تونس ..استكمال للثورة أم ترميم للنظام القديم

محمود عبد الرحيم
2014 / 10 / 28

حُسمت نتائج الانتخابات التونسية ليتصدرها حزب "نداء تونس" المحسوب على النظام القديم، ثم في المرتبة الثانية "حركة النهضة" المحسوبة على الاخوان والتى كان لها اليد العليا منذ هروب الديكتاتور بن على.
ويبدو الأمر في تصوري ليس انتصارا للمسار الثوري ولا عرسا ديمقراطيا، كما يروج كثيرون، وأنما مجرد تبادل للمواقع بين القوتين الأساسيتين التى لا يُنظر إلى أي منهما أنها تعبر عن الثورة.
صحيح أن تبادل الأدوار جرى بين الحزبين الكبيرين العلماني والديني سلميا، وعبر صناديق الاقتراع وليس بالقوة المسلحة، كما حدث في مصر بحكم غياب النفوذ الواسع للمؤسسة العسكرية في النموذج التونسي وخصوصية الواقع السياسي والاجتماعي لهذا البلد المغاربي، إلا أنه يمكن قراءة خاصة في هذه النتائج التى كانت متوقعة، بحسب استطلاعات الرأى المتواترة منذ أكثر من عام، حيث جرى تغير الموقف السلبي تدريجيا من حزب يضم رموز الرئيس الهارب، نكاية في النهضويين المتهمين بالفشل والاستحواذ وتأجيج الصراعات وتوفير غطاء لليمين الديني المتطرف واهدار أهداف الثورة وسرقتها، أو النظر إلى الحزب الليبرالي الأكبر في تونس أنه أفضل تنظيميا وذو كوادر لها رصيد من الخبرة في إدارة شئون البلاد، وهذه اللعبة أو عملية تبادل الأدوار تكشف في الأخير انه لا توجد بنية سياسية حقيقية ولا قوى حزبية في عالمنا العربي، وانما شبكات المصالح القديمة ورموزها في مواجهة التيار الديني بقيادة الاخوان الذي كل منهما يعطي قبلة الحياة للاخر ويعيده للواجهة بعد فترة من الصراع واستغلال أزمات وهموم الجماهير.
وللأسف اليسار الذي كان يعول عليه في قيادة الحراك الثوري، وتأسيس نظام جديد قائم على ديمقراطية حقيقية، وليست شكلية تختصر هذه العملية المركبة في صناديق يحكم نتائجها التزوير المادي أو المعنوي، أو التصويت العقابي، فشل في اختبار الانتفاضات العربية التى يتم تفريغها من معناها يوما تلو أخر ، ولا يراد لها أن تصل لمرحلة الثورة بما تعنيه من تغيير جذري وهدم للنظام من أجل بناء نظام جديد بقواعد جديدة مغايرة، وأنما المراد استثارة الحنين للماضي عبر الازمات السياسية والاقتصادية والأمنية المستفحلة، والتباكي علي العصر الفائت والقبول بأمر واقع وواقعية استسلامية.
فيما اليساريون مشغولون بمعارك صغيرة أو بمناكفات أو تحالفات فاشلة تكشف تناقضاتهم ولهاثهم على السلطة أو أخذ مكاسب انتهازية، وليس بناء خطاب متماسك وبرنامج عمل يصل للناس ويحشدهم ويوحد حراكهم ونضالاتهم من أجل تغيير حقيقي وجدي.
وقد بدأ ت البروفة الأولى في اليمن لسهولة فرض أمر واقع امريكي سعودي، بتصعيد احد رجالات عبد الله صالح بتوافق مع الاخوان، ثم في مصر باستبدال الاخوان بعد فشلهم في مهمتهم بجنرال مبارك الموثوق به من شبكات المصالح في الداخل والخارج، وحاليا في تونس يجري الشئ نفسه لكن باطار ديمقراطي شكلي، بعد موجة من الاحتقان الشديد والاغتيالات لرموز معارضة، وكسر شوكة الاخوان في مصر التى استثارت حمية قطاع لا بأس به من التوانسة للتخلص من النهضة.
وان كان شباب "الثورة" في كل البلدان العربية لا يؤمنون بمسارات غير ثورية ولا يرون في المتصارعين على السلطة من بقايا الانظمة القديمة او مستنسخاتها أو التيار الديني والمعارضة اليمينية واليسارية الفاشلة قادرين أو راغبين في تحقيق احلامهم التى خرجوا من اجلها، والتى تتشابه في اليمن او مصر او تونس وهو الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الانسانية، وهؤلاء وان كانوا انزوا قليلا الا انهم حتما سيعاودون الكرة مرات ومرات حتى يتحقق هذا الحلم المشروع في تغيير حقيقي وليس تغيير الوجوه أو اصلاحات جزئية لا تبني دول ديمقراطية مدنية حديثة يحكمها القانون والمواطنة وحقوق الانسان.