عادت مصر للاتحاد الأفريقي وغاب -الدور التاريخي-

محمود عبد الرحيم
2014 / 7 / 1

عادت مصر للاتحاد الأفريقي وغاب "الدور التاريخي"

*محمود عبد الرحيم:
ما إن أعلن مجلس الأمن والسلم الأفريقي مؤخرا عن وقف تعليق أنشطة مصر في الاتحاد الأفريقي، حتى تعالت الأصوات المؤيدة للجنرال السيسي، داخل وخارج الحكم، بالتضخيم من حجم هذه الخطوة، واعتبارها تصحيحا لقرار خاطئ، وأنها بمثابة اعتراف ب"ثورة 30 يونيو"، وانتصار دبلوماسي لمصر يتيح لها دور الريادة في القارة الأفريقية، بل والترشح على العضوية الدائمة لمجلس الأمن، بينما شرع أنصار الفريق المناوئ في النظر إلى ما جرى كنوع من التواطؤ، وخضوع لضغوط قوى داعمة للسلطة الجديدة، وأن هذا يضرب قوانين التنظيمات الإقليمية في مقتل ويضر المصالح اﻷ-;-فريقية التي ارتبطت إلى حد كبير بمكافحة "ظاهرة اﻻ-;-نقلابات".
وبصرف النظر عن ردود الفعل المتباينة، التي كل منها تعكس مصالح كل طرف من طرفي الصراع في مصر، وتنطلق من أرضية دعائية، وبعيدا عن الجدل حول ما إن كان هذا اعتراف ب"ثورة" وتراجع عن حديث"الانقلاب"، أم أنه ناتج عن تدخلات أطراف خارجية، واستجابة للغة المصالح أو حتى قبول بسياسة الأمر الواقع، مثلما حدث من قبل مع الحالة الموريتانية.
فإن السؤال هنا، هل إنهاء تجميد عضوية مصر في الاتحاد الأفريقي، يعني عودة مصر إلى دورها وتأثيرها القديم في أفريقيا، أو حتى قدرتها على مواجهة التحديات التي تواجهها في القارة السمراء، خاصة علي صعيد ملف المياه، وحماية مصالحها المباشرة؟
بحسب المعطيات الواقعية، فإن ثمة فارق كبير بين النشاط الدبلوماسي التقليدي المتمثل في عضوية منظمات أو تجمعات إقليمية، والمشاركة بشكل بروتوكولي في عديد من الفعاليات، وبين أن تكون الدولة ذات ثقل سياسي، ولها نفوذ ممتد، يمكنها من تعظيم مكاسبها، وصيانة مصالحها المختلفة، بل والتأثير في صنع القرار خارج حدودها.
وواقع الحال، فإن مصر عضو مؤسس في "الاتحاد الإفريقي" وفي "الكوميسا" و"الإيجاد"، و"النيباد" و"مبادرة دول حوض النيل" وغيرهم، لكنها باتت عاجزة ليس فقط عن التأثير في مجريات الأمور، أو لعب دور فاعل في أزمات القارة، بل وأيضا في حماية أمنها الوطني، خاصة في شقه المائي، بعد الفشل في مواجهة تحدي "اتفاقية عنتبي" لإعادة تقسيم حصة مياه النيل وتجاهل الحقوق التاريخية والقانونية السابقة، وإصرار إثيوبيا على المضي قدما في بناء "سد النهضة"، والضرب بمخاوف ومقترحات مصر عرض الحائط، بل وبروز دول أفريقية تقدم نفسها، في غيبة مصر، كقوة إقليمية بارزة مدعومة دوليا، وأمريكيا بشكل خاص، تتحرك في الصراعات المختلفة، على الصعيد الدبلوماسي أو العسكري.
ومن المبالغة، القول، إن مجرد استرداد العضوية المجمدة في المنظمة الإقليمية، ستقلب الأمور رأسا علي عقب، فاستحقاقات الدور والمكانة ليست بالشعارات، وإنما هو استثمار بعيد المدى، يتطلب حركة واسعة متعددة الأبعاد، وخطط إستراتيجية وآليات، وكلفة مالية، حتى يتسنى حصد الثمار.
فهل هذه العناصر متاحة في الوقت الراهن، فيما مصر غارقة في أزمة سياسية ضخمة وانقسام مجتمعي كبير، ووضع اقتصادي متأزم، وميزان قوى لا يميل لصالح مصر، مع تحالفات إقليمية ودولية، قزمت من دورها، وحاصرت مجال الحيوي، وجعلتها في وضعية التبعية؟.
فليس بالإمكان في غياب استقلال القرار الوطني، وجبهة داخلية قوية متماسكة، ووفرة اقتصادية، وأوراق قوة، القيام بحركة نشطة، وبناء أرضية للتأثير خارج الحدود، كما أن رصيد مصر الأفريقي الذي صنعه الزعيم جمال عبد الناصر، بمساندته لحركات التحرر الوطني بالمال والسلاح والدعم السياسي والإعلامي، ودور القاهرة في بناء مؤسسات "الدولة الوطنية" ما بعد زوال الاستعمار، ومدها بالخبرات وصناعة نخب محلية موالية، أو تدين بالعرفان للدولة الأفريقية الكبرى، قد تبخر تدريجيا، إما لوفاة هذا الجيل أو بعده عن دوائر صنع القرار بسبب مرور الزمن، فضلا عن أن الأجيال الجديدة تنظر لأوطانها أنها شبت عن الطوق، وأنه يجب أن تتعامل مع دول القارة الأخرى بندية، وبلغة المصالح البراجماتية، وليس بخطاب عفا عليه الزمن، يخفي وراءه، حسب قناعاتهم، نبرة استعلائية عنصرية ووصاية واستغلال، مع ظهور ولاءات لدول أخرى، ملئت مساحة الفراغ التي تركتها مصر في إفريقيا منذ حكم السادات، وحتى اللحظة.
وربما ما يعقد الأمور أكثر، أن ثمة حمى تنافس محتدم على القارة السمراء، زادت وتيرتها في السنوات الأخيرة، بحكم أنها مصدر غني بالثروات الطبيعية ومصادر الطاقة والمياه، وأيضا سوق ضخم للسلع والخدمات، ففي حين تراجعت الدول الاستعمارية القديمة مثل فرنسا وبريطانيا وايطاليا خطوة خلف واشنطن، فإن الصين قد دخلت، بقوة، على خط صراع المصالح.
ومثلما تمكنت قوى إقليمية أخرى مثل الكيان الصهيوني وإيران وتركيا، من إزاحة النفوذ المصري في العالم العربي، تمكنت كذلك من احتلال مواقعها القديمة إفريقياً، ناهيك عن وجود لاعبين إقليميين مثل جنوب إفريقيا ونيجيريا وإثيوبيا وكينيا، تزاحم مصر، بل والجزائر وليبيا أدوارهم السابقة، مع تواجد نشاط استثماري وإغاثي ملحوظ لدول خليجية، خاصة السعودية والإمارات وقطر.
وعليه، يبقى قرار عودة نشاط مصر في الاتحاد الأفريقي، محدود الأثر، وقيمته معنوية فقط، تصب في خانة الاعتراف الإقليمي بالسلطة الجديدة.
كما أن الخطاب المصري الجديد الذي يحمل مغازلة للأفارقة، والحركة الدبلوماسية النشطة، من خلال الزيارات رفيعة المستوى، والمحادثات و المؤتمرات المتنوعة، لن يضيفا جديدا، وسيكون تأثيرهما محدودا، طالما لم تستعد مصر قوتها الذاتية أولا، وتتحرر من التبعية، وتعيد بناء تحالفات إقليمية ودولية، تمكنها من مواجهة التحديات المختلفة، وامتلاك أوراق ضغط وأدوات قوة، تساعدها على لعب أدوار نشطة، تستعيد بها المكانة والتأثير المفقودين، وتحمي مصالحها المهددة.
*كاتب صحفي مصري
Email:mahmoudreheem@hotmail.com