توجيه الدعم إلى مستحقيه مطلب ضروري

علاء جوزيف أوسي
2014 / 7 / 2


يعد الدعم الحكومي إحدى أدوات السياسة المالية، وإحدى أدوات إحداث التوازن الاقتصادي والاجتماعي في المجتمع، وهو موجود في كل الدول وتمارسه كل الحكومات بطرق مختلفة، كدعم سلعة أو خدمة معينة، أو دعم أحد القطاعات الاقتصادية أو الاجتماعية أو إحدى السلع الاستراتيجية التي تؤمّن قطعاً أجنبياً، ويوجد في جميع الحالات فئة مستهدفة بهذا الدعم وهناك غاية له، لذلك يتوجب على الحكومة عندما ترى أن هذا الدعم لا يصل إلى مستحقيه أن تقوم بإعادة توزيعه بما يضمن إصلاح الخلل ووصوله إلى الفئة المستهدفة، ولضمان ذلك فإنه لابد من أن تواكب سياسة الدعم التطور الاقتصادي والسكاني في المجتمع، ففي سورية مثلاً يقوم نموذج الدعم الحالي على دعم السلع، بدلاً من دعم الطلب، مما يقلل من كفاءة الدعم ووصوله إلى المستحقين الفعليين، وهي طريقة مطبقة منذ عدة عقود عندما كان عدد سكان سورية قليلاً مقارنة باليوم، ولم يكن الدعم حينذاك يمثل عبئاً على الموازنة العامة للدولة. أما اليوم في ظل التدهور الاقتصادي وانحسار واردات الخزينة كثيراً نتيجة الحرب الدائرة منذ أربعين شهراً، التي ترافقت مع عقوبات اقتصادية جائرة اكتوى بها المواطن السوري بالدرجة الأولى، فعلى الحكومة أن تعزز صمود هذا المواطن لا أن تزيد أعباءه.

وعلى الرغم من تردي الوضع الاقتصادي السوري إلا أن الحكومة حافظت على سياساتها في دعم العديد من المنتجات كالمازوت والكهرباء والخبز والأرز والسكر.. ولكن كان المستفيد الأكبر منها هم الأغنياء تبعاً لطبيعة الاستهلاك، الأمر الذي أدى إلى نوع من عدم العدالة بين المواطنين، لأنه يقدم للجميع بالأسس والأسعار ذاتها، ولكل أغراض ومجالات الاستخدامات سواء فردية أم تجارية أو صناعية، وبالتالي بات لزاماً إعادة توجيه الدعم للمواطنين لاسيما أصحاب الدخل المحدود والطبقة الوسطى مقابل خفض الدعم الموجه لأصحاب الدخل العالي أو إلغائه، دون اللجوء إلى رفع الأسعار، وذلك عن طريق إيجاد النموذج الأمثل الذي يحقق الديمومة والاستقرار للمالية العامة للدولة والاقتصاد الوطني، والمتمثل في تقديم الدعم الحكومي للمواطن مباشرة، لأنه في حالة الاستمرار في اتباع الآلية الحالية للدعم الحكومي القائم على دعم السلع الأساسية والمواد الغذائية، فهذا يعني استمرار استفادة الفئة الأكثر استهلاكاً لهذه السلع من الدعم، وهي الفئة ذات القدرة المالية العالية، لا الفئات المستحقة، مع الإشارة إلى أن الدفاع عن الدعم ومحاربة أية محاولة لتقنينه وترشيده لا تأتي من المستحقين الذين يكاد لا يسمع لهم صوت، بل تأتي من المستفيدين غير المستحقين وهم أقوياء وقادرون على ممارسة الضغوط لحماية مصالحهم.

إن تطبيق برنامج إعادة توجيه الدعم لمستحقيه من الأسر السورية ليس سهلاً في ظل الأوضاع الحالية، إذ يصعب مثلاً إحصاء الأسر المستحقة للدعم نتيجة تهجير العائلات من مناطق سكنها وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق الأخرى، وعدم توافر قاعدة بيانات فعلية ترصد الوضع الاجتماعي لكل أسرة، ولكن بإمكاننا القيام بخطوات متتالية نصل من خلالها إلى المطلوب، ثم ننطلق من قاعدة البيانات المتاحة للعاملين في القطاع العام الذين يبلغ عددهم قرابة 2.5 مليون عامل، وباعتبار متوسط الأسرة السورية خمسة أشخاص نكون قد استهدفنا 12.5مليون مواطن بالخطوة الأولى، مضافاً إليهم الفئات الأخرى التي بالإمكان الوصول إليها من متقاعدين وعسكريين وكذلك موظفي القطاع الخاص الذين لا تزيد رواتبهم عن الحد الأعلى من رواتب القطاع العام. لقد بات ضرورياً اليوم إجراء حزمة إصلاح اجتماعي واقتصادي متكامل لتحسين مستوى المعيشة وهيكلة الدعم وضمان وصوله إلى مستحقيه الحقيقيين، فعلياً لا بالشعارات، حسبما جرى في السنوات السابقة التي تناسى فيها الفريق الحكومي السابق أنه مهما ازدادت الضغوط الاقتصادية فعلى الحكومة ألا تتخلى عن الجانب الاجتماعي أو تهمله، لأن الحكومة التي تتخلى عن وظيفتها الاجتماعية تفقد مبرر وجودها.

إن أزمة المواطن المعيشية ازدادت تفاقماً منذ بدء الأزمة ورفع الحكومة لعدد من الأسعار وعلى رأسها المحروقات، وما تبعها من آثار تضخمية خطيرة على صعيد المستوى المعاشي العام للمواطنين، مترافقاً مع الحرب التي عززت الفرز الطبقي في المجتمع وزادت ثروة حفنة من أثرياء الحروب، وهو ما يتطلب البدء بمكافحة الفساد بكل أشكاله، من رشوة ومحسوبية وفساد إداري وتهرب ضريبي وتهريب وتمييز في تطبيق القانون وغير ذلك من أشكال الفساد المتنوعة وخاصة داخل الجسم القضائي.

ختاماً، وفي سبيل تحقيق مبدأ العدالة بين الأجيال الحالية والأجيال القادمة، ينبغي علينا جميعاً التوقف عند موضوع الدعم وقفة جدية، ومعالجته فنياً وواقعياً معالجة متأنية، لضمان استمرار صمود شعبنا في الوقت الحالي والعمل على توفير مستوى جيد من الرفاهية مستقبلاً، وسيبقى المواطن ينتظر أن يصبح شعار إعادة توزيع الدعم واقعاً ملموساً على الأرض، ليصل الدعم إلى جميع المستحقين دون سواهم، فهل سنشهد ذلك أم ستكتفي الحكومة برفع شعارات إعادة توزيع الدعم ووصوله للمستحقين؟!.

إن إعادة توزيع الدعم واقتصاره على الفئات الفقيرة والمتوسطة يسقط المبررات التي تُقدَّم لرفع أسعار المواد الأساسية والتي صارت تتردد مؤخراً عن رفع سعر الخبز.