الساعات الاخيرة من حياة زعيم

سليم مطر
2015 / 3 / 23

هذه القصة جزءا من الرواية القصصية (تاريـــــخ روحـــــي)التي تصدر قريبا في بيروت.

الساعات الاخيرة من حياة زعيم
سليم مطر ـ جنيف

ذات فجر ليس ببعيد ستستيقظ على فراشك في القصر الجمهوري، ولا تزال طرية في رأسك بقايا كوابيس عبثت في روحك طيلة الليل. كعادتك من دون تفكير ستمتد يديك وتضغط الزر كي يأتيك حارسك. ستفكر بترددك أمس أن تمضي الليلة هنا، أم في أحد قصورك أو مخابئك الأكثر أماناً. ستبقى مستلقياً بين الاغفائة والصحو محاولاً استعادة بعضاً من مشاهد كوابيسك. كانت كلها مشوشة ومتقطعة وغامضة، وستحس بانقباض ثقيل يهيمن على روحك، فلا زالت حية في أعماقك أصداء استغاثات احتضاراتك وتوهجات عيون ضباع وغربان تنهش بعالمك.

عندما ستنساب عيناك نحو السقف بلونه الوردي، ستشاهد أحداث كوابيس ليلتك: صحراء تمتد بلا منتهى، مزروعة بقبور تجول في أنحائها ضباع مسعورة تنهش بأشياء غامضة، وفي سمائها المكفهرة بغبار الوطن الاحمر تحوم غربان سود فوق طوفان جبار. وهناك في البعيد، تشاهد ايها الزعيم أمك منتصبة بين القبور بقامتها الشامخة وملامحها الصارمة ونظراتها المهيمنة وهي تمد كفيها نحوك وتناديك بصوت آمر حنون:

ـ تعال يا ابني تعال.. أنا أمك.. تعال عيني تعال.. هنا بصدري وبين أحضاني أخبيك من الضباع والغربان وأحميك من الطوفان.. تعال يا وليدي تعال..

حينها وأنت في سرير كابوسك سترتجف على غير عادتك وتغمض عينيك هرباً من رؤى ليلتك، بينما يضج رأسك بأنشودة كونية باكية من عويل ضباع ونعيق غربان ونحيبك أنت صارخاً في البرية مناجياً أمك الشامخة بين القبور:
ـ يمى.. يمى.. أنا جاي.. يمى خذيني أنا جاي...

ستنتبه إلى أن الحارس لم يأتك بعد، فتضغط الزر مرة ثانية وثالثة بغضب. هذه المرة الأولى التي يتجرأ فيها على التأخر!

ستتذكر أنك عطشان فتفكر بأن تطلب كأس حليبك الصباحي المعتاد الساخن والمحلى بالعسل. ستشرع بالتمطق بلسانك متخيلاً طعم الحليب فتنبثق صورة أمك وهي تعاتبك على أمر غامض لا تتذكره. حينها سيعود من جديد كابوس الطوفان الكاسح والضباع التي كانت تطاردك فتحس بالقرف. تضغط الزر وتصرخ منادياً أتباعك:

ـ اين انتم.. لا أحد.. لا أحد؟!

ستسقط رأسك على المخدة بينما يدك مستمرة على الزر. هذه المرة الأولى في حياتك تحس بهذا القدر الهائل من الكآبة والانقباض؛ فتفكر بأنك ربما مريض، وستستعيد بعض أحداث يوم أمس التي قد تكون ساهمت بتعكير مزاجك، عندما استلقيت على فراشك في حوالي الحادية عشر مساءً، تذكرت قائمة المحكومين بالإعدام، فناديت على حارسك أن يجلبها لك، ثم عاينتها مرة أخرى وترددت إزاء اسم ضابط شاب أصله من نفس قريتك. تذكرت أمه التي كتبت لك طلب استرحام وذكرتك بأنها الطفلة الوديعة التي كانت تلعب معك أيام الطفولة. رغم ذلك فإنك وقعت على كل الأسماء وألقيتها إلى حارسك ثم تصفحت الجريدة وغفوت.

لكن حارسك ما زال غائباً، حينها ستستغرب الأمر وتتصاعد فيك مشاعر شك غريب، فتتناول مسدسك وتقفز من سريرك، بدشداشتك البيضاء التي احتفظت بعادة النوم بها منذ طفولتك. ستتجه نحو الباب وأنت تصرخ على الحراس فلا من مجيب.. لا أحد.. لا أحد! في الحمامات وفي الممرات وفي القاعة الكبيرة.. لا أحد.. لا أحد! تفتح النافذة المطلَّة على باحة القصر.. لا أحد! ستبدو أشجار الحديقة وعشبها متيبسة ومصطبغة بحمرة الفجر المتوهج عند ضفاف نهر دجلة. لا أحد غير كلاب تسرح هنا وهناك.. ستستغرب من المشهد: الكلاب الكلاب ماذا تفعل!؟ عندما تتمعن جيداً ستكتشف هول الكارثة: إنها ليست كلاباً بل ضباعاً. نعم، ضباع! حينها، ستجتاحك رجفة كالصاعقة وتسري قشعريرة حمى في روحك، مدركاً تلك الحقيقة المرعبة: إن كابوسك لم يكن حلماً، بل ها هو يتجلى أمامك واقعاً أجردَ لا يرحم، عليك أن تعيشه حتى نهايتك المحتمة!
ستزفر بقوة وتصرخ:

ـ وينكم يا جماعة.. لا أحد.. لا أحد؟!

لا أحد.. لا أحد سيجيبك يا زعيم.. صرختك ستتردد في أرجاء الفضاء ليعود صداها ممتزجاً بعويل ضباع ونعيق غربان. من دون تفكير سترتمي على الهاتف وتبدأ الأتصال بأتباعك، فلا من مجيب.. ترن الهواتف فتصدح في أذنك معتمة خانقة. حينها ستفكر بزوجتك وأبنائك، فتتصل بجميع هواتفهم، فلا من مجيب. وعندما تغمض عينيك ستشاهد داخل رأسك خاوياً يصدح بنواحٍ موحش يذَّكرك بندابات الوطن؛ فترمي الهاتف وتقفز نحو السلم لكي تهبط، لكنك ستتردد كثيراً. ستركض مرتعباً في ممرات القصر وأنت تصرخ:

ـ لا أحد.. لا أحد؟

فلا تسمع غير صدى استغاثاتك.
* * *
بعد زمن من الدوران في متاهات قصرك الجمهوري سوف تتعب وتجد نفسك فحطاناً مجهداً على حافة إحدى النوافذ. ستشاهد تحتك نهر دجلة تفيض مياهه حمراء فوارة. سوف تكتم أنفاسك وأنت ترى بغداد تمتد على مدى البصر والدخان يتصاعد من بقاياها الغريقة. لا شيء غير الطوفان وحشود ضباع وغربان تحوم منذرة بالكارثة.

حينها ستلمح سيارة (بيك آب) واقفة تحت الشرفة. ستتناول إحدى الرشاشات المهجورة وتهبط بسرعة. عند الباب المطّل على الخارج سترتمي عليك الضباع، لكنك ستفتح رشاشك عليها من دون أن تنتبه أنها لم تكن تبتغي مهاجمتك، بل الالتفاف حولك مثل الكلاب حول سيدها. ستطلق رصاصك نحو الأرض والسماء، وأنت تصرخ وتهاوش، وتقفز نحو السيارة وتقفل الباب عليك، وتنطلق بها بسرعة عاصفة، ساحقاً في طريقك ضباعاً وغرباناً صَدَمَتْ الزجاجة الأمامية ولطَّختها بالدماء.
لا تدري أين تتجه.. لا تفكر إلاّ بالابتعاد عن مياه الطوفان الزاحفة التي تغمر كل الطرق. ستندهش وأنت تشاهد من بعيد نصب الجندي المجهول قد اختفت منه قبته الخضراء المشطورة، ومقر القيادة العليا يتعالى منه الدخان. ستفكر أن تتجه شمالاً إلى مدينتك، لكن الطوفان القادم من الشمال يغلق الطرق والجسور. تجد نفسك تتجه نحو الجنوب وتسلك طريق المطار الدولي. لا أحد.. في كل مكان لا أحد غير الضباع والغربان والطوفان المتصاعد. يا ألله.. كم سيبدو لك آنذاك الوطن كئيباً موحشاً بلا إنسان. لكنك أيضاً ستعترف في تلك اللحظة برغبة دفينة ما ظننت من قبل أنها ستظهر يوماً هكذا ساطعة صريحة: هذا هو الوطن الذي كنت تريده منذ أن وطأت روحك أرضه. نعم، أرض قاحلة بلا حياة أو بشر إلاّ من عويل ونعيق وخواء، وطن من موت! لولا ارتباكك لما ترددت حينها أن تطلق صرخة انتشاء راحت تصول في أعماقك.

ولن تعير أي اهتمام لبقع الدم المنتثرة داخل السيارة والقيود المرمية إلى جانبك؛ لأنك تعرف بأنها تابعة لإحدى مجموعاتك الخاصة. ستشعر بتفاقم انقباضك وتشاؤمك.. حينها ستتذكر فكرة لعينة سبق لك أن قرأتها في صحيفة ولم تهتم لها حينئذ: إن الموت لا يفاجئ الإنسان أبداً، بل نحن نستعد له ونرغب به قبل أشهر من حدوثه! لا تدري لماذا عادت إليك فجأة هذه الفكرة؟ ستستعيد هواجس الموت التي راحت منذ أشهر تنمو في روحك مثل نبتة أخطبوطية تمد فروعها بين شرايينك، ستستعيد كل علاقتك التاريخية مع الموت، ستتذكر ذلك الطبيب النفسي الذي استشرته منذ فترة عن سر الكآبة التي راحت تنمو بطيئة في أعماقك. بعد جلسات عديدة، انْخَدَعَ بكلامك وإصرارك على معرفة السبب، فَصَرَّحَ لك بالحقيقة التي تحاشيت سماعها طيلة حياتك:
ـ أنت يا سيدي تعاني من هوس الرعب، ليس من الموت، بل من الحياة. أنت تدرك في أعماقك وقبل ولادتك أنك طفل غير مرغوب به.. الله زرعك في بطن أمك من دون مشيئتها. جئت الحياة رغماً عنها، وبقيت أنت دوماً رمز عشقها الخائب وحبيبها الغائب؛ ولهذا يا سيدي عليك أن تتصالح مع الحياة، إن سر كآبتك أنك بدأت تدرك أن أوان التصالح قد فات و...

وقبل أن يكمل كلامه صمت عندما رأى نظراتك قد استحالت إلى حجر. بقيت أنت صامت ولم تجبه، بل أشرت له برأسك أن يغادر، لكنه كما تعرف غادر ولم يعد إلى بيته أبداً، بل ما زال هناك يرقد في بقعة مهجورة من أرض الوطن المنثورة بقبور ضحاياك.

ما لم يدركه ذلك الطبيب الساذج أنه كشف لك نصف الحقيقة؛ لأن النصف المتبقي هو الذي تسبب بإعدامه: إنك يا زعيم، بخلاف الأطفال غير المرغوب بهم، لم تنمُ فيك مشاعر الذنب باعتبارك ضيفًا طارئاً على الحياة، بل على العكس، فأنت نجحت بتحميل الآخرين خطيئة وجودك الطارئ، واستحالت مشاعر الذنب فيك إلى حقد مسعور ضد الحياة بأكملها. تمكنت أن تجعل الحياة هي الطارئة على الوجود وأنت هنا ماحق الأرواح وصانع الدمار؛ لأنك تعيش الموت في داخلك، والإنسان الحي بالنسبة لك هو الإنسان الميت. هذا بالضبط المعنى الأصيل لقولك الشهير:

ـ إذا أرادوا يوماً أن يأخذوا الوطن؛ فإنهم سيجدوه أرضاً بلا بشر....

أنت يا زعيم تحلم بأرض بلا حياة، بوطن بلا إنسان!

* * *
كم سترغب وأنت في الطريق إلى بابل، أن تدخن سيجارك الكوبي الذي ظل صديقك الوفي كاسترو يبعثه لك دائماً. لكنك عندما تفتش في ثنايا السيارة ستجد علبة سجائر أجنبية وبضعة أشرطة أغاني وقنينة عرق . سوف تدخن وتحتسي (العرق) وأنت تستمع إلى الأغاني الشعبية الحزينة وسيارة البيك آب منطلقة بك في أقصى سرعتها.

رغم الكآبة المهيمنة على نفسك؛ فإنك لن تشعر بالحزن، بل بنوع من الرغبة الجيّاشة لبلوغ غاية كنت تنتظرها منذ زمن بعيد. رغم محاولتك أن تتساءل عن مصير عائلتك وأبنائك وأتباعك إلاّ أن صورة أمك ستظل هي المهيمنة على شاشة رؤاك. ستنساب منك، ولأول مرة، دموع حارة صادقة وأنت تستعيد طفولتك القاسية اليتيمة.

كانوا يسخرون منك ومن أبيك الغائب ومن أمك البعيدة. لكن أمك علَّمتكَ كيف تسكت تلك الألسن الوقحة والأفواه المهذارة. علَّمتكَ أول درس بالتعامل الحاسم مع البشر. حينما أتيتها باكياً وأنت صغير؛ لأن أحد أصحابك عَيَرَّكَ بأبيك وبيتمك. صرخت بك أمك أن تسكت وتنتظر. بعد قليل نادتك إلى الحجرة فوجدت ابن الجيران عارياً يبكي وهو مكبل بالحبل. أعطتك أمك شيشاً محمياً وطلبت منك أن تحرقه من خلفه. وبعد تردد حرقته وأنت تشعر بلذة لم تفارقك حتى الآن. منذ ذلك اليوم ارتبط تعذيب الآخرين لديك بلذة الأمومة وحنانها!

عبر نافذة السيارة ستشاهد الضباع ما زالت منتشرة في أنحاء الوطن. ستراها مستمرة تحدق فيك بألفة وخنوع مثل الكلاب، لكن ذلك لن يمنعك من الاستمرار بسحقها بسيارتك، وأنت تدمدم بشتائم غاضبة مصحوبة بذكريات انبثقت من أعماق طفولتك البعيدة. ستتذكر جيداً ذلك الفجر عندما كنت في الطريق الذي يربط بين قريتكم والمدينة. مسافة ساعات من المسير كنت تقطعها يومياً من أجل المدرسة. كنت تخطو في طريق المدرسة وحيداً حزيناً، تفكر بأبيك المفقود وأمك الغائبة وخالك القاسي الذي ما زالت آثار صفعاته على وجهك وكلماته الجارحة الشاكية من أمك التي كان يقول عنها: "أختي المصيبة". كنت تشعر بشتائمه ضد والديك تحفر في قلبك الطفولي جراحاً أقسى بكثير من صفعاته الحامية.

فجأة وجدت نفسك وحيداً بين الضباع. أحاطتك وأنت لا تملك غير (العصا) وسكين سرقتها من الجيران. ضربت هنا وهناك وقاومت ببسالة. انتثرت كتبك ودفاترك. صَرَعْتَ ثلاثة منها وأنت تهاوش وتناوش بمگوارك وسكينتك وتعض بأسنانك. لكن الضباع كانت كثيرة.. نعم، كثيرة، وأنت وحيد يا زعيم، بلا أم ولا أب، ولا حتى إنسان يحميك ويحنو على طفولتك المنبوذة المعذبة.. لا أحد.. أنت وحيد بين ضباع غدّارة تكالبت عليك وراحت تنهش بلحمك، وأنت تصرخ وتصرخ حتى فقدت تماماً إحساسك بأوجاع لحمك المنهوش. لم يبق لك غير أن تفقد كل أمل بالمقاومة وتسلّم مصيرك إلى القدر المحتوم فتتكورعلى نفسك حاشراً رأسك بين أحضانك.

لكنك في اللحظة الأخيرة التي كنت فيها تفقد تماماً كل قواك، وأنت تحس بأحد الضباع يحاول أن يبعد بفكَهُ يدك لينهش وجهك، شممت رائحة العفن والموت من لعابه الذي بللك. فجأة ومن دون أي سبب واضح تذَّكرت أمك.. نعم، تذَّكرت أمك وتذَّكرت معها الحقيقة التي سوف تقلب كل حياتك: إنك أبداً لن تأسف على نَفْسكَ أن تلتهمها الضباع، لكنك تأسف كل الأسف أن تموت من دون أن تضع رأسك في أحضان أمك. فقط أن تضع رأسك على صدرها وتتغطى بفوطتها وتشم رائحة شعرها الحني، بعدها سوف لن يهمك أبداً أن تنهش بدنك كل آفات الكون. فقط عندما تذَّكرت أمك في تلك اللحظة بدأت تحّس لأول مرة بأوجاع أنياب الضباع. من دون أن تدري كيف سرى فيك نبض الحياة ومن أين أتاك ذلك الجبروت؛ لكي تنهض وتنتفض وتطلق صرخة وحشية متفجرة من أعمق أعماقك، ومفعمة بكل مكنون كيانك:

ـ يمى.. يمى تعاليلي.. يمى خلصيني..

كانت صرختك من العنف بحيث إن الضباع نفسها لم تعرف مثيلها أبداً حتى تجاوز تأثيرها حدود المتوقع، فما كان منها إلاّ أن تبتعد عنك قليلاً فقليلاً وهي ترمقك بنظرات غريبة ليس فيها أي أثر للنهم والافتراس، بل فيها الكثير من التودد والخنوع. حتى الآن لم تجد التفسير المعقول للأمر. هكذا حدث لك، ذلك أنت الفتى المنهوش الثياب والبدن والروح، المعَّفر بالدم والتراب وبقايا الضباع. لم تكن تشعر بأوجاعك، بل كان يغمرك إحساس لذيذ بأنك خرجت تواً إلى الحياة؛ إن ولادتك الحقيقية قد بدأت الآن بين أنياب الموت وغدر الحياة.

منذ ذلك اليوم لم تشعر أبداً بالخوف وأنت تسلك طريقك وحيداً؛ لأنك تيقنت في أعماقك أن الضباع صارت تهابك، وأنك لن تهابها أبداً في حياتك. صارت عندما تراك تلهث وتحوم حولك مثل الكلاب، وأنت تعاملها بكل احتقار. منذ لحظة نجاتك أدركت أنك امتلكت تلك القوة الروحية التي تؤهلك للسيطرة على كل الضباع، بل حتى على الرجال الذين يشبهون الضباع.
* * *
هكذا كما ترى يا زعيم أن القسوة لا تخلق إلاّ القسوة مثلما الموت لا يخلق إلا الموت، فمنذ أن نجوت من تلك النهاية المحققة عرفت أن ملاك الموت قد عقد اتفاقه الأسطوري معك: عليك أن تقدم له القرابين لكي يؤجل حتفك، تقدم له الأضاحي كل يوم كي يتركك حياً. لقد أصْبَحَتْ متعتك الكبرى أن تنتقم من الحياة. أن تستمد حياتك من موت الآخرين وقيمتك من عذاباتهم. وعندما كان يشتد بك الحنين إلى أمك، وتزيد الحياة من قسوتها عليك، كنت تلجأ إلى الحيوانات. وجدت عزاءك في تعذيب القطط والكلاب. تلاحقها وتضربها وتنصب الشباك لاصطيادها، ثم بالفأس تكسر أقدامها وترجمها وتسحلها وتحرقها، وبعد أن تتعب منها كنت تلقيها في المستنقعات، وتمضي الساعات بمشاهدة عذابات غرقها واحتضارها. بعدها تحس بالراحة والأمان. بعض الأحيان كنت تأخذ تلك القطط والكلاب الجريحة وتلقيها إلى ضباعك التي تسرع إلى نهشها بدون رحمة.

حتى في الأيام التي كنت تمضيها قريباً من أمك في بيتها، كنت تعاني من ويلات العذاب وأنت تراها مع رجل آخر غير أبيك الغائب، وتجبرك على رعاية أولئك الأولاد الذين كانت تقول لك إنهم إخوتك.. لكن يا إلهي إن أباهم ليس أباك! لم تنسَ ذلك الحادث عندما كنت مع أخيك الأصغر على شاطئ النهر. كم أحسست بلذة وأنت ترقبه وهو مشرف على الموت غرقاً. بقيت جامداً في مكانك قابضاً على الطين تصنع منه كائنات ثم تقطعها وتسحقها، لولا ظهور أمك المفاجئ لتركته يغرق. عندما رأيتها اصطنعت الارتباك ورميت نفسك إلى النهر وأنقذته. لكن أمك أدركت الحقيقة، ومن دون أن تعاتبك قررت أن تبعدك عن إخوتك؛ فأرسلتك عند خالك في العاصمة.

لكن الحياة في العاصمة جعلتك تدرك أن الضباع يمكن أن ترتدي جلود بشر. لم تستقبلك هذه المدينة بأحضانها ومباهجها كما كنت تنتظر، بل رفضتك بكل قسوة وأطلقت عليك أحكامها الجائرة وأنت الريفي اليتيم؛ كان الأولاد يسخرون من شكلك ومن لهجتك ومن ثيابك، بل حتى اسمك جعلوك تكرهه، وكم رغبت بشدة أن تغيره. لكنك بفضل أمك أدركت أنه يناسبك تماماً. قالت لك بثقة:

ـ يا ابني هو (اسم على مسمى)

حتى أقنعتك أنك حقاً الفتى الصادم والضارب والماحق للحياة. في العصمة أدركت أنه ليس هنالك ضباع تنتظرك في الطرق، بل هنالك بشر أشد فتكاً وغدراً من الضباع ينتشرون في كل الطرق وزوايا الحياة. فعرفت أنك لكي تظل حياً فعليك تدجينها مثلما دجنت ضباع طفولتك... أن تحولها إلى كلاب ذليلة مطيعة؛ ولهذا فإنك حافظت على حمل السكين، بل رحت تحمل معها أيضاً مقبضاً حديدياً مسنناً، مزقت به عشرات الوجوه، ونشرت الرعب في المدرسة وفي المنطقة؛ حتى راح يهابك الجميع، صغاراً وكباراً، بما فيهم المدرسون أنفسهم. أحطت نفسك بمجموعة من الأتباع الضباع تمارس عليهم سطوتك وجبروتك لينهشوا بلا رحمة من تشاء.

ما إن قويَ عودك حتى طلبت من خالك مسدساً وأبديت له استعدادك أن تقتل أحد أعدائه من الشيوعيين وهو من أبناء عمومتكم. عندما أفرغت رصاصاتك في جسمه وسقط أمام بيتهم وبدأت زوجته بالصراخ والنحيب، أحسست حينها يا زعيم بلذة غريبة، وفي نفس اليوم وأنت مختبئ في أحد بساتين دجلة اكتشفت لأول مرة نشوة رجولتك وأنت تستعيد مشهد نزيف الضحية ونحيب الزوجة!
* * *
وأنت في السيارة تشق الطريق إلى البوادي البعيدة عن الطوفان، ستتأفف من كل تلك الذكريات يا زعيم. لم تكن تهتم في طريقك لمعاينة المدن والقرى المتناثرة؛ فهي تشبه بعضها بعضاً مهجورة بائسة كئيبة تسرح بطرقها الضباع وتعلو سماءها الغربان والدخان. لكن فجأة سيسودك شعور كأنك بلغت مرامك، وأنت تجد نفسك أمام مقبرة الوطن. ستشعر كأنه سبق لك معرفتها، رغم أنها المرة الأولى التي تراها في حياتك. وقبل أن تبتعد كثيراً في السؤال ستدرك أنها مقبرة كابوسك!
ستهبط من السيارة فتحيطك الضباع كعادتها القديمة تحوم حولك كالكلاب، كما في كابوسك ستبدو القبور على مد البصر، كأن البشرية كلها مدفونة في النجف. كم من القبور أنت المسؤول عنها: ملايين قضوا نحبهم بالاغتيال وبالإعدام والتعذيب، بالإضافة إلى الحروب والمجاعات...

قبور فوق قبور وقبور تؤدي إلى قبور وقبور تحاذي قبوراً.

فجأة ستنتبه إلى أن الطوفان راح يقترب ويغمر القبور بأمواجه العملاقة وهي تأتيك فاتحة أشداقها كوحوش كاسرة تلتهم الضباع وتطاردك أنت أيضاً. سوف تركض واثباً بين القبور وهي تنخسف بك واحداً بعد الآخر، وأنت في حيرتك ستشاهد من بعيد، كما في الكابوس، أمك شامخة بين القبور وهي تناديك لتأويك بين أحضانها. فتركض وتركض والضباع تحوم حولك مرتعبة لاهثة، فتسقط وتتعثر بالقبور المنخسفة والمياه ستبدأ تغمر الطريق إلى أمك، لكنك ستقاوم وتقاوم وأنت تصرخ طالباً منها العون، ستزحف وتزحف حتى تبلغ أمك التي ستأخذك بين أحضانها الحارة المعتمة وتأويك معها في أعماق حفرتها. آنذاك فقط يا زعيم ستنتابك مشاعر بالأمان لم تعرفها أبداً في كل حياتك.

بينما أحضان أمك تبتلعك والطوفان يغمرك فلن تنتبه في تلك اللحظة إلى زهور شقائق النعمان في كل مكان راحت تشق القبور وتطفو على سطح الطوفان؛ فتمتزج حمرتها بشعاع الصبح المتصاعد لتضفي على الوجود ألواناً قزحيةً مثل ألوان الحياة.