هل سنتمكن من التحكم برغيف خبزنا من جديد؟

علاء جوزيف أوسي
2014 / 5 / 14

محصول القمح من أهم المحاصيل الاستراتيجية في سورية لما له من آثار اجتماعية واقتصادية جمة أكسبته القدرة على المنافسة الكبيرة في الأسواق المحلية والإقليمية والعالمية، وبالتالي فهو أحد مصادر رفد خزينة الدولة بالقطع الأجنبي، كما أنه لعب دوراً رئيساً في تحقيق أمننا الغذائي الذي انعكس على قرارنا السيادي في كثير من المنحنيات، خاصة أن سورية حققت الاكتفاء الذاتي من هذا المحصول في ثمانينيات القرن الماضي، وأضحت مصدّرة له منذ عام 1994 قبل أن تعود إلى استيراده عام 2008 فبعد أن وصل متوسط إنتاج سورية من القمح ما بين 3.5-4 ملايين طن سنوياً، انخفض إلى مستويات بحدود 2-5,2 مليون طن بين عامي 2007-2010. واليوم بتنا نستورده بكميات كبيرة لأسباب منها السياسات السابقة غير المستدامة التي همّشت القطاع الزراعي على حساب قطاعات أخرى، ومنها أسباب تتعلق بالأزمة وما رافقها من حصار جائر فرضته الإمبريالية الأمريكية وحلفائها الأوربيين ومشايخ الخليج وتركيا على سورية واكتوى بنارها ذو الدخل المحدود، وانعكست على مجمل مفاصل الاقتصاد ومنها الزراعة.
فقد أضافت الأزمة أعباء جديدة على الزراعة السورية، فتقلصت المساحات المزروعة كثيراً بسبب الأوضاع الأمنية والصعوبات في توفر مستلزمات الإنتاج وارتفاع أسعار المحروقات، مع انعدام الأمن على الطرقات وحرق العصابات المسلحة المحاصيل وسرقتها في عدد من المناطق، وتسعى القوى الظلامية المتحالفة مع الإمبريالية للقضاء على أمننا الغذائي والتحكم في رغيف الخبز السوري.

وقد كشفت الدراسات والتقارير المحلية والدولية مؤخراً عن التراجع الكبير في إنتاج سورية من المحاصيل الزراعية، وبشكل خاص إنتاج القمح منذ بدء الحراك الشعبي في 15 آذار 2011 وانخفض معه المخزون الاحتياطي الاستراتيجي في بلد كان يعد من البلدان الرائدة على مستوى العالم في الأمن الغذائي، وهو البلد العربي الوحيد الذي حقق اكتفاءً ذاتياً من القمح، لكن سورية اليوم تتعرض لمحنة رهيبة انعكست على محصول القمح نتيجة الحرب من جهة والجفاف من جهة أخرى، هذه العوامل مجتمعة دعت بعض الخبراء إلى توقع انخفاض محصول القمح بحسب وكالة (رويترز) إلى نحو ثلث المستوى الذي كان عليه قبل الحرب، بل وربما يتراجع دون مليون طن للمرة الأولى منذ 40 عاماً، فتوقع عدد من الخبراء أن يتراوح المحصول بين مليون طن و1.7 مليون طن في أفضل التقديرات، ويمثل هذا النطاق تقديراً أشد تشاؤماً من التقدير الذي طرحه (برنامج الأغذية العالمي) التابع للأمم المتحدة الشهر الماضي، إذ توقع أن يتراوح الإنتاج بين 1.7- 2 مليون طن، وذلك نتيجة الجفاف الكبير.

ومن جهته بين رئيس اتحاد غرف الزراعة السورية محمد الكشتو في شهر آذار الماضي أن مؤشرات موسم القمح ممتازة وخاصة مع موسم الأمطار الجيد، متوقعاً أن يزيد موسم القمح على ثلاثة ملايين طن على أقل تقدير، وهو ما جاء متناقضاً مع ما أكده مدير الإحصاء والتخطيط في وزارة الزراعة هيثم الأشقر، الذي بين أن الكميات المتوقعة من محصول القمح في هذا الموسم تزيد على مليون طن، نافياً ما يشاع أن الرقم أقل من ذلك، ومبيّناً حسب جدول تتبع زراعة محصول القمح لعام 2013- 2014 حتى تاريخ 27 نيسان من العام الحالي، أن إجمالي المساحة المزروعة بالقمح بلغت 1312535 هكتاراً، منها 627387 هكتاراً مروياً و685148 هكتاراً غير مروي.

أرقام كثيرة متباينة يتبادلها المسؤولون عن حالة القمح وغيره من المحاصيل الزراعية، وهو ما يشير إلى غياب الإحصاء الدقيق والتخوف من إعطاء رقم دقيق عن حالة المحصول لعدم القدرة على جنيه نتيجة خروج العديد من مناطق الزراعة عن سيطرة الدولة، على الرغم من محاولات الحكومة تشجيع المزارعين على زراعة القمح، برفعها سعر الشراء بنحو 20% مقارنة مع العام الماضي، من 37.5 ليرة سورية للكيلوغرام الواحد إلى45 ليرة سورية للنوع القاسي، ومن 37 إلى 44 ليرة سورية للقمح الطري. ومع ذلك، فإن هذه الزيادة في الأسعار لا تزال أقل من الارتفاع في التضخم، كما أن العديد من المتآمرين على الشعب السوري وقوته يلهثون لترغيب الفلاحين بالأموال لشراء محصول القمح الاستراتيجي وتهريبه إلى خارج الوطن.

أرقام عديدة ودراسات كثيرة إلا أن موضوع القمح كغيره مرتبط بالحل السياسي للأزمة السورية وإعادة الأمن والأمان إلى ربوع الوطن، ليتمكن الفلاح من العودة إلى حقله والعمل من جديد في ظل توجه اقتصادي يعزز مساهمة الزراعة في الناتج المحلي بالفعل وليس بالشعارات فقط، لنعاود زراعة حقولنا وتحقيق أمننا الغذائي من جديد، كل هذا في وقت باتت فيه سورية تطرق الأبواب سعياً لشراء القمح الذي يلعب دوراً في السياسة والاقتصاد والصناعة ويؤمن رغيف الخبز للسواد الأعظم من السوريين.