شموخ غزة وأمراء الذلّة

ناظم الديراوي
2014 / 7 / 26


إرهاب الكيان الصهيوني المستمر، منذ أكثر من ستين عاماً، ضد الشعب الفلسطيني وأقداسه وثرواته وأملاكه ودوائره الحكومية والشعبية، وصموده الأسطوري على ترابه الوطني بوجه أعتى وأبشع قوة إرهابية حكومية في العالم، ما عرف تاريخها السياسي والعسكري غير السطو والاغتصاب ومصادرة أملاك مَنْ هم ليس من ملتهم (أغيار)، عنوانان ملازمان لتاريخ الأرض المقدسة المعاصر. وما كان الأول منذ عهد الانتداب البريطاني غير سياسية صهيونية عدوانية لفكر عنصري راكد قاطع مد الحوار الحضاري وتآلف الثقافات والأديان السماوية.، وتعامل أصحابه(مستوطنو المحاجر اليهودية)، أينما حلّوا، مع الأسطورة والخرافة وكأنها الواقع بذاته، وعليها أقاموا شرائع حروبهم ومعاملاتهم الدينية والدنيوية مع أقوام عاشوا بينها، دون مسؤولية كبيرة تجاه تاريخ طويل من العشرة والمصير المشترك في البلاد العربية والإسلامية وفي الغرة منها أرض التجسد والقيامة، مُنى أفئدة المؤمنين التي رامت إلى أن تكون فردوس الأديان السماوية على الأرض، تستنشق منه طيب الإيمان وتحفل بفضائل الجود والعدل والرحمة.
بلا شك، أن تلك السياسات العنصرية المُبطنة بغضاً وكراهية للآخر، ألحقت أضرراً جسيمة بالنص الإلهي، وأفرغت الوصايا العشر، عن عمد، من مضمونها السمح والعادل على أرض الرسل والأنبياء (لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً. لأن الرَّب لا يُبرئ مَنْ نطقَ باسمه باطلاً.. لا تقتل. ولا تَزْنِ. ولا تسرقْ.. ولا تَشهدَ على قرِيبك شهادةَ زُورٍ..،). تُرى أين اليهود الصهاينة وحماتهم (البيوريتانيون الجدد) من هذه التعاليم الربانية في تعاملهم مع أهل فلسطين ومقدساتها؟، ألم يحرقوهم أطفالهم وشيوخهم بالنار وهم أحياءً (وكأنهم أصحاب الأخدود)!، وأين قدسية هذه الوصايا، التي يرددها كل يهودي مؤمن بل ونصراني في الصلاة والابتهالات، ويستندون إليها في التبشير الديني والأعراف الاجتماعية والتعامل مع أتباع الديانات السماوية، مما يفعلون اليوم بأطفال غزة هاشم البررة وآبائهم وأمهاتهم وبيوت الله في رمضان أقدس أشهر المؤمنين!.
والغريب، أَنَّ النصرة لم تبلغ أهل غزة ومؤمني فلسطين أجمعين، بل لم يصل مسامعهم ولو استنكار وإدانة هذا العدوان الفاشي الجديد، لا من (خادم الحرمين الشريفين وديوانه السامي!) ولا من خادم (الهرمين العريقين!)، ولا حتى من (أمير ومولى المؤمنين وال بيته أجمعين!)، الذي ينعم ببركات المستشارين والسياح (الإسرائيليين)! ولا من (سليل بني هاشم وبلاطه وأشرافه الميامين!)، واليهود الصهاينة يدكون قبر (جد بني أبيه) بالنار والحديد! ، ولم نسمع عن استنفار (بني داعش) ألويتهم، و(بني النصرة) كتائبهم للجهاد المقدس لتحرير أولى القبلتين وثالث الحرمين وفرض الجِّزية على اليهود في فلسطين!، كما لم نسمع شيئاً عن الدعم العسكري والتعبوي، من قادة وممولي الثورات العربية التي ذهلت العالم بقدرتها على تدمير وتخريب المعالم الحضارية وما بنته أجيال العرب السالفة والحالية، والمنظمات (الإسلامية) الإرهابية وموهبتها الفذة وقدرتها الفائقة في إبادة المسلمين وتشويه تعاليم ديننا الحنيف، وفي هذا فاقت أعداء الإسلام أجمعين! هذه المنظمات التي يأنس ممولوها الأتقياء ومقاتلوها الأشاوس وأتباعها الأشد ولاءً! بذبح ورجم المؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله والقضاء والقدر واليوم الآخر والناهين عن الفحشاء المنكر، للمدافعين عن تراب غزة وعزة وكرامة أهلها، بل وكرامة العرب والمسلمين أجمعين،إن بقي لنا منها شيئاً بعد كل هذا الذل الذي نحياه، ونحن نرى أطفالاً بعمر الزهور يحترقون أحياءً بنار الصهاينة، وحكامنا العرب من (جلالة الملك المعظم! وسمو الأمير المفدى ! حتى سيادة الرئيس القائد!) يصرفون مئات المليارات سنوياً لشراء الأسلحة الفتاكة وإعداد الجيوش الجرّارة للاستعراضات العسكرية لا غير! عفواً وأيضاً للاقتتال العربي- العربي لتحرير المدن العربية من ساكنيها ومعالمها الحضارية! فهذا هو الجهاد المقدس يا سادتي بعينه! في عُرف فقهاء ومفتيي ومشايخ الحكام الجدد! وليس في جهادهم من مكانة للدفاع عن أقداس ومكارم المسلمين وأطفالهم ونسائهم وكهولهم في غزة وفلسطين الذين يتعرضون لإبادة جماعية، بل لا يرون في سفك دماء المسلمين الأبرياء منكراً!. يا لبؤس وذلة أمتنا وفقهائها!.
والمرعب حقاً ما نشره الكاتب البريطاني الشهير ديفيد هيرست، الذي التقينا به في بيروت وقبرص بداية ثمانينات القرن الماضي، من أَنَّ (العدوان الإسرائيلي على غزة جاء بمباركة دولية وإقليمية من دول على رأسها مصر والولايات المتحدة والسعودية). وما قاله وزير حرب الكيان الصهيوني السابق شاؤول موفاز إن (السعودية والإمارات لهما دور في مسعى نزع سلاح حماس..، وإن أموال السعودية والإمارات المخصصة لإعادة بناء غزة ستستخدم فقط بعد نزع أنياب حماس). وليت تصريح مسؤول الدائرة السياسية والأمنية في وزارة حرب الكيان الصهيوني عاموس جلعاد، الذي وصف فيه التعاون الأمني بين الكيان الصهيوني من ناحية، ومصر ودول خليجية من ناحية أُخرى ب" الفريد من نوعه"، محض (هُمَزَة لُّمَزَة) كي تظل (شعرة معاوية) بين هذه الأنظمة والجماهير العربية والإسلامية قائمة وإن في وضعها الأضعف!، ولكن ما تخفيه كلمات الصهيوني جلعاد أخطر بكثير مما هو معروف عن علاقات تلك الدول بالكيان الصهيوني؛ (كل شيء تحت الأرض ولا يوجد شيء معلن، هذه هي الفترة الأفضل في العلاقات الأمنية والدبلوماسية مع العرب). وكشف ديفيد هيرست أَنَّ (مسؤولين من الموساد والاستخبارات السعودية يجتمعون بصفة منتظمة)!. والأفظع من كل هذا ما كتبه هيرست؛(ليس سراً في إسرائيل أنّ الهجوم على غزة أتى بمرسوم ملكي سعودي.) !.
هل من المعقول، وبعد كل هذه الجرائم البشعة التي يرتكبها الكيان الصهيوني في غزة وبل وفي عموم فلسطين ولبنان،أن لا يوجد بين آلاف الطيارين العرب طيار شهم يعلو بطائرته، ولو لينتحر في سماء القدس أو في حيفا أو في يافا أو حتى على مشارف غزة الأبية، ليعيد فينا شيئاً من النخوة العربية!، آه يا لعارنا المشين! ونحن نتفرج على جرائم قوات الاحتلال الصهيوني ضد أزهار فلسطين، الذين قتل الإرهابيون اليهود أحلامهم، وحروقهم أحياءً مع أهلهم بالنار!. لا أدري يا أهلنا المجاهدين في غزة، ما الذي يمكن أن يحرك ضمائر الحكام العرب (أسوأ وأخنع جيل حاكم عرفه مجمل تاريخ الدول العربية والإسلامية) وعساكرهم الجّرارة لإيقاف هذه الإبادة الجماعية، أكثر من تلك المحارق الجماعية التي يرتكبها حكام الكيان الصهيوني ضد شعب بأكمله؟، والعار أن هذا الموقف المشين للحكام العرب ما هو بجديد اليوم. وهنا أستذكر تلك الأشهر الثلاثة العصيبة من صمود بيروت الكرامة صيف عام (1982)، وتخاذل الحكام العرب في نصرة المدافعين عنها وأهلها حتى أنهم لم يستعجلوا عقد قمة عربية لإنقاذ المدينة من إرهاب (ريغان وبيغن وشارون وشامير وقوات الكتائب اللبنانية و...)، ويومها سخر الشاعر الكبير محمود درويش وبألم من تهادن أولئك الحكام فقال؛ (غداً سيلتقي كُل الملوك بأنواع الملوك، من العقيد إلى الشهيد، ليبحثوا خطر اليهودِ على وجود الله!)، اعتمدت في نقل هذا النص على ذاكرتي. والمذهل حقاً، أن دولة الحرمين الشريفين اعتبرت، يوم ذاك، الملك خالد بن عبد العزيز شهيد بيروت! لأنَّ (جلالته) مات كمداً على مآسي المدينة ومعاناة أهلها، وليس من الأمراض المزمنة التي كان يعاني منها! يا سبحان الله!. ليته، رحمه الله، قبل (استشهاده المدوي!) أرسل إلينا بطارية صواريخ أو كتيبة مشاة مع حزمة بنادق، أو حتى ملابس واقية للرصاص من تلك المكدسة في مخازن الحرس الوطني!،عملاً بقول الرسول الكريم (من رأى منكم منكراً فليُغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)!. تُرى هل يحسب (حُماة ورعاة!) المسلمين أن ما يجرى من عدوان غاشم على غزة هاشم منكراً يجب التصدي له؟. أم أن تعاليم نبينا الكريم لا تسري على الكيان الصهيوني وأتباعه والموالين له حسب عرفهم الديني والدنيوي؟. يبدو أن فتوى الجهاد لنصرة أهل غزة المظلومين من عدمها، في مصابهم الجلل هذه الأيام، لا تدخل في علوم وصلاحيات فقهاء المسلمين! فالحرب على غزة اليوم ليست كما الحرب في بلاد الشام أو على أرض الرافدين أو في ربوع لبنان، فالكيان الصهيوني لم يعد منذ حصار بيروت عام (1982) عدواً للنظام العربي الرسمي من مملكة (خادم الحرمين الشريفين) إلى مملكة (أمير ومولى المؤمنين)!.. اللهم انصر أهالي غزة فليس لهم على هذه الأرض المقدسة سوى رحمتك ونصرك المبين، في أيام نزول قرآنك العظيم، واخذل من خذلهم إلى يوم الدين!. آمين يا ربَّ العالمين!.