-ديما- رواية الهم الإنساني وتعرية المجتمع

محمود عبد الرحيم
2015 / 2 / 13

"ديما" رواية الهم الإنساني وتعرية المجتمع
محمود عبد الرحيم:
رواية"ديما" لأمل عفيفي الصادرة، مؤخرا، عن دار نشر"المصرية اللبنانية" ربما أهم ما فيها أنها تعرفنا علي روائية جيدة ومجتهدة لا يعرف الكثيرون، وفي ذات الوقت تكشف عن موهبة كتابة السيناريو، لأن الرواية تبدو كعمل درامي به تقنيات سينمائية من مؤثرات درامية كالتشويق والإثارة و ادخار التفاصيل وسرسبتها داخل العمل لتتكشفها تباعا والتقطيع المتوزاي بين الاحداث والخطين الدراميين الرئيسيين، مع قدر من الغموض وصولا للحظة التنوير وحل اللغز.
ورغم ان الرواية يمكن تصنيفها ضمن توصيف "الجريمة"، إلا أنها في السياق العام هي رواية إنسانية تتعاطى مع الضعف البشري وتبرزه، كما تتعاطف مع الفقراء ومعاناتهم وتدين التدين الشكلي الزائف وتوظيف الدين لتصفية الحسابات ولمصالح انتهازية
وتبدو الرواية مشتبكة مع الواقع وتعري المجتمع بجرأة، بإثارة جدل العلمانية والهوية الدينية لمصر والظلم الاجتماعي والفساد والمحسوبية التي تقود ليس فقط لإهدار الفرص والحقوق، ولكن لإفلات المجرم من العقاب أيضا، فضلا عن معاناة اللاجئيين السوريين خاصة السيدات في مجتمع شحيح الفرص ويعاني أهله، وغير قادرين على استيعاب من هم ظروفهم سيئة مثلهم، ويتعرضون لذات الاستغلال.
قد يكون الخط الرئيسي للعمل الذي ينهض على أخ مدمن ومحام فاسد يتآمران على الأخ الأكبر من أجل نهب ثروته ليس بالجديد، لكن ما يميز هذا العمل التفاصيل الإنسانية الثرية الدقيقة لحياة شاب فقير تعرض للظلم الاجتماعي وحرمه فقره من نيل فرصة عمل مناسبة وهو خريج الجامعة فتحول لسائق تاكسي، وحتى حين ارتضى بوضعه تعرض لوضع مآساوي وضغوط قاسية بمرض زوجته بالسرطان الذي لم يقدر على علاجها إلا بالتورط في جريمة قتل عبر اغواء المحامي له واستغلال ظروفه ونقاط ضعفه، وهو أمر يقربنا من الواقع اليومي لآلاف المصريين الذين يعيشون حياة بائسة إن رضوا بها فهي لا ترضى بهم وتذوقهم فوق عذاباتهم عذابات، خاصة حين يفترسهم المرض.
وأيضا ما يعطي جدة لهذا العمل، ويعطيه بعدا انسانيا كذلك الخيط الدرامي الآخر المتمثل في رصد معاناة سيدة سورية من اللاجئين في مصر تتعرض لكل الانتهاكات والمساومات، وتمر بتجربة في غاية القسوة، مع رسم صورة واقعية لحياتها، سواء في الوطن أو المنفى، واستدعاء لذكرياتها الحميمة وأحداث من وقت الرخاء أو الشدة هنا أو هناك.
ويبدو ذكيا، عملية الربط التي قامت بها الكاتبة قبل نهاية العمل بين الضعف الإنساني والتجربة القاسية لكل من بطلي الرواية السائق المصري بعد أن فقد زوجته بالموت، وعايش تجربة الموت بنفسه، والفتاة السورية التي أنقذها من الضياع، وحالة التضامن بينهما بمنطق "ان المصائب تجمعنا المصابينا"، وأيضا تؤكد ان الهم الإنساني واحد، وأنه حين نتجرد من انانيتنا ومخاوفنا نقترب من الأخر ونشعر به، وربما نمد له يد العون.

وتبدو لغة السرد سلسة ومتدفقة، غير أني لا احبذ ان تكون الحوارات الداخلية بلغة فصحي، حيث ان العامية هنا تعطي حيوية ومصداقية أكثر وايحاء بالواقعية.
كما لم يرق لي تعليق "الرواي العليم" على الأحداث، وعدم ترك التعليقات تأتي على لسان أبطال الرواية ذاته في بعض الأحيان، خاصة ما يتعلق بالجمل الاحتمالية، أو الاشارات الدينية التى تبدو كمواعظ ومن خارج السياق.
وإن كانت الكاتبة قد صنعت نهاية بها مسحة من الأمل الذي تحقق مع حصول "ديما" على فرصة حياة آدمية ومسكن تحتمي بين جدرانه، إلا أن حماية مخطط كل الجرائم عن طريق شخصيات متنفذة وعدم محاسبته وإفلاته من العقاب، قربنا أكثر من الواقعية، وصنع قدرا من التوازن، خفف من قتامة الواقع وحالة اليأس والاحباط، بدون مبالغة في التفاؤل أو التشاؤم.
لكن في الأخير، تبقى الرواية عملا جيدا يستحق القراءة وتستحق مؤلفتها التقدير والثناء على جهدها.
*كاتب صحفي وناقد مصري