أنا وآخري

سليم مطر
2015 / 3 / 17

هذه القصة جزء من رواية(تاريخ روحي) القصصية التي ستصدر قريبا من بيروت

يوغسلافيا 1997
أجواء الحرب مخيمة في شرق أوربا وبالذات في يوغسلافيا حيث حرائق التمردات الانفصالية تنشر دخانها في النفوس والفضاء. في محطة (ميلانو- شمال ايطاليا) أهبط بسرعة من القطار القادم من (جنيف) لاحقاً بالقطار الراحل الى يوغسلافيا، قبل لحظات من غلق أبوابه. في أقرب مقصورة أحشر حقيبتي فوق رف وأنا فحطان أنفخ من تعب وحر. أفتح نافذة وأترك ريح تداعب بدني وتعبث بروحي.

ها أنا أخيراً أبدأ بحثي الغريب عن ذلك الآخر الذي ما يكف عن مضايقتي منذ أشهر. في عز خراب يستفحل في بلادي بسبب حصار وحشي وقصف أمريكي دائم وقمع داخلي لا يرحم، يشرع بأجتياحي كل ليلة كابوس غريب يستصرخ فيَّ عبر الهاتف بصوت يشبه صوتي يدَّعي بأنه (آخري) ويحثني أن أنقذه من موت محَّتم في متاهات اوربا المثلجة.

القطار يسير محاذاة بحيرة بمياه فضية تقدح بألوان قزحية تنعكس فيها توهجات شمس وزرقة سماء وخضرة جبال. أغلق النافذة وارتمي على مقعد وأتأمل لأول مرة ما حولي: على يساري في طرف من المقعد أرى فتاة شقراء مغمورة بشعاع شمس متسرب عبر النوافذ. كل شيء فيها يبدو أبيض يسطع بوهج ذهبي، كأنها واحدة من تلك الجبال الثلجية التي تحيط بنا : ثيابها، بشرتها، نظارتها، كتاب مفتوح بين كفيها، بل شعرها المتماوج مع الريح يبدو كنهيرات تنساب تحت شمس.
أخلع سترتي وأمسح بقايا عرق عن وجهي. أفتش في ذهني عن أية حجة لطيفة لفتح حديث معها:

ـ أيزعجك أن أفتح النافذة؟ أعتقد أنك تحبين الشمس؟ أنا أيضاً أحب الشمس لكن مشكلتي أني لا أتحمل سخونتها وأتعرق كثيراً رغم ان بلدي الأصلي معروف بقسوة حرارته، لذا أنا أكره حر الشمس وأعشق نورها.. أنا أسمي (آدم)، وأنت؟
لكني في اللحظة التي أفتح فيها فمي لأكلِّمها، يلجمني صمت. وتجفل روحي وتتجمد أصوات حنجرتي وتتصاعد نبضات قلبي ويشرع الدم بطيئاً بطيئاً يتصاعد حاراً هائجاً إلى رأسي. تجحظ عيناي وأنا أحدق أمامي بجثة ذلك الرجل الموشح بالسواد!
كيف فاتني أن أراه.. لم أنتبه لوجوده إذ شغلني البياض المتوهج لتلك المرأة عن رؤية جثته السوداء. هل من المعقول أن يكون هو (الآخر) ؟!

إنه أمامي فوق المقعد المقابل مستلقياً على جانبه ويغط بنوم قلق. لا أعتقد بأني أتوهم به. من خلال هيكله وملامح وجهه، أجزم بأنه هو.. نعم هو، وكل تلك الأعوام الطوال التي مرت لم تغير منه إلاّ القليل. منذ أزمان وأزمان وأنا انتظرك يا أخي..
تجتاحني كآبة عنكبوتية تقبض على روحي وتجعلني أفقد قدرة الحركة. أضع كفي على وجهي وأغمض عيني محاولاً حماية رأسي من طوفان ذكريات تأتي جيّاشة من أعماق ماضيَّ. لا أقاوم. أفتح عيني وأحدَّق به بلهفة، وأنا أهمس بصوت مكتوم:
ـ ها أنت هنا أمامي أخيراً!

التَفَتُ إلى المرأة وكأني أستجير بها لتجيب على سيل أسئلة تتدفق، لكني أراها مستغرقة بكتابها الذي أفشل بمعرفة عنوانه. غلافه جلدي أبيض بلا كلمة واحدة. بينما أصابعها تدق عليه بإيقاعات خفيفة تشبه أنغام شرقية مألوفة.
أتركها وأعود إلى آخري. إنه أمامي بوجه أليف يسبح بألوان متسربة عبر النافذة : حقول وغابات خضراء صفراء حمراء مع زرقة سماء وبحيرة فضية وشعاع شمس ذهبية.. كلها تتراقص على قامته السوداء كقوس قزح في سماء ليلية. أرى وجهه يستحيل بالتدريج إلى شاشة تعرض فلماً ملوناً من ذكريات ومشاهد متقطعة لا أعرف متى وكيف عشتها، لكنها هنا في ذاكرتي منذ الابد..

* * *
رغم قراري بالتناسي والانقطاع عن ماضيّ، إلاّ أني خلال جميع الأعوام السابقة بقيت رغماً عني أحاول أن أتقصى أخبارك والعثور على عنوانك. أحدهم قال لي إنه شاهدك في بغداد عسكرياً قادماً من جبهة حرب مع إيران. وفي التسعينات بدا لي أني شاهدتك في صورة صحفية مع الأسرى العراقيين في مخيم الرفحا في صحراء السعودية. لكن هنالك من قال بأنك تعيش في شمال أوربا.

تنوعت أخبار الناس عن المناطق التي شاهدوك فيها: أمريكا أستراليا كندا إفريقيا، بل إن أحد رفاقنا القدامى كان متيقناً بأنه شاهدك في التلفزيون بين مجموعة اللاجئين العراقيين الذين تم العثور عليهم في قارب مطاطي تائهين وسط المحيط الهندي بحثاً عن أرض تقبل أن تأويهم.

لو تعرف كم أفكر بك.. كم أشتاق لرؤياك ومعرفة أخبارك والاعتذار لك عن خطايا اقترفتها ضدك رغم إني لا أعرف ماهي.. آه لو تدري كم أنا بحاجة إليك. لا أدري كيف أشرح لك.. لا أدري كيف. كم أود الآن أن أيقظك.. أقبّلك.. أسألك وأفتح قلبي لشكواك.. أعلن لك صداقتي الأبدية.. و.. و..
لكني أروح غارقاً في إغفاءة، من تعب وحزن وخيبة..

أجد نفسي وسط بساتين نخل وبرتقال وحقول قمح تطل على نهر دجلة بمياه مخضبة بأطيان حمراء. أراك مستلقياً على عشب شاطئ وعيونك السود تسطع بزرقة سماء. قوارب محمّلة بناس تنحدر قوافلاً على طول النهر. أرى امرأة متوهجة ببياض تقترب منّا وتسقينا حليباً حلواً بارداً في طاسات نحاسية. تمنح لكل منا تفاحة خضراء صفراء حمراء. عبر التفاحة التي على كفّي أراك والمرأة تقضمان تفاحتكما سوية. تنهضان إلى قاربكما وأنتما تضحكان وتشيران لي أن آتي معكما. لكني لا أستطيع الحراك.. ريح هوجاء باردة تشلَّني بينما قاربكما ينساب مع النهر ويذوب في قوافل راحلة وأنا أصرخ، أناديكما: انتظروني، خذوني معكم.. تباً للريح والبرد.. رحماك يا أخي..انتظرني.. أنا توأمك (آدم)..
* * *

استيقظ مفزوعاً مقطَّع الأنفاس. ريح باردة معفرَّة برذاذ مطر تخترق النافذة المفتوحة. القطار متوقف والمقصورة فارغة. اللعنة أين اختفى آخري والمرأة الشقراء؟
بسرعة أحمل حقيبتي وأركض. لا يهمني أي شيء في الوجود إلاّ آخري..

أقفز من القطار في لحظة انطلاقه. أتمايل وأسقط على السكة. كاد أن يسحقني القطار لو لم أسحب نفسي في اللحظة الأخيرة. يستغرق الأمر دقائق كي أتمكن من عبور السكك وبلوغ الرصيف. المحطة عبارة عن سقيفة خشبية مهملة وشبه منهارة، حولها وفي داخلها أعشاب برية. المكان فارغ تماماً والمساء ينشر عتمته في الفضاء.

أتقافز هنا وهناك في جميع النواحي بحثاً عن أي أثر لآخري وتلك المرأة. المحطة وسط أرض منبسطة إلاّ من بقع أعشاب منتثرة في الأنحاء، فأين يا إلهي قد اختفيا؟!

أشاهد من بعيد بقعة معتمة كأنها غابة. في نفس اللحظة التي أرى فيها تلك الغابة، يبدوا لي أني ألمح هَيكَلَي شخصين يتوغلان فيها. لا أدري أأتوهم المشهد أم أراه حقاً. المهم أني لا أمتلك غير أن أركض نحو الغابة بكل قواي وأنا أصرخ:
ـ انتظرني.. انتظرني يا أخي.. أنا توأمك آدم.. أرجوك انتظرني..

أبلغ الغابة وأنا أصرخ من دون أية نتيجة. هناك انتبه إلى أن الظلام قد خيَّم تماماً وريح باردة شَرَعَت تهب جاعلة الأشجار تصدح بأصوات أشباح متربصة. في لحظة تعب ويأس أطلق بكل ما أمتلك من جنون صرختي الأخيرة:
ـ انتظرني يا عزيزي.. أرجوك لا تتركني وحيداً.. أرجوك..
إذا بي أحس بضربة على رأسي تجعلني أفقد قواي وأنهار..

* * *
أفتح عيني وأنا أحّس ببرد. العتمة تحيطني ويتخللها ضوء خافت لشمعة موضوعة على الأرض. أرى نفسي مستلقياً على ركام من عشب يابس، وحولي ثلاثة رجال وامرأة ينظرون إليَّ بفضول. يبدو إنه كوخ خشبي من نوعية الأكواخ التي يستخدمها الحطّابون أثناء موسم التحطيب. قبل أن أنطق بكلمة، أرى المرأة تقترب مني وتكلمني بإنكليزية مكسَّرة:

ـ قل لنا ما الذي جعلك تتبعنا الى هنا وعلى من كنت تنادي؟

على ضوء الشمعة أرى وجهها ونظارتها الطبية.. هي نفسها امرأة القطار! أتمعن جيداً بالرجال عسى أن أعثر بينهم على آخري، لكن الثلاثة يشبهونه ويرتدون نفس الثياب السوداء!
تكرر المرأة عليَّ السؤال، وأنا لا أدري بماذا أجيب.

جميعهم مدججون بسلاح، بنادق ومسدسات وسكاكين. أبعد احتمال أن يكونوا عسكريين، لأن طبيعة الكوخ المتواضعة والشموع ثم هيئتهم العابثة، كلها توحي بأنهم أناس خارجون عن القانون ويعيشون بسرية. حينها أتذكر الأخبار عن وجود ميليشيات انفصالية مسلحة في كل مكان من يوغسلافيا: كروات وصرب وسلوفان وبوسنياك ومقدون وألبان..

أحاول بكل جهد وصدق أن أقنعهم بقصتي، بأني كنت في طريقي بحثاً عن آخري.. عن.. لا أدري.. ربما عن أحدهم هم أنفسهم. أتمنى فقط أن يبعدوا فكرة إني جاسوس حتى لو يتصورون إني عابث مجنون. لا أدري إن هم يقتنعون بكلامي. أراهم يتهامسون وينظرون إليَّ بشزر وريبة تفوح برائحة موت. شَرَعَ رعب يتصاعد في بدني ويجعلني أرتجف وأتحول كلياً إلى قلب نابض يدوي بألم مثل ناقوس جبّار. هل قرروا إعدامي.. لا أدري؟

يقوم أحدهم بتوثيق يدي بحبل، ثم يأمروني أن أتبعهم. لا أتمكن من رؤية ساعتي. لعلها قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل. الظلام حالك وعصف ريح باردة يحرق العيون والآذان. عبر أشجار الغابة تبدو السماء مغطّاة بغيوم صفراء شاحبة تنضح بقطرات مطر متقطع. أعاني بمشيتي من يدَّي الموثقتين وأنا أهيم في أرض مليئة بأحجار وأغصان وبرك مياه..

فجأة يتَجَمَّدَ حراسي الثلاثة في أماكنهم ويطلبوا مني التوقف والصمت وهم يشيرون لي تهديداً ببنادقهم. تبدو في أعماق الغابة تحركات مبهمة وضجيج بشري. خلال توهجات بروق تنبثق أشباح من بين الأشجار.. جموع غفيرة تظهر بالتدريج من أعماق الغابة، كأنها حشود بشرية يصعب عدَّها: رجال نساء أطفال.. يركضون مفزوعين ويصرخون بكلمات لم أفهم منها غير: العسكر.. العسكر..

لا أدري كيف إختفى حراسي فجأة. ضاعوا في الحشود الهاربة. قبل أن أكتشف طريقي تهبط صاعقة تهز الكون وتشب نيران في الأشجار. خلال دقائق تستحيل الغابة الى جهنم: كون مظلم وسماء غاضبة ونيران تلتهم بشر وسط انفجارات رعود واستغاثات وزعيق كائنات بشرية وحيوانية..

لا محال أني هالك وقد حل يوم الحساب المنتظر.أركض هرباً من النيران، لكن وثاقي اللعين لا يمنحني حرية الحركة. أسقطت في بركة وأنا ألبط مثل سمكة. كم أحاول وأحاول الوقوف مستغيثاً بكل ما أوتيت من قوة وبجميع اللغات التي تخطر ببالي.
فجأة أحس بيد تمسكني من كتفي وتساعدني على النهوض، وتبدأ تفك وثاقي مصحوبة بصوت رجل أليف يخاطبني بلهجة عراقية في نفس اللحظة التي ينفجر فيها رعد صاخب وتسقط صاعقة جبارة فوق الغابة:

ـ قم يا أخي يا آدم.. يالله بسرعة نركض إلى الحدود.. العسكر والنيران وراءنا.. قم يا آدم، يا الله قم..

يركض أمامي وهو يستحثني.

تصيبني دهشة وأنا أحدق في الغابة: المطر منقطع وحشود البشر مختفية، ويهيمن صمت أصيل على الكون، إلاّ من زقزقة عصافير وقطرات ماء فضية تتساقط من الأغصان وتلمع بتوهجات شفق نحاسي يتخلله هيكل آخري.. كأن ملاك نور يسموا بي إلى السماء.