تسويق الحلم الكردي وسحق الذات العروبية

محمود عبد الرحيم
2014 / 10 / 27

لاحظت، مؤخرا، احتفاءً غير مسبوق بالأكراد، خاصة مع تداول صورة المقاتلات الكرديات بعد هجوم "داعش" على مدينة "عين العرب" التي يتم ترديد اسمها الكردي أكثر من العربي، والحديث بفخر عن شجاعة الكرد وتميزهم عن العرب بالولاء والانتماء والبأس، مع حملة هجوم جديدة ذات نبرة مرتفعة على القومية العربية وامتهان لها على نحو استفزازي، بشكل يتساوق مع الحملات الصهيوأمريكية المستمرة للإجهاز على الفكرة العروبية وسحق الذات، وفي ذات الوقت يتماشي مع مخطط القبول بدولة كردية واقتطاع أجزاء من الأراضي العربية لصالح الأكراد ضمن مشروع إعادة تقسيم المنطقة الذي بدأ منذ 1991 بحظر الطيران فوق كردستان العراق، ثم تباعا تحول الأمر للحكم الذاتي، والآن تتصرف كردستان كدولة مستقلة تبرم اتفاقات وعقودا مع دول أخرى، وتسيطر على مصادر النفط في الشمال العراقي ولها حكومة ذات استقلالية وتمثيل ديبلوماسي خاص، ومطار وقوات عسكرية، واستغلت فزاعة"داعش" للسيطرة على كركوك الغنية بالنفط، فيما "داعش" بحسب كل المعطيات والتحليلات الموضوعية، صنيعة المخابرات الأمريكية، وتمويل دول الخليج خاصة السعودية لتقويض النفوذ الإيراني في العراق وسوريا ولبنان وحصاره، عبر تحزيم حلفائها بهذه الكرة الملتهبة، واستغلال هذه الورقة لتبرير التدخل العسكري، وربما الغزو ، وإقامة مناطق عازلة أو اقتطاع أراضي.
ومن يتابع هذا الملف عن قرب، يجد أن أكراد سوريا، وان تحالفوا مع النظام السوري ضد وجود الجماعات الإسلامية المتطرفة، فأنهم استغلوا الحرب داخل سوريا، في بسط نفوذهم على مناطق واسعة شمالي سويا، وقام الزعيم الكردي المتطرف مسعود برازني باستضافة قياداتهم ومحاولات توحيد صفوفهم ومدهم بكافة أشكال الدعم، وهو ما يكشف أن مخطط اقتطاع أجزاء من الشمال الممتد من إيران وحتى سوريا مرورا بالعراق يداعب المخلية الكردية التي تريد الانفصال لا العيش المشترك مع الدول المتواجدة فيها والمختلفة معهم عرقيا.
وللأسف، تركيا التي يتم انتقادها لأنها لا تهب لنجدة الأكراد هي ذاتها التي بينها وبين حكومة كردستان علاقات متطورة خلال السنوات الأخيرة على المستوى النفطي والتجاري بشكل عام، وهي التي وافقت على صفقة مع حكومة برازني لترحيل مقاتلي حزب العمال الكردستاني إلى الشمال العراقي، وهم الذين يقاتلون الآن ضد ما يسمى ب"داعش" إلى جانب قوات "البشمرجة" الكردية، وهو ما يؤشر أن لا شئ يسير بشكل اعتباطي، ويوضح لنا أن وجود هؤلاء المقاتلين في هذه المنطقة لم يكن بشكل عفوي.
بالإضافة إلى أن اشتراط تركيا إسقاط النظام السوري وإقامة منطقة عازلة مقابل مشاركتها في التحالف لحرب "داعش"، يؤكد أن المخطط اكبر من محاربة جماعات متطرفة مصنوعة لهدف التدخل وانتهاك سيادة دول أخرى، بل وإعادة تقسيمها واقتطاع أجزاء منها.
وهي الخطة الأمريكية التي ترمي لإضعاف إيران من ناحية عبر ضرب حلفائها، ومن ناحية أخرى استنزاف الموارد العربية، وتأجيج الصراعات الاثنية والدينية بشكل عال الوتيرة، وهو ما يصب لصالح الكيان الصهيوني الذي تربطه بالقيادات الكردية علاقات وثيقة وتعاون استخباراتي، فيما يفاخر البعض هنا بغباء ببسالة الكرد الذين تتدرب قياداتهم في تل أبيب، وتذهب عناصر استخباراتية وعسكرية إسرائيلية لتدريبهم أيضا في كردستان ومدهم بالسلاح، إلى جانب أمريكا وبريطانيا، ويقاتلون بدافع أثني ولمصالح انتهازية تجعلهم طوال الوقت يتحالفون حتى مع الشيطان، ويرى الكردي العراقي أو السوري، أبناء الكرد في أي مكان هو الأقرب إليه، لا ابن وطنه العراقي أو السوري العربي، تماما كانتماء الصهاينة لبعضهم البعض ولأرض ليست لهم.
أليس بعد هذه المعطيات يبدو مستهجنا أن نرى من يهاجم بجهل أو بسذاجة العروبة واتخاذ الحكام المستبدين موطئا لضرب هذه الفكرة العبقرية التي طوال الوقت كانت تتسع لكل العرقيات، وتستوعب الوطنيين المخلصين من كل الخلفيات العرقية والدينية، وليس المتآمرين الذين يريدون هدم الدول العربية لتكوين دولة تداعب خيالهم المريض والعدواني.
أخيرا، ما أود أن أؤكد عليه إن النقد الذاتي، وإن كان مقبولا ومطلوبا من أجل إصلاح الخلل في المنظومة العربية، والتخلص من أخطاء الماضي وربما تداعيات الحكم الاستبدادي الفاسد المتجاوز للشعوب والمضر بمصالحها العليا، والذي يفتح ثغرات للتدخلات الخارجية، إلا أن علينا في ذات الوقت ألا نستعذب جلد الذات، لدرجة نسف انتماءاتنا وإضاعة هويتنا، والتماهي مع خطاب الأعداء ومخططاتهم، فوجود أخطاء، وربما خطايا في الحكم لا تعنى الكفر بالعروبة وتسليم أنفسنا للأخر الكردي أو الصهيوني واعتبارهما النموذج الأمثل الذي يجب أن نقتدي بهما أو نسلم بقيادتهم لنا.
كما أن العروبة الحقة ليست شوفينية كما يزعم البعض، ولكنها انتماء يحافظ على الهوية والمصالح العليا والأمن الجماعي لشعوب المنطقة ويستوعب أيضا المختلفين معنا في الهوية الدينية والأثينية طالما هم أبناء هذه المنطقة، ولا يعينون الأعداء علينا.
كما أن العروبة قادرة على الحوار مع الآخر، واعتبار كل المكونات ذات الخلفيات المختلفة، تعمل على تكوين فسيفساء ثقافية متنوعة الروافد، في إطار من الوحدة والقوة، وليس التصارع والإضعاف.