كتاب 2015 : المغرب، مملكة في غليان - ترجمة الكتاب- ج9

امال الحسين
2015 / 2 / 3

المؤلف لورن بردلي Laurent Beurdeley أستاذ محاضر بجامعة ريم شومباني ـ أردنيس Reims Champagne-Ardennes.
يهتم بأبحاثه العلاقات الأوروـ متوسطية والمغاربية، حول المحاور التالية : التناوب الديمقراطي، الإسلام، الهوية، مسائل النوع.
الجزء الثاني من الكتاب : توطيد دولة الحق، الفصل الثاني : سنوات الرصاص، عمل الذاكرة وحقوق الإنسان ـ الجزء 8

II ـ نقاط سوداء كثيرة بقيت

بعد تفكيك مخيم أقديم إيزيك (بضواحي العيون) في 2010، تشكلت حوله مطالب اجتماعية (السكن، الشغل)، وطبعا لشجب سوء تسيير الكثير من المشاريع (cf الفصل الخاص بالصحراء)، قامت الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان بإجراء بحث حول هذه الأحداث التي وقعت ما بين 21 و 27 نونبر. وقف تقريرها على ارتكاب انتهاكات جسيمة من طرف القوات النظامية : إقتحام منازل المواطنين بدون أمر قضائي، توقيفات، إعتقالات تحكمية وفي أماكن غير شرعية، إعتداء على مواطنين يتميزون بعادات صحراوية، ممارسة التعذيب والمعاملات المهينة للإنسان (الحرق بالسجائر، الضرب بأداة على الأماكن التناسلية، مرور التبغ، إهانة، التعذيب عبر التعليق بين كرسيين، ربط الأيدي بواسطة الطريقة المعروفة ب"دجاج مشوي"). كل هذا العنف خلال وبعد التوقيفات، كما هو مدعوم من طرف المدافعين عن حقوق الإنسان فإن ما جرى بالعيون يشبه ما كان يمارس على الأشخاص المتورطين في قضايا الإرهاب بمختلف مناطق المملكة74. خلال سنة 2012، الكثير من التقارير المنجزة من طرف مختلف المكاتب أو المؤسسات قد أثارت الإنتباه إلى مسألة حقوق الإنسان بالصحراء. في 2009، التقرير السنوي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، الذي حدد المعتقلين في 130 معتقلا سياسيا (طلبة، نقابيون) أثار الإنتباه إلى مركز الإعتقال بتمارة (جنوب الرباط) المكان الذي يستعمل للحبس والتعذيب.

تمار هي مقر المخابرات السرية DST التي تحولت إلى DGST 75، المصلحة الأولى للأمن بالمملكة76 (على رأسها عبد اللطيف الحموشي77)، والتي تتميز بالإفلات من مراقبة البرلمان والحكومة. نظريا، لا يمكن لأعوانها أن يتعرضوا للتوقيفات، عمليا، يقومون مقام ضباط الشرطة القضائية. طالبت حركة 20 فبراير بإغلاق مركز الإعتقال هذا الملقب ب"غوانتمارة" (نسبة إلى مخيم غوانتنمو78). قرر المناضلون تنظيم قافلة إليه في 15 ماي 2011، مع تظاهرات موسيقية ومسرحية من أجل شجب التعذيب. لم يتم هذا المشروع : تم تفريق المتظاهرين بالقوة من طرف القوات النظامية79. تعهد المجلس الوطني لحقوق الإنسان بإجراء تحقيق حول هذا المركز السري. من أجل الحد من البوليميك قامت السلطات في 18 ماي 2011، بدعوة الوكيل العام، مسؤولين من المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وأيضا العديد من البرلمانيين لزيارة مقر DGST. في تصريحات هؤلاء وأولئك تم الإقرار بأنه ليس هناك أثر لأي مركز اعتقال سري يمكن تسجيله80. بينما توجد مئات الشهادات تقر العكس81 ! كما يبدو فإن السجن السري غير موجود، ويوجد، ما ليس بقضية بسيطة، وهو أن يتم تحديد المسؤوليات أثناء نشاطه. وإلا، ننتظر تطورا ملحوظا، قانون يعترف من الآن فصاعدا بنظام ضباط الشرطة القضائية الخاص بأعوان DGST، على أساس أن هؤلاء يوضعون تحت مراقبة السلطات والنيابة العامة.

تناقض قوي يظهر لنا في موقف الكاتب الطاهر بن جلون الذي يبخس إلى أقصى حد بعض الحقائق معلنا، في كتيب منشور في ماي 2011، أنه منذ مجيء محمد السادس وإرادته لرفع الستار عن سنوات الرصاص، "لا يوجد أبدا التعذيب بمخافر الشرطة، ولا اعتقالات تحكمية، ولا معتقلين سياسيين82". الكاتب يقبل فقط بالإعتراف بأن "رجال شرطة شيئا ما مندفعين ما زالوا يرتكبون لدغات83". إنه نوعية التحليل السياسي المنبثق من العمى، من تجاهل حقائق المملكة أو/و من اطمئنان غير محسوب.

في ماي 2008، زهراء بودكور، طالبة بجامعة القاضي عياض بمراكش، تم إيقافها مع 40 من زملائها بعد مظاهرة، شجبت تسمما غذائيا في المطعم الجامعي، التي تحولت إلى مظاهرة عفوية بالحرم الجامعي، بعض الطلبة أضرموا النار بالغرف. المناضلة تم تعذيبها بوحشية بمخفر الشرطة بجامع الفناء84. روت محنتها في ندوة صحفية في يوليوز 2010 : "وضعوا لنا الأصداف باليدين والرجلين، وكذلك العصابة على العينين، تعرضنا للتعذيب خلال 5 أيام مستمرة، تلقينا الضرب بجميع مناطق الجسم، ضربوني بأداة حديدية على الرأس، لم أستطع الذهاب إلى المرحاض، نزعوا أيضا ثيابي85". طالب آخر مدنا بشهادة تنويرية : "ربطوا يدي إلى الوراء وضربوني بلكمات متتالية على الوجه، بالضبط على العينين، تم ذلك من طرف 5 أعوان مدنيين ...، تلقيت كذلك ركلات على مستوى جهازي التناسلي ...، كنت مطروحا على الأرض ...، عاريا، لم أستطع رؤية أي شيء، سمعت رفاقي يصيحون86". عبد الكبير الباهي، من ناحيته، خضع لمواجهة مصير فظيع حيث تم رميه عبر النافذة من طرف رجال الشرطة. أتهم بمحاولة القتل، أدين بسنتين سجنا، زهراء و 7 من مرافقيها تم إطلاق سراحهم في ماي 2010، بعدما قضوا مدة إدانتهم. سكان زاكورة، المدينة التي تنحدر منها المرأة الشابة، نظمت لها استقبالا حارا، لجنة دعمها التي تضم الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، حزب النهج الديمقراطي، أطاك المغرب وآخرين. شعارات خاصة نارية تم رفعها من قبيل "يسقط المخزن"، الجموع رفعوا شعارات ضد المسؤولين على التعذيب : "قتلوهم، عدموهم، أولاد الشعب إخلفوهم87". وأيضا، في دجنبر 2010، فاضل أبركان تعرض للتعذيب حتى الموت في مخفر الشرطة بحي السلام بسلا. أحداث كثيرة تم نشرها، سيدي بن جلون !

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
74 ـ الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، "الصحراء الغربية : مواجهات 8 نونبر 2010 بالعيون : تسلق الصخور في صراع دائم"، ماي 2011.
75 ـ المديرة العامة لمراقبة التراب الوطني DGST تعتمد على الكثير من المخبرين وأعوان منحدرين من جميع الطبقات الإجتماعية.
76 ـ م.ع.م.ت.و DGST (ذات العدد الإجمال لا يتعدى 7000 شخصا) لا يجب الخلط بينها وبين مصلحة الإستعلامات الخارجية (DGED).
77 ـ الرجل خرج من الظل، تمت أيضا ترقيته (من أجل خدمة قدمها ومن أجل مشاركته في التحقيقات الموالية لهجوم مراكش بمقهى أركانة في ماي 2011) خلال حفل رسمي تم بثه مباشرة عبر التلفاز، هو الأول من نوعه منذ استقلال المملكة، تيل كيل TelQuel، عدد 489، 24ـ30 شتنبر 2011، صفحات 19ـ26.
78 ـ عبد السلام البقالي، العام 1 لديمقراطية الأنترنت، منشورات حموش Hammouch، 2012، ص. 153.
79 ـ أسامة الخليفي، أحد زعماء الحركة الأكثر إشعاعا أصيب بجراح خطيرة في رأسه، تيل كيل TelQuel، عدد 474، 21ـ27 ماي 2011، ض. 29.
80 ـ نفس المرجع، ص. 8.
81 ـ تسببت عملية التعذيب بتمارة في توثر دبلوماسي حاد بين باريس والرباط في فبراير 2014. عمل المسيحيين من أجل إلغاء التعذيب (Action des chrétiens pour l abolition de latorture)، إستغلال تواجد عبد اللطيف الحموشي بفرنسا، لتقديم شكاية ("من أجل التواطؤ في التعذيب") في مواجهته من أجل الإستماع إليه في ممارسات التعذيب المفترضة بمركز تمارة. يرتكز ع.م.إ.ت ACAT على شكايات تم تقديمها من طرف المغاربة (من بينها شكاية عادل التلسي الذي يصرح أنه تم توقيفه في 2008 وتعذيبه مدة ثلاثة أيام بمركز تمارة). بطريقة تماما غير معلنة (خارج الطرق الدبلوماسية)، سبعة من رجال الشرطة جاءوا ليقدموا له إشعارا باستدعاء الوكيل العام للمعني بالأمر، مما أثار غضبا حادا بالرباط. بعدما تم بقوة رفض التهم الموجه للمدير العام ل ع.م.إ.ت DGST، قامت وزارة الخارجية المغربية باستدعاء سفير فرنسا بالرباط من أجل إبلاغه احتجاجها القوية. لبيراسيون (فرنسا)، 22 فبراير 2014. في 26 فبراير، أعلنت وزارة العدل المغربية توقيف تنفيذ جمع اتفاقيات التعاون القضائي بين فرنسا والمغرب. هذا القرار ليس تافها، على مستويات مدنية، تجارية، جنائية، أو أيضا تهم حقوق الأسرة للأزواج المختلطة، نتج عنها الرجوع إلى تطبيق مباديء الزواج حسب القوانين الدولية الخاصة. الإكنوميست L Economiste، عدد 4228، 7 مارس 2014. منذ التوقيف، المحامون الفرنسيون لا يستطيعون أبدا العمل بالمغرب "عمليا، من المستحيل الدفاع عن موكله، إن كان مغربيا، فرنسيا ـ مغربيا أو فرنسيا مقيما بالمغرب، في المحاكم المغربية"، كما يقر أحد المحامين الفرنسيين. كما أن تحويل المعتقلين بين البلدين أصبح متوقفا، كما هو الشأن بالنسبة لتنفيذ الأحكام. وعلى المستوى المدني، إعاقة الأمر بالتنفيذ. حكم منطوق بفرنسا لا يمكن إذن تطبيقه بالمغرب والعكس صحيح، تيل كيل TelQuel، عدد 631ـ632، غشت 2014، ص. 42.
شكاية جديدة أخرى (في المحكم العليا بباريس) تأتي لتنضاف سابقاتها، تصدر من البطل السابق للملاكمة، زكرياء مومني. هذا الذي كان موقوفا في شتنبر 2010 بعد وصوله إلى الرباط، أدين ب30 شهرا سجنا بسبب قضية الإحتيال، يتم أخيرا إطلاق سراحه، بعفو ملكي بعد قضاء 18 شهرا من السجن، في فبراير 2012. يصرح أنه رأى عبد اللطيف الحموشي خلال خدمات مقدمة بمركز الإعتقال تمارة، الباريزيان Le Parisien ، 23 فبراير 2014.
82 ـ الطاهر بن جلون، الشرارة، إنتفاضات بالبلدان العربية، منشورات غاليمارد Gallimard، ماي 2011، ص. 94.
83 ـ نفس المرجع.
84 ـ العالم الدبلوماسي Le Monde Diplomatique ، شتنبر 2008.
85 ـ موقع أخبار المغرب.
86 ـ إقتباس لعزيز العقوبي، المرصد الدولي بير I ديرتو Observatoire interzionale per I -dir-eto ، ماي 2010.
87 ـ نفس المرجع.