زعيم ثورتي

سليم مطر
2015 / 3 / 13

(هذه القصة جزءا من الرواية القصصية ـ تاريـــــخ روحـــــي ـ التي ستصدر قريبا في بيروت)

أًفزّ من نومي على أصوات انفجارات تهز كياني وتزعزع الوجود من حولي. أفتح عينيّ مرتعباً وأنا أتلَّمس من دون شعور رأسي وباقي بدني؛ لأتأكد من سلامتي. الظلمة التي تحيطني تتلون بين حين وآخر بتوهجات بروق وضجيج حروب. ما زالت عالقة في ذهني صور كابوس خنّاق رأيت فيه نفسي وحيداً في خندق بين أشلاء الرفاق وامرأة تشبه أمي ملفعة بسواد تريد الانقضاض عليَّ وأنا أحاول دون جدوى الركض والصراخ، لكن رعباً أسودَ يجمد حركتي ويكتم صوتي.

وسط الظلام تمتد يدي باحثة عن بندقيتي، لكني اتحسس شيئاً لم أتوقعه.. بلاطات أرض صقيلة باردة. كأني في غرفة وليس في خندق. أتجمد في نومتي محاولاً تفسير الأمر. وسط عتمة وضجيج موحش يثب أمامي سؤال أشبه بثعبان مستنفر:
ـ وين آني.. بأي خندق وأية حرب؟.

أشبه بثمل مخبول أسترجع في ذهني خنادق حروب لا أدري أين عشتها؟ منذ أن وعيت الحياة وأنا بانتظار (آخري)، حتى تاهت عليَّ الأعوام وتراكمت الأحداث ولم أعد أتذكر من حياتي غير حروبي التي لا تنتهي مع ذاتي الممزقة بين ذاتي والآخر المنتظر. حبيبتي التي عشقتها لسنوات تناستني وتزوجت.. حزبي الذي نذرت عمري من أجله قد مات، ورفاقي وأصحابي قد تشتتوا في أصقاع الأرض ومعهم تشتت آمال الثورة والمجتمع الفاضل.. أوربا التي كنت أحلم بغزو مدنها وقلوب نسائها قد باتت من المستحيلات.. وطني تائه وشعبه حائر، ولم يتبق لي غير اسمي (آدم) وحفنة من الآمال البعيدة بالنجاة والحرية لن أتخلى عنها؛ لأني بها أعيش وأتمسك بآخر توهجات الحياة.

ها أنا (آدم) الطريد، حمّال النسيان والانكسارات، وحيداً أقبع وسط البرد والظلام وضجيج الانفجارات، أفتش في أعماقي عن ماضيِّ وحاضري، بينما كفَّي تجوسان بلاطات الارض والبدن؛ بحثاً عما يعيد إليَّ ذاكرتي ويجيبني على نداءاتي المتصاعدة:
ـ يا رفاق يا أصحاب، أين أنتم؟ الوحشة تخنقني.

من بعيد بدأ يتناهى إليَّ صوت رجل جريح يستغيث بألم وغضب. من بين صخب مطر ورعد أمَّيز ذلك الصوت الرجالي يصرخ من مكان بعيد. انه صوت مألوف مفعم بيقين، نبراته تعلو وتنخفض بموجات تنبض بفاجعة. مع الصوت المألوف ذكريات تنبجس. إنه صوت (الأستاذ).. نعم إنه صوت (الأستاذ) لا غيره. حينها تتضح أمامي الحقيقة كاملة. أحس ببعض الراحة وأنا أتذكر أني لست في خندق ولا حرب، بل أنا حتى خارج الوطن بأكمله. منذ أسابيع وأنا أعيش في (دمشق) التي تمكنت بعد جهود عجيبة أن أهرب إليها أملاً في بلوغ أوربا. أعيش في بيت (الأستاذ) في مخيم فلسطين عند أطراف العاصمة بانتظار الحصول على جواز مزور وتأشيرة سفر إلى أوربا.

أفكر بالأستاذ، يقيناً إنه يتحدث الآن مع رفاقه أعضاء المنظمة الثورية العراقية التي يقول أنه أنشأها قبل أعوام. منذ أن سكنت في بيت (الأستاذ) وهو لم يكف عن عرضه لي بالانتماء إلى منظمته التي يقول إن خلاياها تنتشر في أنحاء الوطن، وتعد العدة من أجل تفجير ثورة شاملة تمحق عن البلاد ظلامها وتعيد النور إلى ربوعها. هكذا يردد الأستاذ دائماً، حتى إنني أحسست بالعار من مشروع الرحيل إلى أوربا، ووافقت على مشروع (الأستاذ) بأن أتدرب على السلاح في إحدى معسكرات المقاومة الفلسطينية؛ لكي أعود فيما بعد إلى بغداد لأشارك الرفاق ثورتهم القريبة.

ظلام الغرفة يتبدد بين حين وآخر بوهج بروق وصواعق يخترق زجاج النافذة العارية من ستارتها. تستفحل آلام البرد، فأقرر أن أتحرك لأجد غطاءً يمنحني الدفء. ما إن أتقدم بضعة خطوات بحثاً عن زر كهرباء حتى اصطدم بطاولة صغيرة تسقط مع قناني مشروبات تتكسر وتحدث ضجيجاً مقرفاً حاداً. أتجمد في وقفتي حائراً محرجاً مفكراً بـ (الأستاذ) ورفاقه الذين سيهرعون لأستكشاف فعلتي.

لا أفقه كم من الزمن يمرٌّ عليَّ وأنا متجمد في ظلمة بانتظار رفاق لا يأتوا. يبدو أن الجميع مشغولون بالإصغاء إلى خطاب الأستاذ. على قَدح سماء وبخطوات حافية حذرة أتقدم محاولاً بصعوبة تجنب نثار زجاج. ما أن تلمس أصابعي الزر حتى أضغطه، مرة وثانية وثالثة، لكن دون جدوى، الكهرباء كعادتها منقطعة وسط ريح هوجاء ومطر لعين.

أفكر أن أستعين بالأستاذ، أطلب منه العون للعثور على غطاء وشمعة. إنه صاحب البيت، أليس كذلك؟ أشعر ببعض الارتياح لهذه الفكرة. إنها ستكون فرصة مناسبة للالتقاء بالأعضاء القياديين للمنظمة. حتى الآن لم أشاهد أياً منهم رغم وجودي في الدار منذ أسابيع. خلال العديد من الليالي بقيت أستمع من غرفتي المنعزلة إلى (الأستاذ) يلقي خطبه الثورية على الرفاق، ويملي عليهم وصاياه وتعاليمه للتحضير للكفاح والثورة. وكان (الأستاذ) يستيقظ ظهراً محمر العينان شاحب الوجه يرتدي ثيابه مسرعاً وهو يتمتم بأنه على موعد هام مع رجال المعارضة العراقية والقيادات الحزبية السورية والفلسطينية واللبنانية من أجل التنسيق والتحضير للثورة القادمة.

أقترب ببطء وتعثر من باب غرفة الاجتماع. أتلمس طريقي على وهج بروق وصواعق تحيل ظلال جسمي على الجدار إلى صورة وحش جريح يزحف على هدى كلمات ترتج بصدى جبلي ممتزج برعود وعصف ريح. رغم برد وتعثر ونعاس أشعر في أعماقي ببعض البهجة؛ لأنني أخيراً سألتقي الرفاق القياديين. يقيناً إني سأتعرف على بعضهم من رفاقي القدماء، ألم يكن (الأستاذ) مسؤولي الحزبي في بغداد، قبل أن يقرر الانشقاق في الخارج ويؤسس منظمته الثورية الجديدة. منذ صغري تعودت أن ألقبه بـ (الأستاذ)؛ لأنه حقاً كان أستاذي في المدرسة. حتى بعد أن أصبح مسؤولي في الحزب كنت كثيراً ما أسهو وأناديه بالأستاذ بدل رفيق. كان (الأستاذ) مناضلاً حقيقياً ومثقفاً تعَّود منذ صباه سجون وتشرد، وهو يمضي وقته بالكتابة وتعليم الناس حب التمرد والتعلق بحلم العدالة والمساواة. بالإضافة إلى عشقه للشعر وقدرته الفائقة على إلقاء القصائد التي كان يحفظ الكثير منها عن ظهر قلب.

ألاحظ أن الباب لم يكن مغلقاً تماماً، بل أرتعش مع ريح تهبّ من الغرفة؛ فثمة شق يتسلل منه ضوء أحمر شاحب ممتزجاً بضجيج رعد وصوت (الأستاذ). ما أن أضع أصبعي كي أطرقه يندفع الباب وينفتح تلقائياً ويتكشف أمام ناظري هكذا كل ما كان في الغرفة!

أتجمد في وقفتي وأظل مبهوتاً حائراً غير قادر على تصديق ما أرى!

أصمت مبهوراً مرتجفاً من برد وخيبة وأنا أحدق بذلك المشهد الكابوسي العجيب:
الغرفة خالية إلاّ من (الأستاذ) وحيداً عارياً بين عصف ريح وضوء شاحب لفانوس عتيق، جالساً على ركبتيه في أرض غرفة عارية، مطبقاً كفيه أمامه بخشوع، رافعاً رأسه إلى السماء عبر نافذة مفتوحة على مصراعيها، بينما رذاذ مطر ينساب على جسده وريح تتلاعب بخصلات شعره القليلة المبللة. يبدو أشبه بتمثال مهشم لكاهن أسطوري في معبد مهجور، وهو يخاطب السماء بصوت صارخ مفجوع:

آه ربي، صوتهم يصرخ في قبري تعال
كيف لا أنفض عن صدري الجلاميد الثقال
كيف لا أصرع أوجاعي وموتي
كيف لا أضرع في ذل وصمت
ردني ربي أعدني للحياة
وليكن ما كان، ما عانيت من محنة الصلب وأعياد الطغاة.. (*)

أظلّ مبهوتاً لا أدري ما أفعل و(الأستاذ) مستمرٌ بإلقاء أشعاره بصوت صارخ مفعم بأسى. يا لها من خيبة ما بعدها خيبة. ايه يا أستاذي العزيز، أين هم الرفاق وأين هي أحلامك ووعودك عن ثورتنا العصماء؟ أهكذا غدر بك الزمان وألقى بك دون رحمة في دهاليز الوهم والنسيان؟ آخر ما تبقى لي من أمل أنت يا أستاذ، وها أنت تستحيل إلى واهم مجنون. رحماك يارب، لقد غدر بنا الجميع، الآباء والسادة والصحاب، وتكالبت علينا الخيبات... الأمل.. يارب.. الأمل..

بعد تردد اتجه إلى النافذة لأغلقها وأحمي (الأستاذ) من الريح والمطر. ما أن اقترب منها وأمسك مصراعيها حتى تنطلق صرخة احتجاج مخنوقة من حنجرة (الأستاذ) وتمتد قبضته مرتجفة وتشد على ذراعي وهو يخاطبني بلغة بليغة أقرب إلى شعر ودعاء:
ــ ابتعد أيها الغريب.. أراك أتيت لتفسد عليَّ ساعات توحدي مع قوى الثورة والعنفوان.. ابتعد أيها الغريب.. ارحل عني يا رسول البؤس وذكريات الظلام..
أردد مرتبكاً راجياً:
ــ يا أستاذ.. اشبيك؟ أنا رفيقك وتلميذك آدم.. أرجوك خليني أغلقها.. البرد راح يمرضك يا أستاذ.. أرجوك..

لكن قبضة الأستاذ يزداد عنفها، بينما تمتد فجأة يده الأخرى بمسدس وضع فوهته على قلبي ويخاطبني بصوت حازم:
ــ دع النافذة مفتوحة؛ لأنك عبرها ستعود من حيث أتيت.. عد إلى آلهة الهزيمة والنسيان.. رصاصة واحدة تكفي لتفجير قلبك المعبأ بأنفاس الخيبة.. ارحل.. عد أيها البائس الغريب، وإلاّ أطلقت..

تحت تهديد المسدس وصرخات (الأستاذ) وإصرار عينيه المتوهجتين ببريق الانتقام، اضطرّ للخضوع والهبوط من النافذة. أسقط من علو أربعة أمتار على أرض مخيم فلسطين الطينية. لا أدري كم من الزمن يمّر عليَّ وأنا جالس بين وحل أأن من آلام قدمي الملتوية وجروح حارقة ارتسمت كصليب على وجهي. المطر لا يكف عن التفاقم وكأن السماء أرادت أن تفرغ في تلك الليلة الليلاء كل مياه الكون على أرض دمشق، وريح ما برح عصفها يشتد ممتزجة بانفجارات رعود وقدح بروق حتى بدت الغيوم أشبه بوحوش سماوية تود ابتلاع البيوت.

أمسح السوائل عن وجهي ولا أنتبه الى انها مزيج من مطر ودم ودموع، لكني متيقن من شيء واحد: إني لا ولن أبكي؛ لأني أحس بأن كل طاقة السماء بأنوارها وانفجاراتها تتسرب إلى كياني وتشيع في شراييني قوة مخبولة هوجاء مفعمة بغضب وثورة، فأنهض من سقطتي مكافحاً بإصرار لم أعرفه من قبل آلام جسدي التي تحاول أن تجبرني على أن أحبو وأعرج.

مثل كائن خرافي ينبثق من أوحال الخيبة ودم الكوارث، أنهض ملطخاً بأطيان محنتي ونزيف جراحي، مستجمعاً في روحي كل انكسارات عمري وهزائم حروبي التي تتكور وتتكور حتى تتفجر بصرخة هوجاء تحتشد فيها أسماء أرباب وآباء وقادة وأساتذة منحتهم ثقتي منذ ميلادي وحتى هذه اللحظة:
لا... لا...لا يارب لا....

فتجلجل الـ (لا...) عبر بيوت مخيم فلسطين وحارات دمشق وتتصاعد أصداؤها إلى عباب السماء بالغة أقاصي الكون.
ــــــــــ
(-;---;--) مقطع من قصيدة (حب وجلجلة) للشاعر اللبناني (خليل حاوي)