محاكمة-يناير-.. لا نظام الفساد والاستبداد

محمود عبد الرحيم
2014 / 8 / 13

منذ مدة لم اعد احتمل الترهات التي تجرى في محاكمة الديكتاتور العجوز مبارك وعصابته، وتلك المسرحية السخيفة المزيفة للتاريخ والمصطنعة لوقائع مثيرة للغثيان، لكن للأسف بالصدفة فوجئت وانا اتنقل بين قنوات التليفزيون بمرافعات مجرمي أسوأ جهاز أمني في المنطقة معروف بأنه آلة السلطة القمعية، فضلا عن انتهاكاته الممنهجة لحقوق الإنسان لسنوات ممتدة، وفق عديد من تقارير المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، واضطررت للمتابعة وان أراهم يقدمون أنفسهم كضحايا، بل أبطال وطنيين قاموا بانجازات لحماية الوطن في وجه التخريب ومحاولات هدم الدولة كما يحلو لهم استعمال هذه المفردات البديلة عن محاولة هدم النظام الفاسد المستبد التابع، والتخلص من حكم يمارس التدمير الممنهج لمصر بالفعل على كل المستويات، ورهن إرادته للخارج ومد يده للعدو واتخذه حليفا.
وللأسف ما يجري ليس مستغربا، ففي بديهيات الثورات، إن الثورة التي لا تنتصر تنهزم، ولا يوجد وهم، كما يردد الأغبياء، اسمه"الثورة مستمرة"، والثورة التي لا تهدم نظاما وتقيم نظاما بقواعد جديدة مغايرة وفلسفة جديدة مناقضة، تسمح بإعادة الوضع بأسوأ مما كان، والثورة التي لا تحاكم السلطة التي خرجت عليها، تتعرض هي ذاتها للمحاكمة بل والتشويه وتزييف التاريخ الذي يكتبه المنتصرون ومن بيده صولجان السلطة وعصا القوة، وهو ما يحدث بالفعل. الأكثر من هذا أن الثورة هي تغيير جذري سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وفي علاقات القوى في المجتمع، وطالما هذا لم يحدث، فمن الصعب توصيف ما جرى أنه ثورة وإنما انتفاضة لا تختلف كثيرا عن انتفاضة يناير1977 التي احتواها الجنرالات أيضا، والتي ماتزال مثار جدل تاريخيا، ويراها البعض "انتفاضة خبز" والبعض يزعم أنها "انتفاضة حرامية" أو غوغاء، وثمة من يراها حجمت نفوذ السادات لصالح المؤسسة العسكرية، وآخرون يعتقدون أنها ضخت الدماء أكثر في شرايين السلطة، وأسفرت عن جيل محبط أو خرج من ساحة النضال، وكانت تمثل أيضا فرصة حقيقية ضائعة للتغيير وإزاحة ذات نظام الفساد والاستبداد والتبعية الذي أسسه السادات ومازال مستمرا حتى اللحظة.
وإن كان مفهوما أن النظام يحمي نفسه، ويقمع معارضيه وينسف تلك المرحلة المستقطعة من تاريخ مصر، فاللوم ليس عليه فقط، بل أن من يستحق المحاكمة مع مبارك وعصابته، جميع المتصدرين لمشهد المعارضة، وأولهم الإخوان الذين تحالفوا مع الجنرالات للوصول للسلطة بتخطيط أمريكي ودعم إقليمي لوقف المد الثوري عند مرحلة الانتفاضة، وعدم تطورها لثورة حقيقية، وأيضا تواطؤ وغباء وانتهازية كل القوى السياسية من أقصي اليمين إلى أقصى اليسار.
ولو كانت توحدت الإرادة الوطنية بشكل حقيقي لتم هدم النظام وتطهير كل المؤسسات وإعادة بناء مصر الديمقراطية المدنية الحديثة، وليس إبقاء دولة القمع والاستغلال وامتهان الكرامة مستمرة وتستعيد عافيتها أكثر.
لا أدرى متى وكيف يمكن أن تحدث الثورة في مصر، ولا أبدو متفائلا بحدوث تغيير في المدى المنظور، لكن حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، علينا أن نواجه أنفسنا بالحقيقة المرة، ومراجعة أخطائنا، وتسمية الأشياء بأسمائها، وعدم المبالغة في تقدير الانجاز الثوري الذي قمنا به في يناير2011، وضبط المصطلحات، والخروج من دائرة الجدل حول كونها ثورة أو انتفاضة، ومستمرة أو لقت حتفها، وبالطبع ليست مؤامرة، كما يزعم أبناء مبارك وشبكة مصالحه الفاسدة، وإن كانت مؤامرة فهي على التغيير وعلى منع إسقاط نظام يقدم نفسه كوكيل إقليمي لواشنطن وشرطة حراسة للصهاينة وللرأسمالية المستغلة المتوحشة.
فهذا المراجعات تبدو حتمية، ومنطلقا جيدا يمكن البناء عليه، وعلي الأقل حتى لا نخدع أنفسنا والأجيال القادمة، وكي نتعلم الدرس، ولا نسقط مرة أخرى في ذات الفخ أو بالأحرى تلك الهوة التاريخية السحيقة.
*كاتب صحفي مصري
Email:mahmoudreheem@hotmail.com