عن داعش ونظرية المؤامرة!

إلهام مانع
2015 / 2 / 17

فتلة، قشة أو بعوضة.
هكذا تتراءى لي وأنت تتحدث عن نظرية المؤامرة.

ــــــــ


بالأمس شعرت بالحزن والقهر، على شباب خرجوا يبحثون عن رزقهم في ارض الله الواسعة، فذبحتهم داعش.
النازية الجديدة.
٢١ مصرياً ذبحتهم داعش بسبب إنتماؤهم الديني. سمتهم نصارى وذبحتهم، وقالت إنها تفعل ذلك بإسم الله. أي رب يكره خلقه وعباده هكذا؟ أي رب يعبدون؟ ذاك الذي يجيز الحرق والذبح والسبي وهتك الأعراض؟ أي رب يعبدون؟
و كما كان النازيون يقتلون الإنسان بسبب إنتمائه الديني، تفعل داعش ذلك اليوم.
لكنها منا. وهي فينا.
خرجت منا.
صناعة محلية.


وبالأمس إحترق دمي من جديد.
نفثت تنهيدة خرجت من قلبي حارقة وأنا اقرأ تعليقات بعض المتابعين لي على صفحتي بالفايس بوك.
بدأها من قال إن داعش صناعة غربية أمريكية إسرائيلية. وزاد اخر فأضاف إيران إلى القائمة.
ونفضوا أيديهم من داعش.

"الحمدلله"
"هذا هو القول الفصل"
"داعش صناعة اجنبية."
"مؤامرة صهيونية. يريدون تدميرنا، يفعلون ذلك كي يدمروا الإسلام."
"مساكين نحن. ضحايا لمؤامرة دولية تريد القضاء علينا."
"اوه كم نحن مساكين. العالم كله يقف ضدنا."

اوه ايها المسكين!
فتلة، قشة أو بعوضة.
هكذا تتراءى لي وأنت تتحدث عن نظرية المؤامرة.

"اكتفيت بالمؤامرة... كحل مريح بسيط جميل.
آه ما أجمل الأجوبة السهلة.
ماأرطب وقعها على النفس.
مريحة إلى حد الموت.
مخدرة كالإفيون.
لا تزعج ولاتقلق ولاتثير الحواس والمدارك."

ياحسرة العقل.

ذكرتني بماحدث لناشط يمني شاب، فراس شمسان، عندما كتب ينعى الصحفي الياباني الذي نحرته داعش على حائطه على الفايس بوك.
وصفه ب"الشهيد".
فإنهالت التعليقات الساخرة عليه:
"أي شهيد؟"
"كبيرة عليه".

ولم ينتبه من كتب تلك التعليقات أنه يستخدم نفس المنطق الذي تمارس من خلاله داعش سلوكها.
هل يجب ان يكون الشهيد مسلماً فقط؟
وما الذي يعنيه أن يكون الإنسان إنساناً بعيدا عن هويته الدينية؟
لم ينتبه من كتب تلك التعليقات أنه في الواقع وهو يبرر وينكر يقول لنا إن ما تفعله داعش جزءاً من تكوينه الفكري.

الهوية إنسان.
وعندما نحددها بالدين تتحول مع الوقت إلى كراهية.
تماما كما فعل ذلك الذي انتقد ذبح داعش للياباني ثم أعترض على تسمية الأخير شهيد، لأنه لن يذهب إلى الجنة بعد ذبحه!!
كأن الله يتعامل مع خلقه بمنطقنا الإقصائي الأعوج؟

كلنا سواسية امام الرحمن، اياً كان ديننا، أياً كان نوعنا، أياً كان فكرنا، أياً كانت ميولنا الجنسية، وسواء امنا به ام كفرنا به.
سلوكنا هو المحدد لقدرنا. سلوكنا لا إنتماءاتنا وهوياتنا.
والله إذا لم يكن حباً فلاداع له.
الله إذا لم تكن حباً فلاداع لها.
قد كفانا ما نحن فيه من كراهية ودمار.
وبالنسبة لي هو/هي حب.
والحب نور، يشمل الجميع.

لكن حديث التسامح والقبول بالآخر حديث نلوكه باللسان فقط، في الصحف وامام الكاميرات، لا بالسلوك.
تذكرت من جديد كيف نعامل الآخر لدينا.
نصر على تجاهل هذا الواقع.
تمنيت لو تمهلنا قليلاً واستمعنا إلى رؤية المواطنين والمواطنات ممن نعتبرهم وهن جزءا من ذلك "الاخر" الذي نلعنه ليلاً نهاراً، في قنواتنا الفضائية، في مناهجنا الدراسية وفي مساجدنا.
رؤيتهن عنا.
عنا نحن.

لو استمعنا إلى رؤيتهم ورؤيتهن لتاريخنا المشترك.
سيخرج الوصف انينا.
المعاناة هي اساسها.
والهيمنة والغطرسة والإستبداد التي نمارسها نحن هي جوهرها.

كيف نتعامل مع البهائيين والبهائيات؟ مع الأحمديين والأحمديات؟ الايزيديين والأيزيديات؟ مع المسيحين والمسيحيات واليهود واليهوديات؟ مع الملحدين والملحدات؟ مع المثليين والمثليات؟ مع الإسماعليين والإسماعيليات؟ مع الشيعة (في البلدان التي يعيش فيها اغلبية سنية) والسنة (في البلدان التي يعيش فيها اغلبية شيعية)؟
كيف نتعامل مع من يقرر أن يترك الإسلام ويتحول إلى دين اخر؟
كيف نتعامل مع من يقرر أن يعلن إلحاده؟
وكيف تعاملنا مع من كتب ينتقد الرؤية الدينية السائدة، او دعا إلى مراجعة النص الديني في إطاره التاريخي او إنتقد المؤسسة الدينية؟
كيف نتعامل وتعاملنا مع كل هؤلاء؟

سيكون سهلأ ان نضع اللوم على مؤامرة غربية امريكية صهيونية.
سهل إلى حد الإبتذال.
سهل إلى حد العبط.

ونعفي أنفسنا من مسؤولية افعالنا.


ثم نغسل ايدينا نحن من قراءة دينية داعشية تسللت إلى ادمغتنا ومعها سلوكنا منذ زمان بعيد.
ثم زاد عليها الإسلام السياسي بأيديولوجيته فخرجت علينا داعش مجسده.

قراءتنا للدين لازالت قرواوسطية...
لو كانت غير ذلك ما خرج علينا شيخ الأزهر ينتقد داعش ويقول إنها لاتمثل الإسلام ثم يدعو في الوقت ذاته بمعاقبة الأعضاء فيها بحد الحراب: يريدنا أن نقطع اعضائهم الجسدية من خلاف!!
أي عقاب بشع هذا؟
لايصلح لزماننا هذا شيخنا الكريم.
فحبذا لو ازلته من قاموسك اللغوي.

لو كانت غير ذلك ما خرج علينا من يدافع عن ملكية الجواري بأعتبارها في القرآن "وماملكت ايمانكم".
العبودية جريمة.
حبذا لو ازلناها من قاموسنا اليوم.

لو كانت غير ذلك ما خرج علينا من "ينهانا" عن "الجهاد" لأن للجهاد أوقات ومواسم وقواعد واصول!
ألم يحن وقت محو تلك الكلمة من قاموسنا أيها الشيوخ الكرام؟
فاليوم لن اسمى الجهاد إلابإسمه: إرهاب وترويع لخلق الله.
خلق الله.
الله الذي يحب خلقه.
لايحرقهم.
لايسبيهم.
لايذبحهم.

ولأن قراءتنا للدين قرواوسطية، كان من السهل على فكر الإسلام السياسي في صورتيه الإخوانية والمودودية ان يجّيرها لصالحه.
وعندما يجتمع الإثنان: تلك القراءة للدين مع فكر الإسلام السياسي تخرج علينا داعش مجسدة.
صناعة محلية.
خرجت منا. وهي فينا.
وقد حان آوان مواجهتها بالقول والفعل.
ومواجهتها لن تحدث بلوم الغير على العفن الذي تركناه يعشعش في عقولنا.

عندما أحتل صدام حسين الكويت، قلنا إنها مؤامرة غربية.
الرجل هو من ارسل قواته لا الغرب.
وعندما إرتكبت القاعدة جريمة الحادي عشر من سبتمبر، اصرينا أن إسرائيل والموساد هم المسؤولون عن هذا الإرهاب.
ونسينا أننا رقصنا عندما انهار المبنيان.
نسينا أننا هللنا.
وكلما رفعت القاعدة صوتها تقول إنها المسؤولة نلعنها ونقول لها إخرسي. بل الصهيونية وامريكا المسؤولان.
وعندما خرجت داعش من رحم القاعدة في العراق، ومهد لها المالكي بسياساته الطائفية، ثم إنضمت إليها حشود شبابية من جيل الإسلام السياسي المغسولة عقولهم بالتفسيرات الدينية السلفية والمودودية من أرجاء العالم، مصصنا شفائفنا ثم قلبناها ومضغنا السنتنا قائلين "بل اسرائيل هي المسؤولة".

آه ما أجمل الأجوبة البسيطة.
سهلة.
مريحة إلى حد الموت!


"فتلة، قشة أو بعوضة.
هكذا تصور لي نفسك كلما تحدثت عن المؤامرة.
هكذا تقول لي عندما تتحدث عن "حقدهم".
وأنت الذي تحقد،
وانت الذي تغار،
وانت الذي تموت غيظا،
وتدعو الله ليل نهار ان يسويهم بالأرض،
تدعوه أن يدكهم دكا، لكنه لايستجيب."

الحمدلله أنه لا يستجيب.