وزارة الاقتصاد... سياسات متخبطة وأهداف متناقضة

علاء جوزيف أوسي
2014 / 9 / 18

تعد وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية حسب المرسوم التشريعي رقم 21 لعام 2007 المسؤولة - مع الجهات المعنية- عن رسم السياسة الاقتصادية والتجارية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، واقتراح التدابير المناسبة لرفع معدل النمو الاقتصادي، وتنسيقها مع السياسات النقدية والمالية بما يحقق التوازن الاقتصاد الكلي، وذلك تماشياً مع اقتصاد السوق الاجتماعي، إضافة إلى وضع الاستراتيجيات والخطط والبرامج لتنمية وترويج الصادرات وتحسين وضع الميزان التجاري وميزان المدفوعات، ومعالجة الآثار السلبية على الاقتصاد الوطني الناجمة عن تحرير التجارة الخارجية، إضافة للعديد من المهام الأخرى التي تُعنى بالاقتصاد والتجارة الخارجية، والمناطق الحرة والاستثمار، ولكن أين هي وزارة الاقتصاد اليوم من كل ذلك؟

منذ تأسيس وزارة التموين وانتراع التجارة الداخلية من وزارة الاقتصاد راحت الأخيرة تبحث عن دور لها بالاعتماد على سياسات تتغير مع كل وزير يتسلم حقيبة الاقتصاد ويوجه دفتها وفق نهج يناسب توجهاته، فتارة تسعى الوزارة للتوجه شرقاً كخطوة لكسر العقوبات، وتارة تتجه صوب المنشآت والمؤسسات الصغيرة ساعية لدعمها على الرغم من أن ذلك ليس من اختصاصها، ووزير يسمح بالتصدير وآخر يمنعه، وكأن دور الوزارة انحصر بترشيد المستوردات والموافقة على منح إجازات الاستيراد، وغيره الكثيرة من الخطوات التي تخلو من سياسة منسجمة ويغيب عنها النهج الواضح، وكأن وزارة الاقتصاد تحولت للتجريب واستقدام الحلول الخارجية دون مراعاة للواقع السوري، مع تخبط السياسات النقدية للمصرف المركزي.

فلو سلطنا الضوء على السياسات التي اتبعها وزراء الاقتصاد الأربعة خلال سنين الأزمة للحظنا تضاربها وتخبطها، فمن جهته اتجه د.نضال الشعار لإعادة هيكلة الاقتصاد وفق مسارين: الأول استراتيجي لبلورة رؤية واضحة للاقتصاد وصولاً لتحقيق الكفاية الذاتية، والثاني مسار التشغيل، وهو ما يخص كل مواطن من جهة ارتفاع أسعار السلع والمواد وتقلبات سعر الصرف، وأعلنت الوزارة حينها عن قوائم تأشيرية للسلع من خلال اعتماد سعر الصرف في السوق في إطار ضبط الأسعار، وسعى لدعم الصناعة الوطنية، كما اتخذ القرار المثير للجدل المتعلق بتعليق استيراد بعض السلع، ومن ثم العودة عنه في خطوة بينت تباين الرؤى ضمن الفريق الاقتصادي، وبالنسبة لاستقلالية المركزي فبين أنها (كانت مبكرة.. وأدت لانفلات وشخصانية بالقرار).

وفيما يخص الفريق الاقتصادي الذي شُكّل لتقديم الاستشارات الاقتصادية وماذا قدم وعمل في ظل الأزمة، قال الشعار في لقاء مع موقع (نوبلز نيوز): إن مهمة الفريق الاقتصادي واضحة وجلية، وهي حماية الصناعات الوطنية الواعدة، والمهمة الثانية هي الترويج للصادرات السورية خارج سورية، وليس تقديم (الاستشارة) أو أن يكون مستشاراً اقتصادياً للحكومة.

بدوره سعى د.محمد ظافر محبك إلى وضع خطط بحثية للمواد والسلع الغذائية وغير الغذائية، وإعداد سياسات تطوير الأدوات والإنتاجية لرفع كفاءة الاقتصاد السوري، والتركيز على زيادة الإنتاجية وتعزيز القدرة التنافسية، وتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتنظيم اقتصاد الظل وتشجيعه للانتقال إلى الاقتصاد المنظم، ولجأت الوزارة خلال عهده إلى ترشيد الاستيراد لتخفيف الطلب على الدولار ومنع ارتفاع سعره وفق ما صرح به الوزير لصحيفة (الثورة)، وسعت الوزارة لإنشاء خط ائتماني مع دول أخرى شبيه بالخط المقام مع إيران لتأمين احتياجات القطر من المواد الأساسية، ولكنه لم يُفعّل بالشكل المطلوب حتى الآن.

وأكد محبك في أكثر من مناسبة أن الاقتصاد تحول إلى اقتصاد مبني على المعرفة، ومعايير تطور الدول لا ترتكز إلى وجود الإمكانات الاقتصادية الهائلة والمتنوعة بقدر ما ترتكز على الموارد البشرية بالدرجة الأولى، وأشار إلى أن الاقتصاد السوري يسير بذاك الاتجاه رغم الظروف الحالية، وشدد مراراً على تعزيز التنمية في جميع المجالات والبدء بالتنمية الزراعية التي تعتبر مرتكز الاقتصاد، ولكن ماذا فعلت وزارة الاقتصاد من أجل التنمية الزراعية حينها..؟!.

د. خضر أورفلي دعا مراراً لعملية ترشيد الاستيراد، لكنه أكد على دعم الشركات المتوسطة والصغيرة وتشجيعها على المشاركة في المعارض الدولية المتخصصة، ودعا أيضاً إلى تفعيل دور المؤسسات والمديريات وخاصة الخزن والتسويق، كما تم العمل على استكمال إنشاء هيئة وطنية لتنمية وتطوير المشاريع الصغيرة والمتوسطة للعمل وفق استراتيجية التمويل متناهي الصغر في الهيئة المذكورة.

وفي عهده صادق مجلس الشعب على قانون المعاملات الإلكترونية، وعنه بين أورفلي في لقاء مع صحيفة (الوطن) أن القانون يهدف إلى تشريع استخدام الوسائل الإلكترونية في إنجاز المعاملات والتبادل التجاري مع إمكانية استخدام الوسيط الإلكتروني فيها لتحرير أو نقل أو تخزين البيانات والعقود المتعلقة بهذه المعاملات. ولكننا نسأل، كيف تمَّت الاستفادة من ذلك في ظل انعدام الأمن والأمان..؟!

واختتم وزارته بتشكيل مكتب الاستثمار التراثي بوزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية، بغية الإسهام في الحفاظ على التراث الوطني وزيادة مساهمته في الاقتصاد الوطني.

أيضاً دعا لإعادة تفعيل ملف انضمام سورية لمنظمة التجارة العالمية ليختلف بذلك مع الوزير الشعار الذي رأي عدم (أهمية الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية حالياً أو سابقاً أو مستقبلاً).

واللافت أن جميع الوزراء السابقين ركزوا في خطاباتهم ولقاءاتهم على ضرورة تأمين متطلبات الشعب السوري الأساسية، ولكن ذلك لم يكن أكثر من فقاعة إعلامية لم يتبعها إلا التصفيق، وخير مثال على ذلك رفع الدعم عن المواطن الصامد وإرهاقه بقرارات اقتصادية غير مدروسة النتائج الاجتماعية.

مؤخراً تبوأ وزارة الاقتصاد الدكتور الشاب همام جزائري (الخبير)، الذي أكد في أكثر من موضع ضرورة إيلاء الزراعة والصناعة دورهما في الاقتصاد، مركزاً على أهمية تجاوز الأخطاء الماضية لبناء المستقبل، وهنا نعيد صياغة سؤال ونوجهه للجزائري الذي كان طرحه سابقاً من منبر جمعية العلوم الاقتصادية: (هل نعيد إعمار الماضي أم نبني وزارة اقتصاد جديدة متجاوزين كل التناقضات..؟!).

إن الاقتصاد السوري اليوم هو أحوج ما يكون لهوية وتحديد نهج واضح قادر على تجاوز المرحلة الحالية وتلافي منعكسات السياسات السابقة التي فاقمت من معاناة الشعب السوري وعززت التفاوت الطبقي، فازدادت البطالة والفقر والعشوائيات والانفلاش والامتيازات الممنوحة للبعض، وهو ما مس بالتماسك الاجتماعي ولعب دوراً رئيساً في الأزمة الراهنة، فهل نتعظ من أخطاء الماضي ونبدأ من هنا..؟!