تسكب جمالها دون طائل

عبد العاطي جميل
2014 / 5 / 11

تأملات في ديوان " تسكب جمالها دون طائل "
للشاعرة المصرية غادة خليفة عبد العال

بقلم : عبد العاطي جميل ـ المغرب ـ
......
من سيرتها الذاتية :
غادة خليفة عبد العال تشكيلية وشاعرة مصرية ، من مواليد 1977 ، بكالوريوس الفنون الجميلة ـ قسم التصوير ـ 2000 ، تعمل في مجال تصميم المطبوعات وأغلفة الكتب ..
صدر لها ديوان " تقفز من سحابة لأخرى " دار فكرة 2009 ، حصل على جائزة ملتقى النثر العربي 2010 .. و ديوان " تسكب جمالها دون طائل " ط1 ـ القاهرة : دار شرقيات للنشر والتوزيع، 2011 .
وشاركت في أمسيات شعرية بمعهد العالم العربي بباريس 2011 . ومهرجان البحر الأبيض المتوسط للأصوات الشعرية ( لوديف / فرنسا ) 2011 ...
عتبة العنوان : " تسكب جمالها دون طائل "
تركيبيا يتشكل العنوان " تسكب جمالها دون طائل " من جملة فعلية خبرية ، فعلها مضارع دال على الحاضر والمستقبل وربما دل على الماضي أيضا ما دام قد صيغ بطريقة مجازية ، ومادام التعليق والحكم على سكب الجمال بأنه "دون طائل " فقد حصل الفعل سابقا ولا يزال .. وبذلك يفتح العنوان أفق القارئ على الآن والآتي .. وإذا ربطنا العنوان بالمتن الشعري ، فالشاعرة اختارت العنوان من قصيدة " يوميات كنكة وحيدة " التي تقول : " أنتظر قهوتي بصبر / دون أن أوسع دائرة النيران حولها / أنتظرها كي لا تسكب جمالها دون طائل ...ص. .67 . إن عزل العنوان عن سياقه غير طبيعة الدلالات التي يمكن أن يحيل عليها .. فالعبارة الأصل هي : " أنتظرها كي لا تسكب جمالها دون طائل . ". فالفعل في العنوان " تسكب " مثبت . أما في القصيدة فالفعل منفي " لا تسكب " وهو في سياق التعليل مسبوق بالحرف " كي " .. هكذا يتضح أن الشاعرة من خلال العنوان تسكب مجازها الشعري في صياغة العنوان وتغيير إيحاءاته ليوقع القارئ في شرك التلقي المحفوف باللذة والإثارة . لكن التعليق ب " دون طائل " أفقد العنوان بعض إشعاعه ومفاجأته وكأن النهاية معروفة سلفا وهي الفشل واللاجدوى ...
الاستهلال
تستهل الشاعرة قصائد الديوان باستهلال شعري منتقى بعناية خاصة يقول : " أريد عطرا يجبرني على التوقف في منتصف الشارع لمعانقته ، لكنني بدلا من ذلك أتمشى ببياض لا يشبهني أغازل الألوان الخافتة ، وألهو مع خيال لا يتحول . " هذا المقطع الشعري ذاته مختار من قصيدة " اتصل الآن وأدخل كود اللعبة " وهي مهداة إلى : أمير زكي . ص. 43 / 44 . يعكس هذا المقطع الشعري الخيبة المتمثلة في المفارقة بين الكائن والممكن بين الواقع والمحلوم به . بين الرغبة والإرادة وبين الإجبار والاستدراك ..فالذات ترغب في المعانقة العلنية الواضحة والفاضحة في فضاء المدينة ،في منتصف الشارع . لكنها لا تستطيع ذلك فرغبتها مجهضة ولذلك فهي مجبرة على التمشي لا المشي ضد إرادتها ومع لون لا يشبهها .. فكيف لا تغازل الألوان الباهتة وتلهو مع خيال لا يتحول ، وهي الذات العاشقة والحالمة ؟؟.. واللافت للانتباه في هذا الاستهلال الشعري هو حضور الحواس واشتغالها ( عطرا / الشم ) ( معانقة / اللمس ) ( بياض و الألوان / البصر ) ( أغازل / السمع ) وذلك في انسياب مكثف لتوصيف ذلك الشعور المفارق بالانشطار للذات التشكيلية المتغزلة في الألوان الباهتة ، اللاهية صحبة خيال جامد لا روح ولا حياة فيه . فلا حياة دون حب ودون إشباع الرغبات : المعانقة ومغازلة الألوان والحلم .. ومع ذلك تبدو الذات متمردة و مترددة في الإقبال .. تحتاج إلى عطر يحرضها على هذا الفعل الإنساني الأخاذ .. كيف للذات ألا تتمزق وألا تحتار وألا تختار مصيرها البسيط الأشهى فتنزاح عن إرادتها عن حلمها ؟؟.. وأي تعسف هذا الذي تمارسه الذات على ألوانها الذي ترمز إلى التنوع والتعدد والامتلاء ضد خواء البياض وفراغ الروح ؟؟.. وهل للذات خيار آخر غير التكلس والجمود ومصاحبة الموت ومعانقة الصدى ؟؟.. إن بوح الذات حارق ومؤلم يعكس حالاتها المنفلتة ورغبتها في تجاوز الواقع وتخطيه ..
وبذلك تحقق عتبات الديوان بعض وظائفها الجمالية والدلالية في استثارة انتباه القارئ وحفزه على القراءة والإقبال على التلقي من خلال تقديم هذه العتبات لبعض المعطيات الجزئية الدالة والفاعلة في موضوعه وفنيته ..
عتبة الغلاف / اللوحة ..
إن تصميم غلاف الديوان يكشف على جانب إبداعي آخر للشاعرة غادة خليفة عبد العال وهو الفني التشكيلي حيث أنجزت لوحة الغلاف الموحية وهي عبارة عن بورتريه لوجه طفلة في زي تقليدي مميز دال ، يظهر حزنه الدفين ويخفي فرحه من خلال تفاصيل أعضاء الوجه . وهذه اللوحة الوجهية الفنية تلائم القيمة المهيمنة لموضوعة الأنثى عبر مسار الديوان بمختلف تجلياتها من بدايته إلى نهايته . فاللوحة الوجهية من متخيل الشاعرة والتشكيلية وليست نقلا عن صورة ـ كما يفعل العديد من الرسامين والرسامات ـ فشكل الوجه المدور الطفولي ينسجم مع شكل اللباس لكنه لا يعكس بهجة الألوان وحيويتها وإشراقها . فسحنة الوجه تعكس رؤية حزينة حيث غياب الابتسامة على النظرة عن الشفتين .. هكذا تعكس اللوحة التشكيلية للغلاف مفارقة اللون والضوء لملامح الوجه أو التعبير الوجهي بقسماته ( الشعر ، الحاجبان ، العينان المختلفتان ، الخدان ، الأنف ، الفم ...) ـ إن صح التعبير ـ بالإضافة إلى اللباس التقليدي المزركش الملون، الباعث على الفرح .. إن اختيار الوجه الآدمي للوحة الغلاف اختيار مقصود وموفق معبر على الإنسان باعتباره محورا مركزيا في الديوان كموضوعة مهيمنة وباعتباره أثمن رأسمال .. وهو اعتراف بإنسانية الإنسان ضدا على التقاليد البائدة المحرضة على تحريم الرسم والتصوير والنحت ... وقد شاع أن " المسيحيين ترددوا في رسم " المسيح " نفسه حتى مطالع القرن الرابع . وتم ترميزه بدل تصويره في القرون الأولى : هو السمكة والحمل والراعي وغيرها .. وقد تأثر المسيحيون بالنهي اليهودي .. وهذا ما قاله الكاتب تيرتوليان (نحو 160 ـ 225 م )، هو أن الشيطان هو الذي " خلق " النحاتين ، والمصورين ، وصانعي أنواع الأعمال الوجهية كلها .. ص. 61 من كتاب " العين واللوحة " للشاعر والباحث شربل داغر ط .1 / 2006 / المركز الثقافي العربي / الدار البيضاء ـ المغرب ـ ...
على سبيل التقديم
.. فالديوان الشعري قد صدر عن دار شرقيات للشاعرة والتشكيلية المصرية غادة خليفة بعنوان " تسكب جمالها دون طائل " .وتصميم الغلاف والرسوم الداخلية من إعداد الشاعرة نفسها . وقد صدر هذا الديوان بدعم من مؤسسة المورد الثقافي ..
ويتشكل الديوان من 25 قصيدة شعرية متنوعة ومختلفة شكلا ومضمونا . طرزت الشاعرة التشكيلية نهايته بسبع لوحات وجهية ( الوجه ) عبارة عن بورتريهات لوجوه آدمية ذات ملامح معبرة عن مرجعيات تنتمي لحضارات مختلفة .. تعكس تنوع وغنى الرؤية الفنية للشاعرة غادة خليفة ..
والديوان في جوهره يسرد تجارب الذات الشاعرة الحارقة والمحترقة ، المسكونة بألق الانتظار والانشطار . وهي تقيم بين الانجذاب والخوف ، تؤرخ تفاصيل رغبتها وحزنها بحساسية شعرية مفرطة .. تزن العالم بمشاعرها الوقادة ، تكتب رؤيتها الحرى بطفولة باذخة تتجاوز حدود الانتظار ذاته ..تقول الشاعرة :
تافه مثل مكالمة لا يرغب في استقبالها أحد
كل ما أريده هو رجل ..
( ... )
من سيبتسم الآن لي
فأحول رأسي اتجاه شمسه ؟؟
... ص.10/ 11
بالشوق ذاته ، والرغبة ذاتها ترسم الشاعرة أجمل ملامح الفرح في مده وجزره ، كأنها تحب حقيقتها التي تنبت كل ليلة في غرفتها الباردة بجوار الصمت ، بحثا عن أفق أخضر يبشر بلقاء . تقول الشاعرة :
" أيها الظلام الذي يستكين بجواري
لقد انتظرتك طويلا " ص. 18
وهي تصدق مشاعرها مثل حزام ناسف تقص جناح حبيبها كي يظل بجانبها ، يغزل الفرح الطفولي لمشاعرها الظمآى.. تخترع آلامها وهي تكتب، فتسرقها اللحظات الجميلة لتقول :
أمشي على زجاج حياتي المتكسر
قدمين ضيقتين
أمشي
و أعيد اختراع الألم .. ص. 21
وكأي أرض خصبة تجتاحها رغبة الاجتياح . توقع بالعشاق في حبال خيالها ،كساحرة شريرة تمسخ عشاقها بكافكاوية ناعمة وهي تسكب جمالها دون هوادة ، تزرع مخالبها في جسد الأحلام الهاربة إلى غابة الكتابة حيث السكينة وراحة البال . فتقول :
" (...) سأقص جناحيك
كي لا تتمكن من الطيران مرة أخرى
أنا الشريرة فعلا
ربما سأحولك إلى شجرة
كي أجلس تحت ظلك
برحابة (...) ص. 22 ...
سؤال الكتابة والحب
و بالألم ذاته تكتب الذات الشاعرة تاريخ الغياب والفقدان ، تعزفه على وتر يعشق سؤال الوحدة والكتابة وتأريخ الوجدان الهارب دوما والمنفلت دوما من الذوات الحالمة : "
... " الكتابة لا تجعلني وحيدة أبدا "
...
" الكتابة لم تتخل عني ولو لمرة واحدة
لماذا علي أن أختار بين أن أكتب و أن أحب ؟؟ " ص. 28
فهل إمكان الذات المهووسة بسحر الكتابة ولذتها أن تختار دون أن تحتار بين الكتابة والحب ؟؟ .. فالكتابة قدرها الأبهى وأعز ما يطلب للتعبير عن الذات وتحقيق كينونتها حتى ولو قالت : " إن ما أكتبه الآن هو مجرد انعكاس ساذج لي . " ص. 73 .. وأما الحب فأضحى عقيدة لا غنى عنها ، كما لدى الشيخ الأكبر ابن عربي الشاعر حين قال : " أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه ، فالحب ديني وإيماني .. " . وصوت الشاعرة يؤكد هذا البحث الذؤوب عن الحب والسعي إليه حين تقول : " أيها الجمال الذي يؤلم / تقدم خطوة باتجاهي / يا موسيقى الروح/ امنحيني قلبا آخر / يا حبيبي الذي ينتظر حبيبة ما / أنا هنا .. ص. 13 .. في الكتابة تخفي الذات ملامحها الجميلة ، وتبوح بآهات تتجلى على جسد الكلمات . ومادام هناك بياض في الأفق ولقاء مؤجل ولا أحد في المحطة القادمة ينتظر ...
" لا أحد ينتظرني على هذا الرصيف
مع ذلك سأكتب
أكتب للذين لا يعرفونني " ...
...
" لا مخرج لي
لا أحد ينتظرني في هذا العالم
لذلك أكتب .." ص. 40 / 41
و في الغياب أيضا تصنع الذات مجالا بديلا أرحب يتسع للآتي، فتفتح أفقا آخر مشرعا " يسمح بصعود الأحلام " ولن تصدقها ، فتقول بكل إصرار :
" لا أريد ذكريات أكثر
ألم أقل إنني مملوءة بالغياب "
(...) ص. 31
" أريد أن أفكك خيوط السقف
كي أتلصص على الجيران
سأصنع سقفا آخر ، يسمح بصعود الأحلام " ص 33
التذويت الشعري : أحوال الذوات
ولعل من أهم سمات القصيدة في الديوان ملمح ذويت الخطاب الشعري من حيث الرؤيا التي تتسع وتضيق بين الرؤية البصرية الملحوظة والرؤيا البصيرية المتجاوزة لحدود الحواس ، المرئي والملموس والمسموع .. ومن تجليات هذا التذويت الشعري على المستوى اللغوي ، تكرار ضمائر المتكلم في صيغة المفرد بصفة خاصة عبر مساحات القول الشعري من بداية الديوان إلى نهايته . ومن الأمثلة الدالة على هذا المنحى الذاتي اتجاه الوجود والعاطفة ترديد ضمير المتكلم المنفصل وضمير المتكلم المتصل :
ـ " يا حبيي الذي ينتظر حبيبة ما
أنا هنا "... ص. 13
ـ " يا أمي
أنا أرتدي أحلى فساتيني
و لا أحد ينظر اتجاهي " ص. 19
ـ " أيتها الحقيقة التي لا يرغب بها أحد
أنا أحبك " ص. 20
ـ " أنا شريرة فعلا
ربما سأحولك إلى شجرة
كي أجلس تحت ظلك
برحابة ".. ص. 22
ـ " أنا مخيفة يا أختي
لا أستطيع الاحتفاظ بالمشاعر داخلي "... ص. 28
ـ " أنا آخر امرأة ستحكي /
بالرغم من أن نساء كثيرات أتين بعدي" ص. 6
ـ" و أنا ألون كل الحوائط بي " ص. 54
ـ " أنا منهكة يا حبيبي .. لن تجد عندي محبة أو دفئا / لا تصدقهم ".. ص. 30
ـ " لا تصدق ضعفي / أنا أقوى امرأة ستعرفها ".. ص. 31
ـ " أنا البنت التي يعاملها الآخرون كصديقة حقيقية
بارعة في نسج علاقات آمنة مع الرجال
لا أحد يراها امرأة حياته ".. ص. 59
ـ " أنا أزور ابتسامتي / وأتقن تقليد النظرات الدافئة ".. ص. 30
ـ إن هذه الأمثلة الدالة على التذويت الشعري تبين أن الأنا في القصائد تعيش وضعيات وحالات متباينة .. فهي ليست أنا واحدة بل أنوات متعددة تعكس تعدد الأصوات الشعرية بتعدد السياقات والتيمات الواردة فيها .. ورغم ذلك يبقى الصوت الأنثوي مهيمنا ومعبرا فيها عن قضايا اجتماعية ونفسية تكابدها الطفلة و الفتاة والمرأة على حد سواء في وسط اجتماعي يتسم باللامبالاة .. حيث لا يحقق لها الأماني والأحلام والرغبات . و لا يفسح لها المجال لتكون .. لذلك تضيق الذات فيرتفع صوت الذات الشاعرة محتجا ومعاتبا ومتحسرا وشاكيا ومتسائلا أيضا في أكثر من موضع :
ـ " الطفلة التي أرتبها داخلي
متى اختفت ؟؟
و صعدت تلك الأخرى
التي يشعلها الهواء الملوث بالبارفان
ماذا يحدث لي ؟؟
ما الذي تغير في العالم وجعلني/ جعلها تستيقظ ؟؟ "... ص.
ـ " تذكر فقط الإجابات التي ترتجلها لامرأة تسألك في
خوف .. ما الحب ؟؟ "ص. 45 ...
و للكلام بقية ... ربما

مارس / أبريل 2014