ثنائية الصمود والهروب في قصة - ورقة من غزة - لغسان كنفاني

عمر عتيق
2014 / 9 / 1


من التقنيات الفنية في الخطاب السردي ، وبخاصة في القصة القصيرة الاستهلال الذي يعد منبّها دلاليا ونفسيا ينبغي أن يكون مشحونا بطاقة تُفضي إلى تشويق المتلقي وفتح شهية المتابعة ؛فالاستهلال أو البداية في قصة ( ورقة من غزة ) جاء لافتا ومشوقا بسبب خروجه عن المألوف للمعمار الفني للقصة القصيرة ؛لأن توظيف الرسالة في بداية القصة كأسلوب سردي يضاعف من يقظة القارئ ، لما تحويه الرسالة في الموروث الثقافي من خصوصية وأخبار شخصية ، ومن البدهي أن معظم الناس يرغبون في الاطلاع على خصوصيات غيرهم ، ولهذا جاء الاستهلال تقنية فنية لافتة وشائقة .
وفي القصة شخصيتان رئيسيتان وهما السارد الذي غاب اسمه وراء ضمير المتكلم ، وشخصية "مصطفى " . وشخصية ثانوية وهي شخصية "نادية" . والشخصيتان الرئيسيتان تشكلان ثنائية فكرية ،بل تجسدان صراعا وسجالا ثقافيا مستمرا منذ عقود ..إنه صراع بين شريحة من الشبان يمثلهم مصطفى الذي اختار الهجرة إلى أمريكيا وأوروبا حيث "الماء والخضرة والوجه الحسن " هروبا من الوطن الذي يعاني من ويلات الاحتلال ، وهروبا من واقع مفعم بالإحباط والقهر والتنكيل ،بل هروبا من أفق مسدود وأحلام مصلوبة على جدار الانتظار . فشخصية مصطفى ليست حالة فردية ، وإنما ظاهرة ثقافية سوداوية آثرت الهجرة على البقاء في الوطن ، وتطلعت إلى الدعة والمال ،وتناست أخلاقيات المواطنة وأبجديات الصمود والرباط والصبر على ويلات الاحتلال .
وأما شخصية السارد الذي تقنع بضمير المتكلم فهو ليس حالة فردية أو صديقا لـ مصطفى كما يبدو في أحداث القصة ، وإنما هو كل فلسطيني آثر البقاء والصمود على هذه الأرض ، هو يجسد الغالبية القابضة على الجمر ، والمرابطة في خنادق المقاومة وميادين المواجهة ، ولهذا غاب اسم السارد ؛لأنه يمثل الفلسطيني الصامد الصابر. وأما شخصية " نادية " التي لم تظهر إلا في نهاية القصة فهي عصب الحدث ، وجوهرة السرد على الرغم من قصر دورها السردي فهي رمز المقاومة ، وعلامة سيميائية للفداء والتضحية حينما فقدت ساقها عندما ألقت بنفسها فوق أخوتها الصغار تحميهم من القنابل واللهب .... كان يمكن لناديا أن تنجو بنفسها، أن تهرب.. أن تنقذ ساقها، لكنها لم تفعل.! إن اختيار الكاتب الكاتب لشخصية " نادية " لتكون رمزا للفداء والتضحية ، وتحديد عمرها بثلاثة عشر عاما يختزل تفاصيل الجرائم التي يرتكبها الاحتلال ...هذه الجرائم التي تحصد أرواح الأبرياء ، وتفتك بأطرافهم ...ولأن غطرسة الاحتلال لا يغيّرها مرور الزمن فإن قصة(ورقة من غزة ) التي كتبها غسان كنفاني قبل عشرات السنين هي قصة غزة الآن ..غزة المقاومة والجريحة ، وشخصية نادية قبل عشرات السنين هي الأطفال الشهداء والجرحى الذين بُترت أطرافهم . ولو تعمدنا حذف عنوان القصة واسم كاتبها لتوهم القراء أن القصة كُتبت قبل أيام أثناء العدوان على غزة ، وأن نادية من جرحى الحرب القائمة .
وفي القصة ثنائية مكانية (الكويت وغزة ) ، أما الكويت فهي المنفى والغربة والاغتراب والاكتئاب والعبثية والشعور باللامعنى ، حياة فارغة من طموح وهدف سوى انتظار الراتب آخر الشهر ، وما أصعب أن يحيا الإنسان في مكان لا تربطه فيه سوى حفنة من المال في نهاية الشهر ، وطول الشهر لا إحساس بالمواطنة والكرامة والحرية . ويصف السارد حياته في الكريت بقوله: (كانت حياتي دبقة، فارغة، كمحارة صغيرة. ضياع في الوحدة الثقيلة، وتنازع بطيء مع مستقبل غامض كأول الليل، وروتين عفن، ونضال ممجوج مع الزمن، كل شيء كان لزجاً حاراً، كانت حياتي كلها زلقة، كانت كلها توقا إلى آخر الشهر!) .
أما المكان الثاني فهو(غزة) التي عاد إليها بطل القصة (السارد ) من الكويت(المنفى ) بعد أن آثر لهيب نيران الاحتلال في الوطن على بريق المال والذهب في الغربة.
واللافت أن غزة المكان قد شهدت تحولا دلاليا ووجدانيا ؛فقد بدت غزة حينما وصلها بطل القصة مكانا مغلقا محاصرا مقفرا ..مكان يكاد لا يصلح للحياة الآدمية ، ولعل وصف الكاتب أبلغ في رسم المشهد المأساوي في قوله (وجدت غزة كما تعهدها تماماً: انغلاقاً كأنه غلاف داخلي، ملتف على نفسه، لقوقعة صدئة قذفها الموج إلى الشاطئ الرملي اللزج قرب المسلخ، غزة هذه، أضيق من نفس نائم أصابه كابوس مريع، بأزقتها الضيقة، ذات الرائحة الخاصة، رائحة الهزيمة والفقر، وبيوتها ذات المشارف الناتئة.. هذه غزة) ، ومن المرجح أن السبب الذي دفع الكاتب إلى رسم هذه الصورة المكانية القاتمة والمأساوية لغزة أنه كان عائدا من الكويت حيث الحضارة العمرانية بأبنيتها الشاهقة ، وبيوتها الفارهة ، وشواطئها النظيفة الجذابة ، ومن البدهي أن يكون هذا الانتقال والتحول من بيئة مكانية إلى أخرى مختلفة بتفاصيلها انتقالا مذهلا وصادما .
وبعد عودة الكاتب من زيارة "نادية " في المشفى تتحول دلالة المكان ، وتتغير دلالات الجغرافيا المكانية لغزة ..تتحول من صورة قاتمة إلى صورة مشرقة ، ومن مكان مغلق ومحاصر إلى مكان فسيح يحمل بشرى العودة إلى مسقط الرأس (صفد) ، لقد أصبحت كومة الحجارة في حي الشجاعية رمزا للنكبة بدلا من دلالتها على الخراب والدمار ، وأضحى الزقاق الضيق بداية مبشرة للعودة إلى فلسطين التاريخية كما يتجلى في قول الكاتب : (كانت غزة، يا مصطفى، جديدة كل الجدة، أبداً لم نرها هكذا أنا وأنت: الحجارة المركومة على أول حي الشجاعية، حيث كنا نسكن، كان لها معنى كأنما وضعت هناك لتشرحه فقط، غزة هذه، التي عشنا فيها ومع رجالها الطيبين سبع سنوات في النكبة كانت شيئاً جديداً، كانت تلوح لي أنها.. أنها بداية فقط، لا أدري لماذا كنت أشعر بأنها بداية فقط، كنت أتخيل أن الشارع الرئيسي، وأنا أسير فيه عائداً إلى داري، لم يكن إلا بداية صغيرة لشارع طويل طويل يصل إلى صفد.)
وفي سياق هذا التحول المكاني ... تحول دلالة غزة يحاول الكاتب أن يكشف عن السر الخفي الذي يكمن وراء ارتباط الإنسان بالوطن على الرغم من ويلات الاحتلال ، فيطرح الكاتب سؤالا وجوديا في قوله : ( لكن ما هي هذه الأمور الغامضة، غير المحددة، التي تجذب الإنسان لأهله، لبيته، لذكرياته، كما تجذب النبعة قطيعاً ضالاً من الوعول، لا أعرف!) . حقا ما الذي يجعلنا نتمسك بـ"مكان" مسكون بالموت والخوف والترقب والمعاناة ؟ ونترك مكانا في المنفى مسكونا بالرخاء والنعيم والمال الوفير ؟ أرى أن هذا السؤال الوجودي هو رسالة القصة وغايتها الفكرية .
كما أزعم أن سبب التحول في دلالة المكان في غزة يرتبط بالشعور بالعنفوان والكبرياء والكرامة والقوة والصمود المستمد من رؤية " نادية " التي بُترت ساقها بعد قصف الاحتلال لبيت عائلتها ، فهذه الفتاة بل الطفلة التي لم يتجاوز عمرها ثلاثة عشر ربيعا تبدو أميرة ملهمة قديسة مكابرة صامدة في سرير الشفاء ، فقطع ساقها لم يؤثر في عزيمتها وسكينتها ، فهي نموذج للتعالي على الجراح كما يصفها الكاتب بقوله : (كانت ناديا مستلـقية على فراشـها، وظهرها معتمدا على مسند أبيض انتثر عليه شعـرها، كفـروة ثمينة، كان في عينيها الواسعتين صمت عميق، ودمعة هي أبداً في قاع البؤبؤ الأسود البعيد، ووجهها كان هادئاً ساكناً، لكنه موح كوجه نبي معذب، ما زالت ناديا طفلة، لكنها كانت تبدو أكثر من طفلة، أكثر بكثير، وأكبر من طفلة، أكبر بكثير..)
وعلى الرغم أن القصة قصيرة ، ومحدودة في مساحتها السردية إلا أنها تحوي زمنا مكثفا ومتشعبا ومتداخلا ومتكسرا ؛ فزمن الحدث فيها يتخذ مسارات عدة ؛أولها : زمن كتابة القصة ، وهو زمن ثابت .) وثانيها : زمن استرجاعي حينما يودّع السارد صديقه في المطار إذ يتذكر الكاتب الحوار الأخير بينه وبين صديقه الذي آثر الهجرة هروبا من تفاصيل الحياة المؤلمة في الوطن . 3- زمن مكوث الكاتب في الكويت حيث كان يعمل 4- زمن عودة الكاتب إلى غزة . ويشكل هذا الزمنان البؤرة الدلالية والفكرية للقصة ؛لأن هذين الزمنين يجسدان عودة اللاجئ إلى الجزء المتاح من الوطن . وفي هذا الفضاء الزمني المكثف والمتعدد يجد القارئ تفاصيل التغريبة الفلسطينية ، وأبرز محطات المعاناة . ولا يخفى أن تنوع مسارات الزمن يضفي على القصة متعة وإثارة بخلاف المسار الزمني الرتيب الذي يخلو من انعطافات زمنية .