و تلك قصة أخرى

عبد العاطي جميل
2014 / 7 / 13

.......
و كعادته ..
يجر كرسيه قبالة الصومعة في انتظار الآذان ..يطيل النظر في المارة .. ينفث دخانه بعيدا عن وجهي في هدوء حكيم .. لا يتكلم إلا لماما ..
كعادته ..
أخرج كتابا لا أذكر أكان رواية أم ديوان شعر ؟؟ في يده قلم الرصاص أذكره فاحما من النوع الجيد ..
و ليس كعادته ..
يتردد في سرد حكايته الخاصة .. ربما لأنه خجول زيادة .. لكنه يثق ثقة عمياء في قدراتي الخارقة على كتمان الأسرار ، وعدم التدخل في الحياة الشخصية العاطفية والدينية أيضا لأي كان ..
و أخيرا ..
تنفس الصعداء ، ثم استوى على عرش السرد ، فقال لي :
" أخي ناصر .. سأحدثك عما بي من وله أرقني فأضاعني ، فبت شاردا .. لا أفكر في شيء إلا فيها هي ..
وباختصار شديد : اسمها نعيمة و ينادونها " الحاجة " .. متزوجة ، دون أبناء ، محترمة طبعا ، و تكبرني بسنتين أو أكثر قليلا .. حركاتها ، نظراتها ، كلماتها .. كل شيء فيها يغوي ، ويحرضني عليها .. كأنها سيف مسلط علي .. أينما حللت أو ارتحلت تطاردني صورتها العفوية .. أعرف أنها في قرارة نفسها تتمنى لو ... لكنها لا تقوى على ذلك .. وهي تعرف أنني أعزب و لا أقوى على التقدم نحوها خطوة زائدة .. يمنعني زواجها ، وخجلي ...
فكيف خلاصي ، أخي ناصر ؟؟؟ .. أنا لا أشتهي غيرها الآن ، و لا أحس بالأخريات يحمن حولي كما الفراشات حول نار إبراهيم الباردة .. كأنهن لا يعنينني أو يقصدنني.. أتغابى ، أتجاهل ، أتغافل عما يصدر منهن نحوي .. وللحقيقة سمعتي الطيبة تسبقني .. فيطمعن في الفوز بي ..( خاصة وأن أزمة الزواج قد استفحلت في صفوف الموظفين والموظفات على حد سواء ... هذي الأيام ) ...
معجب بعطرها كنت وما أزال .. ملامحها الخضراء تتسرب إلى كتاباتي شيئا فشيئا .. أقتنص بعض صفاتها الوردية ، أصبغها على شخصياتي المركبة والهجينة ، بحيث لا تطابقها طبعا اسما وسنا ..
معجب بجسدها كنت ولا أزال .. تكفيني نظراتها ، أحاديثها .. ربما لا أطلب أكثر من ذلك .. يصيبني التعب كلما حلت عطلة في المناسبات الوطنية والدينية الكثيرة حد القرف ، والتي بت أكرهها ، تبعدني عن من أحب ، وتشقيني ...
معجب إخلاصها لزوجها .. مع احتمال كبير بعدم إخلاص زوجها لها بنفس الحماس واللباقة ... "
استقام في جلسته .. شعرت أنه ينتظر مني أن أحكي له عن تجربتي في الحب .. وهو لا يعرف أن ظروفي مختلفة عن ظروفه .. لا يعلم أن التي أهوى تصغرني .. و أنها قد أنجبت .. وأنها قد أجهضت قبل الولادة وبعدها .. وتلك أشياء لا أحكيها .. و لا ينبغي لي ذلك ..
أشعل سيجارته .. وكأنه يترقب تعليقاتي ، تدخلاتي المعهودة في القراءات الفنية والأدبية والسياسية الداخلية .. و كأن على رأسي الطير ، التزمت الصمت لأفسح له المجال لتدفق البوح دونما انقطاع .. يقرأ في عيني اهتمامي به ، وإصغائي له ، ورغبتي في المزيد من معرفة قصته التي طالما كتمها في دواخله .. وكأنه اغتنم فرصة تواجدي وحيدا في المقهى ، وغياب باقي الأصدقاء .. فأصر على الانطلاق في السرد المتاح .. يرسم التفاصيل اللذيذة والوقائع والأمكنة والأشياء كخبير كما يحسها و يشمها و يتذوقها و يتخيلها و ربما كما شبه له ..
أوقفت قراءتي طبعا ، و تفرغت لإيقاعات صوته الحائرة و العاشقة تخترقني .. وقد كانت رغبته أكيدة في أن يجرني إلى أن أشاركه النازلة ليس بالصمت وحده لكن ، بإفراغ ما في جعبتي وعلبتي السوداء من خبايا وخفايا و لو كانت فقيرة مثلي .. ربما يعرف أني سأنصحه باحترام المسافة بينه وبينها ، ولن أحرضه على مغامرة غير محسوبة العواقب ، خاصة وأنا أحرس كثيرا ، وأخاف كثيرا أن أحيا الوضعية التي انوجد فيها دون إرادته و قد استحلى عذاباتها و استعذب هواجسها واحتمالاتها وافتراضاتها التي بات يعيشها ليل نهار، ونهار ليل ...
كعادته ..
كان حريصا على عدم عرض ما يكتب .. كان يختار الأصدقاء الذين يثق في ذوقهم و في ملاحظاتهم الأخوية البعيدة عن التعالي والتعالم .. يعرض في حياء ما يكتب و قد كان أنيقا و لبقا في عباراته وإشاراته في شطحاته و انزياحاته .. يستطيع أن يلعب بذهن قارئه ، يكسر أفق انتظاراته .. فلا خطوط حمراء و لا حدود لمدى خيالاته العازبة والحالمة والعذراء ...
و كعادتي ..
أصغي إليه باهتمام زائد .. وهو جدير بذلك .. يتفوق علي بأسلوبه وخياله ومهاراته و في مواقفه أيضا ..
لكنه ينكر ذلك علي .. أقسو عليه أحيانا كعادتي مع باقي الأصدقاء ، قسوة المحب ، و بتواضع جارح أحيانا ...
رشف من كأسه جرعة قهوة ، ثم استرسل في الكلام :
" ... لقد وجدتني هذي الأيام أهتم بمجلات النساء و بأمور الطبخ والأبراج .. أتقرب إليها .. أظهر لها معرفتي بهذه الأمور المعيشة واهتمامي بها في نفس الآن .. صرت أتردد على الراديو أتابع البرامج التي تحب .. كنت مدفوعا إلى أشياء لم تكن من انشغالاتي و قد تعلمت كثيرا .. أشعر أن للمرأة طاقة كبيرة وقوة هائلة على الإقناع و على المحبة أيضا .. المرأة مدرسة فعلا .. فلماذا يخافها الرجال ، وخاصة الفقهاء ..؟؟؟ ...
كانت تبغض الحديث عن السياسة .. وهي مناضلة سابقا في صفوف الحركة الطلابية .. نشيطة بجمالها بإقدامها .. تلقت الضربات .. فأعلنت الحياد .. فأقبلت على الزواج مباشرة بعد توظيفها .. وما يحز في نفسي أني أشعر أنها لم تتزوج عن تجربة حب .. ربما تزوجت كرد فعل ضد مرحلة صعبة عاشتها و ترغب في أن تطويها دونما رجعة .. ربما تبغي التخلص منها . لكنها ظلت موشومة بها من خلال مواقفها الجريئة في العمل ومشاركتها في الإضرابات المتعاقبة التي تدعو إليها نقابة يسارية .. كانت واضحة وشفافة و حاسمة .. لا يتجرأ عليها أحد .. عنيدة حد السكر و عاشقة للموسيقى الفيروزية ولأغاني الشيخ إمام .. وهي لا تترد أحيانا في ترديد مقاطع من أغاني أم أكلثوم وخاصة " سيرة الحب " تقف كثيرا عند قولها : " ... وعزة نفسي منعاني .. " .. أخالها تقصدني .. و ربما فعلا تقصدني .. و مثل هذي الإشارات والتنبيهات تؤجج نار الحيرة ودماء الرغبة في عروق وقتي كله ..
كانت تخصص لي هامشا ضئيلا نتبادل فيه الحديث عن الآخرين .. نعبر فيه عن عواطفنا وآرائنا و مواقفنا بتحفظ .. لأننا كنا نبعد كل ما هو ذاتي وخاص في حديثنا فندعي الموضوعية والمثالية و ربما نتقمص شخصيات نحبها وهي نادرة على أية حال .. وبعيدا عن الساسة والسياسيين ..
أشعر أنها معجبة بآرائي المشبعة بالمرجعيات الإنسانية في قضايا المرأة و حقوق الإنسان ، و المتجاوزة للمحلية و وهم الخصوصية ، التي أنعتها بحصان طروادة ... و كانت تتلهف لقراءة ما أكتب من قصص . فتسأل عن الجديد و كأنها تبحث عن ذاتها فيما أكتب .. و قد كنت أخيب ظنها . فشخصياتي لا تشبهها ، أكثر فقرا وتهميشا ، تحيا بعيدا عن المجتمع الاستهلاكي الذي تعشقه ولم تكن كذلك من قبل .. شخصياتي غير محايدات و ربما متطرفات في مواقفهن .. بينما هي بدأت تنجر إلى عالم تعوض فيه ما فاتها .. كأنها لم تعش أنوثتها بشكل طبيعي .. لذلك تحاول أن تستدرك ذلك .. تلك خلاصاتي عنها .. ربما أني لا أوافقها على بعض الأشياء . لكني أقول هي حرة وتلك حياتها ، وأنا أومن بالاختلاف وهي في البداية والنهاية ليست زوجتي ... و لاشك أن زوجها الضابط قد أثر عليها ... " ... ياك أخويا ناصر ".. قلت : " ربما .. " ...
...
البارحة ..
مررت و جانب المقهى .. كعادته قبالة الصومعة في انتظار الآذان .. يطيل النظر في المارة .. ينفث دخانه بعيدا عن وجهي . رآني ومن خلف الزجاج رفع يديه كأنه يدعوني إلى إتمام قصته .. لا شك أنها عرفت تطورا ما .. رفعت يدي ملوحا دون أن أتوقف .. و في رأسي قصة قديمة جديدة .. قصة " قصف العدو الصهيوني لقطاع غزة ".. قصفي ... و فيها شاعر صديق .. جلس معنا في نفس المقهى .. قبالة الصومعة و لم يكن في انتظار الآذان .. كان يطيل النظر في أشعاره الزجلية .. وأنا أقسو عليه بملاحظاتي العفوية ...
يوليوز / 2014