الدين والديمقراطية والحكمة

عبد الفتاح الحايل
2014 / 9 / 11

الدين والديمقراطية والحكمة
لكل شخص عاقل طريقته في الإيمان بوجود الله واستجابته للواجبات وللحقوق الدينية والدنيوية. كما أن لكل فرد عاقل طريقته في نفي وجود الله واستجابته للحقوق والواجبات المجتمعية. ومن ثم فلكل شخص تصوره الخاص ومقدرته الخاصة على إيجاد الأجوبة الشخصية عن الأسئلة التي تطرحها الحياة والكون والوعي ككل. وتبعا لهذه المعطيات نجد عدة تشابهات في طريقة التفكير والتصور لدى هذه المجموعة أو تلك.
لكن القاسم المشترك بين هاتين المجموعتين هو حدت القناعة الفكرية التي تحرك كل منهما وتملي عليه تصرفاته...
والخصومة المشتعلة بينهما تكمن في طمأنينة كل منهما لما يحمل في تشعبات فكرية في ترتيب ثقافته وعلمه وتجربته. وهي خصومة كانت وستبقى ما بقي العالم والكون...
فالثقافة والعلم والتجربة تخلق لدى كل فرد نوعا خاصا من التفكير والتصور، تجعل منه مستلبا ومطمئنا لما يحمله داخل فكره من نوع من الثقافة والعلم والتجربة.
فلو وعت كل مجموعة من المجموعتين السابقتي الذكر معنى الحق في الإختلاف ومعنى قيمة حرية التعبير والرأي، لعمت السكينة والطمأنينة والإنسانية والأخوة في كل بقاع العالم...فلو علم كل فرد أن للآخر الحق في التشبث بفكرة وأن للآخرين الحق في لفض ورفض التمسك بفكرة الآخر لانزاحت الخلافات والحروب الدينية والنقاشات العدائية...
لو تيسر ارتفاع الفكر الإنساني إلى هذا النوع والمستوى من المنطق لانزاحت بشكل كبير مظاهر الظلم والعدوان والإستبداد...
وحتى على فرضية ارتقاء الفكر البشري ككل إلى هذا المستوى الإيجابي الحضاري، فمن البديهي أن تتصادم الجماعات والطوائف والتكتلات....لأن هناك مسائل واقعية ودنيوية واقتصادية وثقافية ومصلحية تفرض تجادبا أو تنافرا سلبيا أو إيجابيا...
ولكي تنجلي وتمحي هذه الخلافات الأخيرة الذكر يلزم الجميع الإتفاق مع الآخرين على حد أدنى من قواعد التعايش الإنساني...ومن القواعد الدنيوية التي ابتدعها العقل البشري كحد أدنى ومقياس للتعايش هو فكرة الديمقراطية بمفهومها الحديث وتطورها الإيجابي...
ورغم ذلك فكل جماعة وفئة ترى في الديمقراطية ما لا تراه الجماعة أو الفئة الأخرى أو تتصورها كما لا تتصورها وتسميها الطوائف الأخرى...فالبعض من الناس يسميها الديمقراطية والبعض الآخر يسميها الشورى...
فالديمقراطية والشورة وجهين لعملة واحدة. فهمتا مبنيتان على قواعد لا يمكن الإخلاف العميق في محتواها...ومن ضمن هذه القواعد : حرية التعبير والإعتقادن وحرية التفكير، واحترام حق الأغلبية والأقلية، والإحتكام لصناديق الإقتراع لفرز من يكلفون بتنظيم المجتمع وإدارته وجلب النفع إليه إقليميا أو ووطنيا ودوليا...وغيرها من الحقوق والحريات التي تقابلها مجموعة أخرى من قواعد الواجبات الديمقراطية...هذا مع العلم أن قواعد الديمقراطية الحقة متحركة ومتطورة إيجابيا في الزمان والمكان...
المثال الذي يقتدى به لاستخلاص إيجابيات الديمقراطية بمستواها المتواضع هو التجربة التي تعيشها الدول الأوروبية والغربية عامة...فبفضل الديمقراطية حدد حد أدنى من التعايش والسلم والعدالة بكل روافدها...فالإنسان الأوروبي بدمقراطيته أفرز قوانين اجتماعية منصفة إلى حد معين...والأمثلة على مظاهر منافع الديمقراطية كثيرة ومتنوعة...فالحق في السكن والتطبيب والحد الأدنى للأجر وغيرها من الحقوق والواجبات المسطرة لم تأتي من فراغ؛ بل جاءت بفضل التشبث بالديمقراطية المؤسسة على القواعد السابقة الذكر...
وحين يجهل أو يتجاهل أو ينكر عدد من الناس مفهوم الديمقراطية أوالشورى، تتقوى شوكة كل فريق وتعم الفوضى وتتغلب المصالح الشخصية ويتعمق الخلافات وتثور المواجهات والحروب...وهذا هو حال العالم العربي بكل فصائله السياسية والإجتماعية والإقتصادية...
فوضى عارمة وظلم كثير وثقيل وهضم في عدة مجالات لكثير من الحقوق الإنسانية...والسبب في هذه الظواهر وغيرها هو انعدام الديمقراطية، جهل العديد من الناس معنى وفوائد الديمقراطية...بل البعض يدم الديمقراطية ويلفظها ويستهزئ بمنافعها رغم أنها هي حله الوحيد لنيله لحقوقه...
وما يحدث الآن بمصر هو خير دليل على مدى فهم الجماهير العربية لمعنى للديمقراطية...وكأن طائفة، قلت أو كثرت، من العرب أو غير العرب، من الأحزاب والجماعات من المثقفين والأميين يرفضون الديمقراطية ويحاربونها بكل الطرق المتاحة...جهل غالبية الحكام والمحكومين بالقيمة الحقيقية للديمقراطية يجعل من الشعب العربي شعبا تعسا وشقيا ومظلوما ومستبدا به...هذا مع العلم أن تزوير الديمقراطية وجعلها فقط واجهة بدون مضمون حقيقي، هو أيضا نوع من الجهل والتنكر لمبادي وقواعد الديمقراطية...
وبدون ديمقراطية سيستمر الظلم والعدوان والنهب لخيرات الشعوب بالعالم العربي الإسلامي ...لأن الديمقراطية هي الحل الوحيد لحد الآن ولا بديل عنها...
ومن ثم فرجل الدين ملزم باحترام الفكر الإلحاذي، والعكس صحيح أيضا. ودعاة العلمانية هم أيضا ملزمون، في نطاق احترام قواعد الديمقراطية، باحترام من يحبذ خلط الدين بالدولة...وعلى كل الناس أن يتيقنوا بأن لكل قناعاته الخاصة في الدين والسياسة والإقتصاد وغيرها من المجالات... وأن الحد الأدنى للتعايش هو احترام قواعد الديمقراطية...أما أن يكفر المتدين للملحد أو العلماني أو الإشتراكي فهذا نوع من الإقصاء الذي لا ينسجم وقواعد الديمقراطية...وأن من يسفه ويهمش ويحتقر من تدين فهو غير منسجم أيضا مع قواعد الديمقراطية...فالديمقراطية الحقة لها صدر رحب لتقبل رأي كل الناس واحترام حرية التعبير والإعتقاد...فهي الحد الأدنى للتعايش بين الناس على اختلاف قناعاتهم...