي في كياني. شرعت بين حين وآخر أطلق صرخات وحشية لكتم كلمات أبي الزاهد وهي تصدح في سموات حربي:
ـ الله يا ولدي هو الذات، ومن لا ذات له لا إله له...
* * *
لكني الآن بعد مضي تلك الأعوام العجاف لم أعد أمتلك في الحياة ما يستحق الوجود. تراني الآن أزحف في متاهات القصر الجمهوري المظلمة. لا أدري مالَهُ قلبي ينبض بحنين منسي إلى أحضان أمي؟ إحساس غريب كأني مقبل على حياة جديدة. منذ أن شرعت بقتل سيدي في كوابيسي وأنا أحس بأنني سأولد من جديد! يجب أن أتجنب أجهزة الإنذار التي تملأ الجدار. دفىء منعش يتسرب من هذا الظلام الدامس الذي لا تتخلله غير شذرات ضوء عيوني القلقة، كصياد في غابة وحوش كاسرة.
لم أفقه حتى الآن كيف أني متيقن في أعماقي بأن سيدي نائم في الملحق هذه الليلة؟ رغم إن الرئيس ليس من عادته أن يخبر حتى حراسه ولا زوجته بمكان نومه. يترك الأمر خاصاً به لآخر لحظة. لديه ما لا يحصى من المخابئ السرية والقصور المحصنة المترامية في أنحاء الوطن.
كم من ليال ونهارات أمضيتها وحيداً متفكراً قبل إقدامي على مغامرتي هذه؟ ظللت لأيام وأيام أجهد لتجنب النوم عسى أن أتخلص من رعب كابوس ظل يراودني بإصرار. كنت أرى نفسي أقوم باغتيال الرئيس خنقاً بحبل غسيل أجلبه من بيتي. بينما عنق الرئيس بين قبضتي وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة أستيقظ فزعاً على مرأى عيني سيدي جاحظتين محتضرتين!
رغم إصراري وقناعتي فأن لي ضميراً منخوراً ينوح مثل كائن جريح. ليس لي أي بديل، ما دامت روحي لم تعد ملكي. قد أسترجعها بموته. رئيس أحمق زائف زيف روحي وأرواح الوطن بأكمله. هو الذي أصر على تدميري.
لم يخطر ببالي خلال حياتي كلها وحتى أثناء سنواتي كطيار، أن أقترب يوماً من الرئيس. السياسة كانت آخر ما يستحق مني الأهتمام. لكنهم اعجبوا ببطولاتي. عمليات القصف الوحشية ضد أعداء الدولة جعلتهم يختاروني لتقلد وسام الشجاعة من قبل الرئيس نفسه. كانت المرة الأولى التي أقابله هكذا مباشرة. وقفت أمامه وهو يعلق الوسام على صدري. انتبهت حينها إلى اللون الأسود الفاحم الذي بدا عليه شعر الرئيس وشاربه وحاجبيه. قلت في نفسي لا بد أن يكون شعره منسوجاً من خيوط الليل. لكن ظني خاب عندما لمحت زغباً خفيفًا كان شيباً لم يستره الصبغ! حدَّق فيَّ الرئيس بنظرة حادة متفحصة والتفت إلى حارسه الخاص وهمس في أذنه. تجنبت النظر إلى عينيه احتراماً ووجلاً. بهرتني كثافة حاجبيه النسريين الجارحين. شعرت بنظرة الرئيس نحوي ليست شريرة بل فيها بعضاً من الإعجاب والتعاطف. ما حسبت أنها كانت تخفي لي مصيراً لم أنتظره ولم أتخيله أبداً!
بعدها بأيام اتصلوا بي من مكتب القصر الجمهوري. ارتعبت لأني لم أتوقع ذلك. طلبوا مني الحضور في موعد محدد من أجل إجراء خاص. عند الموعد وبعد تفتيش دقيق وصارم بالأيدي والآلات وجدت نفسي فجأة أمام الرئيس نفسه، بلحمه ودمه وببزته العسكرية المنقوشة بالنجوم والنياشين والصقور الذهبية!
رحب بي الرئيس وأجلسني قبالته. راح يطالع إضبارة كبيرة ويسألني عن أحوالي وعن ماضيّ وعن عائلتي وعن اهتماماتي وهواياتي ومعارفي، عن كل شيء! فقط أثناء تلك الجلسة بدأت ألاحظ التشابه بين الرئيس وأبي الزاهد. الفرق الوحيد أن أبي كان أنحف وأقصر وفي نظراته حنو وشفقة لم أجد لهما أي أثر في عيني الرئيس. مضت ساعة وأنا أجيب على أسئلته. أترقب بلهفة معرفة غايته من كل هذا. كانت بقعة من شمس متسللة عبر النافذة تسقط على نجوم الرئيس ونياشينه الذهبية فتعكس على وجهي وهجاً نارياً. في تلك اللحظة لاحت في خيالي صورة الشيطان التي كان يرسمها لي أبي وهو يحثني على السير في درب التقوى والإيمان. أطرقت رأسي خشية أن يرى الرئيس أفكاري.
تفاقم قلقي عندما صمت الرئيس واتكأ على كرسيّه وراح يتمعنني بنظرات خارقة باردة. يقيناً أنه كان يتفحص دواخلي وأحشائي ويقلب وريقات دماغي. خاطبني بصوت واطٍ لكنه حارق خارق آمر:
ـ اسمع يا (آدم)، أنا ليس من عادتي أن أمنح ثقتي لأي إنسان. الشخص الذي أمنحه ثقتي يجب أن يكون بمستوى المسؤولية بكل معنى الكلمة.. يعني واجب الوطن يفرض واحد من خيارين لا ثالث بينهما: أما الإخلاص والسير حتى النهاية، وأما التردد والجبن واستحقاق الموت كأي خائن..
توقف عن الحديث وهو يخرج سيكاره. أومأ لي أن أتناول أحدها. طبعاً رفضت بكل أدب وتناولت قداحة موضوعة على الطاولة وأشعلت سيـكار سيدي. أخَذَ نَفَساً وخاطبني بكلمات من دخان:
ـ بالحقيقة، بعد الاطلاع على اضبارتك وصورك وتقارير المخابرات وشهادات المختصين، اقتنعت إنك مؤهل بأن تقوم بالمهمة الوطنية الشريفة التي لا يستحقها إلاّ قلائل من الناس..
لم أفقه كم دام صمت الرئيس وهو ينظرني بعينين صقريتين. كنت غارقاً في مراقبة دخان السيكار المتصاعد الذي يذّكرني بسنوات حربي. العبق الكوبي الفواح بث في بدني خَدَراً لذيذاً. كم رغبت بالنوم. انتبهت لنفسي وصوت سيادته يصدح في رأسي:
ـ أنا قررت يا (آدم) أن تكون شبيهي.. نعم قررت أن أوكل لك مهمة حمايتي وتكون بديلاً عني في الحالات الخاصة. يعني أن تكون.. أنت.. أنا.. فهمت؟ إذا كان عندك سؤال تفضَّل..
لكني بقيت صامتاً. شعرت بالأسئلة مزدحمة وهي تنط ثائرة في رأسي مثل جرذان محصورة في قفص. لهذا فضلت الصمت. من دون علمي خرجت من فمي بضعة كلمات متقطعة تعلمتها في حياتي العسكرية:
ـ أنا بأمرك سيدي...
حينها أشار الرئيس اليَّ بأبتسامة عطوفة أن أخرج. اصطحبني أحد الضباط الى المكتب الخاص الذي سيشرف على كل نشاطاتي.
* * *
لكني الآن في ليلة الاغتيال هذه وأثناء زحفي أشعر بالضيق من حبل الغسيل الملفوف حول بطني. كم أود أن أقطعه وأتحرر منه.. لا أدري بالضبط لمَ إخترته؟ ربما من أجل تحاشي ضجيج السلاح؟ أو بتأثير ذلك الكابوس الذي ظل يراودني منذ أيام؟
لم أفهم ذلك المشهد الذي تكرر في كوابيسي الأخيرة.. كأنه كان جنيناً يختنق بحبل المشيمة! ماذا ستفكر زوجتي عندما تكتشف غداً إختفاء حبل الغسيل؟ لابد أنها...لا أدري ماذا جرى لرأسي؟ هنالك خلل بدأ يشوش خيالاتي.. غريب.. في هذه اللحظات الأخيرة من عمري أكتشفت إني قد نسيت تماماً وجه زوجتي!! ما هذا الذي أراه في رأسي.. إنه وجه آخر.. نعم وجه آخر.. من يا ترى؟!
ها أنا أخيراً أتجاوز نهاية الممرات المظلمة. أجد نفسي في القاعة التي يتخذها عادةً حراس الرئيس مقراً لهم في النهار. رغم انطفاء المصابيح إلاّ أن هنالك ضوء شاحب يتسلل عبر النافذة الصغيرة المطلَّة على باحة القصر الجمهوري.
أزحف حتى النافذة فيبهرني القمر البدري وهو يعلو السماء محاطاً ببحر حليبي تطفو عليه نجمة الصباح بقارب من شذرات فجرية. على الارض المحيطة بالقصر تجول مجاميع الحراس هنا وهناك في الشوارع والمداخل والبوابات العديدة.
رغم تعبي فأني أشعر بنوع من اللذة وأنا أكتشف قدرتي على السخرية من جبروت هؤلاء الحمقى. يالهم من سذج وتافهون.. تراهم قد أعدّوا العدة لمواجهة مختلف الطوارئ من هجوم جيوش حتى قصف طائرات، لكنهم أبداً لم يتوقعوا إن هنالك انسان يحبوا مثل جرذ في الممرات السرية في طريقه لأغتيال رئيسهم.
الآن فقط أشعر براحة ضمير وأنا أردد بأنه (رئيسهم) هم وليس (رئيسي) أنا!! لقد تغيرت منذ أن اكتشفت ذلك السر الذي خيَّب كل آمالي وحطَّ من قيمة سيدي الذي كنت أطلق عليه بكل صدق وفخر (الأب القائد)، والذي كرست له كل حياتي من اجل الحفاظ على حياته. بل شخصيتي بأكملها صارت جزءاً من شخصيته. لن أنسى ذلك اليوم الذي وافقت فيه أن أهجر الى الأبد وظيفتي كطيار، لأصبح شبيهاً لرئيسي وسيدي ومالك حياتي. في البدء أجروا لي عدة عمليات جراحية صغيرة لتعديل بعض ملامحي: تصغير الأنف من الأعلى، وتوسيع الحاجبين، وتكبير الشفة السفلى. ثم طلبوا مني أن أتبع نظاماً غذائياً يزيد بضعة كيلوات من وزني.
بقيت خلال أسابيع أخضع لدروس خاصة من مخرج مسرحي، كان يعرض عليًّ أفلاماً وثائقية تصور الرئيس في مختلف الحركات والاوضاع، لكي أدرسها وأحفظها وأجهد من أجل تقليدها بأدق صورة ممكنة. بعدها رحت أشاهد وأستمع الى خطاباته، ثم أقوم بأعادتها مع نفس الحركات ونفس الألفاظ.
بعد ستة أشهر من الدروس والتمارين قابلت خلالها الرئيس مرات عديدة لكي أدرس عن قرب حركاته وملامحه.
في كل مرة كنت أشاهد فيها رئيسي أسترق النظر الى وجهه فأرى فيه الكثير من ملامح أبي، لكني عندما أتجرأ أحياناً وأطيل النظر للحظات كنت بصورة لا إرادية أرى في عينيه نظرات شيطان طفولتي الذي كان يحذرني أبي من أغوائه. حينها كنت أخفض بصري وألعن في أعماقي تلك الرؤى الخطرة. رغم حراجة الموقف إلاّ أني رغماً عني كنت أفكر بنوعية رائحة الكولونيا التي كانت تفوح من وجه الرئيس، وأسأل نفسي إن كانت زوجته الجديدة هي التي بخرَّته بها قبل خروجه؟
كنت أعرف جيداً إن سلاح سيدي الأول والأكبر هو قراءة عيون الآخرين، وما أن يلمح فيها أي بارقة سوء مهما كانت ساذجة فأن مصير ذلك الشخص أصبح في حكم المنتهي.
طيلة سنوات خدمتي المتفانية كان أشد ما يرهبني فيه تلك القدرة الخارقة على قراءة شخصية أي انسان عبر عيونه. كان الرئيس قادر على إكتشاف الخائن حتى قبل أن يفكر بخيانته.. لهذا فأن مبدأه الأول والمختصر لكل وجوده الشخصي والسياسي:
ـ ليس مؤسفاً أن تقضي على أنسان بريء، بل المؤسف أن لا تجعل منه عبرة لكل من قد يفكر بخيانتك...
الآن في هذه الليلة الأخيرة من عمري وبعد كل هذه الأعوام، ورغم كل الأحداث الجسام التي مرَّت في حياتي، فأن صورة واحدة لا زالت تؤرقني وتأتيني كوابيساً مرعبة في نومي وفي صحوتي: عيون الرئيس ونظراته الحجرية التي تجتمع فيها كل معاناة وشكوك وشهوات وحوش التاريخ لحظة انقضاضها على فريستها!!

* * *
استمر زحفي الآن نحو غرفة الرئيس التي بان بابها في نهاية الممر. أنا أستغرب إحساسي هكذا بالتعب! صحيح إن عمري دخل الاربعينات، إلاّ أن حياتي العسكرية ورياضتي اليومية تمنحني شباباً وقدرة جيدة على التحمل. ألأغرب من هذا، وبينما كنت أحك عنقي، إكتشفت بأنني مترهل وتتخللني اللغود، كأني كبرت بالعمر فجأة!

على بقايا ضوء شاحب ألمح فوق الحائط صورة الرئيس وهو يطل بوجهه اللامع المتورد بالشباب والعنفوان. شعرت بأسف وقرف لأني أعرف جيداً مدى الزيف الذي تحمله هذه الصورة، إنها تمثل سيادته منذ أكثر من عشرين عام! رغم السلطان العجيب الذي يتمتع به وقدرته الهائلة بالتحكم بحيوات جميع الناس، إلاّ أنه ظل عاجزاً تماماً عن مواجهة الحقيقة الأبدية المتمثلة بسلطان الزمان وجبروت العمر.. درب الحياة المحتم. يمكن أن تغتصب كل أموال وثروات البشر لتضيفها الى أملاكك، لكنك أبداً لن تستطيع أن تضيف الى عمرك ساعة واحدة حتى لو اغتصبت حيوات جميع البشر.. في نداءات الفناء تكمن عذابات كل الطغاة على مر التاريخ!

تذكرت إني بعد الدورة اللعينة على يد ذلك المخرج بدأت القيام بمهمتي على أكمل وجه. كان يتوجب عليَّ أن أكثر التغذية لكي أزيد من وزني بضعة كيلوات. فرضوا عليَّ أن أحلق لحيتي وشاربي كل يوم، وأن أضع على عينيَّ نظارات طبية لكي أبعد عن نفسي أي شبه بالرئيس أثناء حياتي العادية. طبعاً لا أحد يعرف بحقيقة عملي إلاّ زوجتي، فأنا بالنسبة للجميع أعمل في أجهزة القصر الجمهوري، لا أكثر.

كنت أمضي الساعات في احدى مكاتب القصر أساهم مع آخرين بترتيب زيارات الرئيس ونشاطاته. وعندما يتقرر أن أحل محله، يقوم المختص بالتجميل بوضع شاربي الأصطناعي الشبيه بشارب الرئيس وينثر على وجهي بعض المكياج الذي يضيف اليه الاعوام العشرين التي يكبرني بها الرئيس، وهي تقريباً نفس الأعوام التي كان يكبرني بها أبي!

كانت مهمتي تشتمل عدة أمور مختلفة: مثلاً، أكون في السيارة الرسمية بينما الرئيس مختفي في إحدى سيارات الحرس. أقوم أحياناً بزيارة خاطفة لأحدى المواقع العسكرية على جبهة الحرب، وكان المطلوب مني إلقاء بعض الجمل المحفوظة مسبقاً، أن أتحاشى الجلوس والحديث المفصَّل مع القادة لكي لا أجلب شكوكهم الى حقيقة شخصيتي، وخصوصاً إن الجميع قد سمعوا عن شبيه الرئيس. كان المطلوب من المصورين في هذه الحالة التقاط صوري من بعيد.

رغم المخاطر التي تعرضت لها والجرائم التي إضطررت أن أشارك بها، ألاّ أنه خلال العامين الأوليين عشت في بحبوحة وأنتشاء وأنا أمارس متعة السلطة والنفوذ على الجميع، عدى الرئيس طبعاً، فهو الوحيد في الوطن كله كان قادراً على تجاوز سلطتي بل إلغائها تماماً وروحي معها إن شاء!

وأشد ما كانت تزعجني تلك الهواجس التي كانت تأتيني على شكل كوابيس أحياناً منذ أن توصلت الى تلك القناعة الجنونية بأني قادر على تصفية الرئيس وإحلال محله من دون أن يعرف أي أحد بذلك!!

كنت أجهد بصورة دائمة من أجل اتقان دوري والحفاظ على قوة أعصابي في أشد الحالات حرجاً. وكنت عند أي تقصير أتعرض لتوبيخ مباشر من سيادته. ثم يأمرني بالبقاء تحت إمرة ذلك المخرج اللعين من أجل تعليمي السيطرة على ذاتي وعدم الانقياد للعواطف "الخنثوية" على حد تعبير سيادته. حينها وعندما كنت أخفض بصري خجلاً أرى حذاء الرئيس يقدح من الغضب!

كنت أقف أمام المرآة لساعات محدقاً بوجهي وعيوني وأنا أردد:
ـ أنا الرئيس أنا الرئيس أنا الرئيس....

بدأت أقرأ جميع كتاباته وخطاباته حتى إني حفظت الكثير منها مثل أي قصيدة. كنت أسهر الليالي بمشاهدة أفلام الفيديو التي تعرض جولاته وخطاباته. بدأت أدرس حركاته بكل تفاصيلها وأقوم بتكرارها مرات ومرات حتى أجد نفسي في الصباح مستلقياً على بلاطات بيتي وزوجتي فوق رأسي توقظني وهي تتسائل عن سر عذابي.

مع الأيام بدأت شخصية الرئيس تتقمصني حتى غطَّت تماماً على شخصيتي. تأتيني ساعات كنت أنسى خلالها ماضيي الشخصي ليحل محله ماضي الرئيس نفسه الذي عرفت بعضهُ من خلال ماسمعت وما قرأت عنه هنا وهناك.
لكن العجائب راحت تتكاثر في الاعوام الاخيرة. كنت أندهش أن تأتيني أحلام فيها أحداث وأماكن وأشخاص ليس لهم أية علاقة بحياتي الشخصية السابقة. وعندما بحثت وجدت إنها كانت جزءاً من ماضي الرئيس! مثلاً أنا لم أرى مدينة الرئيس الأصلية في حياتي كلها، وذات يوم قمت بزيارتها وإذا بي أكتشف إنه سبق وأن عرفت الكثير من معالمها ودروبها من خلال أحلامي! وتصاعدت فيَّ الرغبة حتى إني ذهبت الى القرية التي كان الرئيس قد أمضى طفولته فيها، وإذا بي من دون معونة أتجول في أزقتها وكأني عشت فيها لسنوات وسنوات!!

* * *
الآن فقط، وأنا أزحف في الظلام الدامس، أنتبه الى نفسي إنه طيلة الوقت كنت أرتدي بدلتي العسكرية! بل، يا ألله، تحت ضوء القمر أرى إني أرتدي بدلة الرئيس.. نعم بدلة الرئيس بنجومها ونياشينها وصقورها، التي لا يحق لأي انسان ارتدائها إلاّ في المهمات المحددة وتحت إشراف الجهاز الخاص. ثم كيف تمكنت من الحصول عليها، وما الذي دعاني الى ارتدائها في هذه الليلة بالذات!؟ إني حائر.. ثمة أمور كثيرة غريبة ومبهمة لا أجد لها أي تفسير!
فكرت إنه لا بد أن أكون متوتراً الآن وأعاني من بعض الهذيانات التي أربكت حياتي وسيطرت على سلوكي. حالتي النفسية بدأت تتأزم منذ ذلك اليوم اللعين الذي اكتشفت فيه ذلك السر الذي قلب حياتي رأساً وهدَّم كل البناء الذي شيدته خلال سنوات طويلة من التضحية والاخلاص لرئيسي وسيدي.

في ذلك اليوم الذي فوجئت فيه يقدمون اليَّ رجلاً تصورته الرئيس نفسه، لكنهم قالوا لي إنه شبيه جديد سوف أشاركه مهماته. طلبوا مني الاشراف على تدريبه وتحسين مستواه من اجل مشاركتي في عملي، وخصوصاً بعد ازدياد المخاطر التي راحت تهدد حياة سيادته والحاجة لأكثر من شبيه كي يقوم بتأدية المهمات الكثيرة المطلوبة.

لا أدري كيف أغطي خيبتي وأنا أشاهد ذلك البائس الجديد الذي يحاول أن يشاركني في دور حياتي، ويغتصب مني شخصيتي أنا، روح رئيسي التي أصبحت روحي أنا. والأنكى من هذا إن اللعين كان ممثلاً متخصصاً وداهية بتقليد شخصية الرئيس بأتقان فائق يثير الاعجاب، حتى إنه جعلني أشعر بضعفي وهرمي على دوره.

كان تشابهه مع الرئيس يتجاوز المعقول، ورغم إني أشرفت على تدريبه ولكني كثيراً ما كنت أشتبه به وآخذ له التحية معتقداً إنه الرئيس. كان اللعين يسخر مني ويمارس دوره ويصدر لي بعض الأوامر، ثم بعدها يضحك مني أمام الجميع.
صحيح إنه كان شاباً وديعاً وطيب القلب ويتقن النكتة، إلاّ أنه رغماً عني قد غلبتني غيرته. لم أتمالك السيطرة على فرحي عندما بلغني فجأة خبر اعدامه السريع من دون محاكمة وبأمر حازم من الرئيس. لم أفهم ماهي جريمة هذا الشبيه الأحمق. جميع الذين سألتهم تلكأوا وتهربوا من الموضوع!

إن حادثة اعدام الشبيه الجديد جعلتني أتوغل في متاهات جهنمية لم أكن أحسب لها أي حساب طيلة السنوات السابقة. ذات ليلة تجرأت وفتحت خزانة مدير المكتب الخاص وبحثت في الأضابير السرية الخاصة بنشاطاتهم. من خلال التقارير العديدة تبين لي إن الرئيس بدأ يستخدم الشبيهين به منذ سنوات طويلة، وإن هنالك أربعة قد سبقوني في عملي، والعجيب إنَّ أربعتهم قد تم اعدامهم أو اختفوا من الوجود بحوادث مؤسفة حسب تعبير التقرير، وإن ذلك المسكين كان خامسهم!
كان بالأمكان أن تبدو مثل هذه المعلومات عادية ومتوقعة، لولا إني ما اطلعت أيضاً على ذلك التقرير المدموغ بعبارة (سري وخاص جداً). كان يتحدث عن بضعة محاولات قام بها بعض الشبيهين بالتخطيط لأغتيال الرئيس وإخفاء جثته ليحل محله من دون جلب الانتباه! لم يذكر التقرير كيف تم اكتشاف هذه الخطة! بعده مباشرة يتحدث تقرير آخر عن أخبار سرية تذكر إن هنالك صراعاً صامتاً بين عدة مخابرات عالمية تعمل على استخدام الشبيه من اجل إزاحة الرئيس وفرض رَجُلَهُم الشبيه المطلوب!
إن اطلاعي على هذه الحقائق الخافية كانت بمثابة عاصفة اجتاحت كياني وألهبت غابة روحي. اندلعت نيران شكوك عاتية وأسئلة جامحة تؤدي الى أسئلة وأسئلة تتمحور حول الاستفهام التالي:

من يضمن بأن أي من هؤلاء الشبيهين ما نجح بخطته وتمكن من أن يحل محل الرئيس؟ إذن من المعقول جداً إن الرئيس الحالي ليس هو الرئيس الحقيقي.. بل هو أحد أشباهَهُ ممن تمكن من قتله واحتلال محله من دون علم أحد! بل من المعقول أيضاً ومن الممكن جداً إن الشبيه الذي أزاح الرئيس الأصلي قد تم إزاحته هو أيضاً من قِبَلْ شبيه آخر، وهذا يفسر كثرة إعدامات الشبيهين!!

عند هذا الأستنتاج الجهنمي شعرتُ بأن الأمور قد خرجت عن سيطرتي وتجاوزت حدود المعقول. إذن أنا لست أكثر من شبيه لشبيه لشبيه.. لا أحد يعرف الى أي حد! إنني دمية تحركها دمية تابعة لدمية حتى اللا منتهى؟!
* * *
ها أنا أبلغ أخيراً غرفة سيدي. إني أستغرب، رغم وجود أربعة أبواب متقابلة، إلاّ أني من دون تردد إتجهت الى الباب الثاني الايسر وكلّي يقين إنه باب غرفة الرئيس! أعرف إن المسألة ليست مسألة حدس، بل ثمة يقين عميق في دواخلي وكأني أعرف المكان جيداً وإني دخلت الى غرفته الشخصيه هو.. ياله من هذيان!؟

رغم الصمت المظلم إلاّ أني أسمع وابل مطر يهطل مِدراراً على قلاع روحي، وريح هوجاء تعصف ببوابات قلبي، وثمة رعد رعديد، يا ألله، يهدر جباراً كاسحاً لايرحم أحشائي الجريحة، فترتج بين أضلاعي صرخات خرساء لا تسمعها إلاّ تلك الأرواح الكونية الحائرة مثلي.

إني لم أتخذ قرار الاغتيال هذا إلاّ بعد أن أصبحت على قناعة كاملة بأنه يكفيني ترك شاربي الحقيقي ينمو، حتى أكون قادراً تماماً على خداع الجميع. اكتشفت إن حيّز الحرية الذي تركوه لي لكي أحافظ على شخصيتي الاصلية، ليس حباً بي، بل لكي يمنعوني من التفكير بأي مشروع شرير.. من أجل أن أظل دائماً أحمل علامة خاصة تميزني عن الرئيس. كم ضحكت مع نفسي عندما علمت إن الرئيس قد منح الصلاحيات لحراسه بأن يمسكوه من شاربه عند ظهور أية بادرة تدعوهم للشك بأنه الشبيه!
خلال لحظات سأشرع بتنفيذ الخطوة الأخيرة من خطتي الجهنمية: سأدخل غرفة نوم سيدي ثم أخنقه بحبل الغسيل، وبسرعة أحلق شارب الرئيس وأضع على وجهه بعض المكياج ليبدوا مزيفاً، ثم أضع عليه ثيابه الرسمية وفيها أوراقي وهويتي الشخصية، بينما أضع أنا أوراق وهوية سيدي في جيبي. بعدها أنادي الحراس وأطلب منهم أن يأخذوا جثة هذا الخائن الى عائلته، أي الى عائلتي طبعاً، لكي يدفن في قبره وعلى شاهدته سوف يكتبون إسمي أنا!

لكني الآن لم يكن يهمني أن أنجح حتى النهاية لأحل محل الرئيس. كل الذي يهمني الآن أن أغتاله فقط. منذ اكتشافي لذلك السر الرهيب وأنا أعاني من أحاسيس الخيبة والأحتقار لنفسي لأني هدرت كل هذه السنين في التشبّه برئيس أحمق هو نفسه شبيه لشبيه. الآن قد حلت ساعة الانتقام من هذا الكائن الزائف الأحمق الذي زيَّف حياتي وحياة الوطن بأكمله.

لا زلت أزحف وسط الظلام الدامس وببطئ شديد نحو سرير الرئيس. كنت أتوقف بين حين وآخر من أجل أن أتنصت الى أنفاسه. مع اقترابي الشديد رحت أسمع أنفاس الرئيس تمتزج مع أنفاسي أنا! عند بلوغي حافة السرير امتدت يدي في الظلام ولمست بوجل كتف سيدي. ثم سحبتُ يدي ونهضتُ واقفاً وبهدوء مرتعب فككت الحبل من حول بطني. لم أسأل نفسي عن سر هذا الاصرار غير المعقول باستخدام حبل الغسيل بدلاً من سلاح أسهل مثل السكين أو المسدس الكاتم. فتحت انشوطة الحبل التي كنت قد هيأتها بدقة وجربتها مرات عديدة حول عنقي. إنحنيت على الرئيس وأنا أكتم أنفاسي، وما إن شعرتُ إن يدي اقتربت من رأس سيدي أدخلتُ الانشوطة بسرعة حول رأسه حتى العنق دون أن أترك حتى ولو ثانية واحدة لأية ردة فعل محتملة.. سحبتُ الحبل بكل قواي حتى سقطت به على الارض. خلال زمن لم أدرك كنههه ملأتْ الفضاء حشرجات مختنقة مستنجدة لاهثة متوجعة حتى هجع الجسد وساد الصمت المطبق!!

بسرعة نهضت وأضئتُ المصباح ونظرتُ مباشرة الى السرير.. كانت المفاجأة: نعم هنالك جسد رجل ميت.. جاحظ العينين بملامح ميتة مرتعبة ولسان متدَّلي.. لكنه ياللعجب لم يكن الرئيس بل رجل آخر يشبهه!! كان بلا شارب لأن الشارب المصطنع ساقط الى جنبه. كيف حصل هذا؟ من دون أي تفكير مددتُ يدي نحو شاربي أنا لأقتلعه..!!

هاهي المصيبة قد حلت حينما وجدتُ إني لم أتمكن من أقتلاع شاربي، بل بكل بساطة كان شارباً حقيقياً ثابتاً صلباً متجذراً في وجهي منذ الأبد!!

رحتُ أتلفَتْ الى المرآة المثبتة على باب الدولاب وأنظر الى وجهي:
إنه وجه الرئيس الحقيقي تماماً بلا أي مكياج، فيه نفس تجاعيده، ونفس شاربه، بل نفس العيون الصقرية والحواجب النسرية والشعر الفاحم المصبوغ والزغب الأشيب....!!؟؟

حينها انطلقت من أعمق أعماقي صرخة معتوهة إرتجَّ لها جدار القصر الجمهوري وانتشرت أصدائها عبر سموات الوطن وأنهاره وصحاريه وجباله:

ـ يا إلــهـــــــــــي مــــــــــــــــن أنـــــــــــــــــــــا!!؟؟