ماذا فعلت إسرائيل في صعدة؟

إلهام مانع
2015 / 3 / 16



جاءتني الطالبة بعد نهاية المحاضرة.
سألتني عن ذلك المشهد. رجال يصلون في مسجد في صعدة.
واستفسرت: لم يلعنون إسرائيل في المسجد؟
وقفوا بعد الصلاة وبدأوا في اللعن.
"الله اكبر. الموت لأمريكا. الموت لإسرائيل. الموت لليهود. النصر للإسلام".
ماذا اقول لهذه الشابة الحائرة. تنظر إلي، تريد ان تفهم.
قالت لي:" افهم ان إسرائيل غير محبوبة بسبب القضية الفلسطينية. لكن لماذا يعلنونها في صعدة؟"
فخرجت تنهيدتي حارقة.
لكني أجبتها.
كان يجب أن اجيبها.
وكان جوابي صادقاً.


كان ذلك يوم الجمعة الماضي.
ادرّس في هذا الفصل الدراسي بجامعة زيوريخ ثلاث مواد، احدها عن اليمن والأخر عن سياسات شبه الجزيرة العربية والثالث عن الإسلام السياسي.
وكانت المحاضرة عن اليمن.
فيها عرضت جزء من فيلم وثائقي اعدته قناة تلفزيونية بريطانية عن اليمن.
اَستخدم الأفلام الوثائقية في جزء من المحاضرة كي اقرب هذا العالم البعيد إلى طلابي وطالباتي في سويسرا.
بدأ الفيلم بزيارة إلى صعدة وخطاب ناري لخطيب في مسجد، ثم المشهد الذي وصفته هناك.
يلعنون.

قلت لها إسرائيل ليست الملومة في هذا المشهد.
نلومها على ماذا بالله عليكم/ن؟
اللوم على من ابتكر هذا الشعار لحركة سياسية إجتماعية اصبحت عسكرية.
واللوم على من يرددونه كالببغاوات.
كالببغاوات.

"الموت لليهود"، يقولون.
يروعون به أبناء وبنات وطنهم من اليمنيين اتباع الديانة اليهودية.
لم يبق منهم وهن سوى العشرات.
لم تلعنون الإنسان؟
ثم لم تقتلون الإنسان فيكم؟

والموت لأمريكا.
امريكا اصبحت الشماعة التي نعلق عليها كل المصائب التي تسببنا بها.
تماما كإسرائيل.
ندعو عليهما بالموت.
وهو لايستجيب.
كأن الله خنجر نغمده في صدور من حولنا ـ بسمٍ هو الكراهية التي في داخلنا.

قلت لها: إسرائيل ليست ملومة هنا.
بالله عليكن ما علاقة إسرائيل بصعدة؟
ماذا فعلت إسرائيل في صعدة؟
هل هي من دخلت في حروب متجددة - لاتهدأ حتى تندلع من جديد؟
هل هي من شردت مئات الاف من المهجرين والمهجرات من بيوتهم وبيوتهن؟
هل هي من دخلت في صراع طائفي مع ابناء وبنات وطنها؟
هل هي من روعت ابناء وبنات وطنها من اتباع الديانة اليهودية ونزعتهم نزعاً من بيوتهم وقراهم؟
إسرائيل من فعل ذلك؟
بالله عليكم؟
إسرائيل؟

لكنها شماعة.
نعلق عليها اخطائنا واوضاعنا وضعفنا.

قلت لها: "السبب الذي اوصل اليمن إلى الواقع الذي هي فيه يرتبط بعقلية ترفض تحمل مسؤولية قدرها".

نحن شعوب ترفض ان تدخل مرحلة البلوغ.
نكره غيرنا لأن غيرنا مرآة لنا - نري فيه ضعفنا، جهلنا وهشاشة فكرنا.
إسرائيل لم توصل اليمن إلى الواقع الذي هي فيه.
أمريكا لم توصل اليمن إلى الواقع الذي هي فيه.
واليهود لم يوصلوا اليمن إلى الواقع الذي هي فيه.

نحن من فعل ذلك.
نحن من فعل ذلك.

والحركة الحوثية قررت أن تبتكر شعاراً يخزي له الجبين: تبدأ بالله، ثم تربطه بالموت، وتدعو على دول لاتعرفها وهي في صعدة بالموت، ثم تتحول لأخوانها وأخواتها من اليمنيين اليهود ـ وتدعو عليهم بالموت.

كأن الله جلاد؟

أنا لاادعي على إسرائيل.
في الواقع انا لااكره إسرائيل.
تماماً كما لاادعي على أمريكا.
في الواقع انا لا أكره أمريكا.
ولاأدعي على اليهود.
في الواقع انا لاأكره اليهود.

ثقافة الكراهية لااعرفها.
اعرف فقط أني إنسانة مسؤولة عن قدري.
وقادرة على بناء مستقبلي بعملي ومثابرتي وبعلمي.
ولذلك عندما ألتقي بأمريكي، بإسرائيلية، بإنسان ينتمي إلى الديانة اليهودية، أتعامل معهم من منطلق الند.
إنسان يتحدث مع إنسان نظيره.
لااكرهه.
إذن أعود إلى طالبتي.
تلك الحائرة.
اشفقت عليها.
من نظرة متألمة.
رديت عليها.
قلت لها إسرائيل ليست الملومة في هذا المشهد.
اللوم على من ابتكر هذا الشعار، ثم على من يرددونه كالببغاوات.
فمن يتخذ من الموت شعاراً لايقدر على الحياة.