صادراتنا أين كانت.. وإلى أن تتجه..!

علاء جوزيف أوسي
2014 / 4 / 17

تلعب الصادرات دوراً هاماً في الاقتصاد الوطني فهي تعد أحد مصادر الدخل القومي الهامة، فتعمل على خلق فرص عمل جديدة، وإصلاح العجز في ميزان المدفوعات، وجذب الاستثمارات وزيادة تدفق الرأس المال الأجنبي إلى داخل البلد، أي أنها تقوم بدور في التنمية الاقتصادية، كما تشير زيادة الصادرات وتنوعها إلى تقدم البلد في المجالات الصناعية والزراعية المختلفة، فالتصدير مرهون بوجود سلع ومنتجات تتوافق مع المعايير الدولية وتلبي احتياجات الأسواق المستهدفة وبأسعار منافسة للسلع والمنتجات المماثلة مع أي بلد من البلدان الأخرى.

وقد أثبتت العديد من دول العالم الدور الهام الذي يساهم به التصدير في نمو وارتقاء هذه المجتمعات، والذي ينعكس في الارتباط المباشر بين النشاط التصديري والناتج المحلي لتلك الدول، فمثلاً استطاعت دول مثل كوريا، وتايوان من خلال التصدير تحقيق نمو سريع في العمالة وصلت إلى حد التشغيل الكامل، وتلافت مشاكل البطالة وتفرغت بالتالي لإعادة تأهيل قوة العمل بها لأنشطة أكثر إنتاجية وكفاءة، ولكن أين صادرات سورية من كل ذلك. وما هو وضع تجارتها الخارجية؟!

لقد كانت تجارة سورية الخارجية وماتزال تعاني من خلل واضح، إذ تميزت التجارة الخارجية بتركز سلعي في جانب الصادرات، كسلع أولية أو استخراجية، مقابل مدى واسع من المستوردات الاستهلاكية والاستثمارية، فصدرنا العديد من منتجاتنا مواد خام كالقطن مثلاً على الرغم من أن قيمته المضافة تزداد 15 ضعفاً من تصديره مغزولاً عن قيمته عند تصديره خاماً، ويزيد 30 ضعفاً عند تصديره نسيجاً، وغيره الكثير من السلع

فبلغت نسبة المواد المصدرة خاماً لعامي 2009، 2010 على التوالي 43.32%، 49.46% مقابل 16.62%، 12.31% للصادرات نصف المصنعة وأيضاً 40.06%، 38.23% للمواد المصنعة للفترة ذاتها، فأدى ذلك إلى ربط الاقتصاد الداخلي بالمؤثرات والمتغيرات العالمية المتعلقة بالعرض والطلب من هذه السلع، أيضاً أدى لعجز الميزان التجاري في السنوات السابقة نتيجة الفجوة الكبيرة بين الصادرات والواردات، فعام 2010بلغت صادراتنا 569064 وفي 2011 بلغت 505107 وكانت مستورداتنا في ذات العامين 812209، 964928 على التوالي.
فمنذ عام 2005 بدأ الاقتصاد السوري يتحول إلى اقتصاد شبه استهلاكي يعتمد بنسبة لا يستهان بها على الاستيراد، وحسب دراسة لهيئة تنمية وترويج الصادرات بعنوان «تحليل التجارة الخارجية في سورية 2006 ـ 2012» ارتفعت درجة انكشاف الاقتصاد السوري على الخارج بشكل واضح في الفترة 2000 إلى 2010، فبعد أن كانت تشكل 48% عام 2006 وصلت إلى 62.12% عام 2010، ليشهد عاما 2011 و2012 تراجعا في معدل الانكشاف الاقتصادي إلى 41.2% و32.7% على التوالي، مسندة هذا التراجع إلى تراجع عام في الأهمية النسبية للتجارة الخارجية السورية من الناتج المحلي الإجمالي، نتيجة تأثير الأزمة الحالية التي تشهدها سورية على التجارة الخارجية.

أما ربحية الاقتصاد السوري فكانت سلبية خلال الفترة 2006- 2012 على التوالي 28.1 و25.7 و27.9 و26.2 و22 و11.3 و0.1 «سالبة» -وفقاً للدراسة- وكان هناك خسارة من التجارة الخارجية، إذ إن القيمة المضافة التي تحققها الصادرات السورية تنخفض مقارنة بالقيمة المضافة المستوردة، وبالتالي فإن ربحية الاقتصاد السوري كانت سلبية خلال فترة 2006- 2012، وأظهرت الدراسة تراجع الصادرات الإجمالية لسورية بصورة حادة عام 2009 إذ بلغت قيمتها 9.69 مليارات دولار مقارنة بـ14.38 مليار دولار عام 2008 بنسبة انخفاض 32.58%، وفي عام 2010 بلغت قيمتها 11.35 مليار دولار، لتنخفض مجدداً إلى 7.21 مليارات دولار عام 2011، على حين شهدت الصادرات عام 2012 أكبر نسبة تراجع إذ بلغت قيمتها 185 مليون دولار أي بنسبة انخفاض 97.4% نتيجة الدمار الكبير الذي تعرضت له البنى التحتية والتجهيزات الصناعية وتوقف عدد كبير من الشركات عن العمل.

فقد أدت الأزمة إلى تراجع حجم التجارة الخارجية في الفترة بين الربع الأول من 2011م والربع الأول من 2013بنسبة 95% بالنسبة للصادرات، و88% بالنسبة للواردات، حيث أفاد تقرير لهيئة تنمية وترويج الصادرات بتراجع قيمة الصادرات السورية الإجمالية (النفطية والسلعية) في فترة الأزمة من 1,9 مليار دولار في الربع الأول من 2011م إلى 94.7مليون دولار في الربع الأول من 2013م، بنسبة تراجع بلغت 95%، وبلغت قيمة الصادرات السورية خلال الربعين الأول والثاني من العام الماضي وفق الهيئة حوالي مليار ليرة سورية.

كما أن نسبة المستوردات السورية من المواد الخام انخفضت بشكل واضح نتيجة لتداعيات الأزمة التي أدت لتراجع العملية الإنتاجية وبالتالي اقتصرت المستوردات على الحاجات الأساسية للمواطنين من السلع المصنعة، بالمقابل تضاعفت مستوردات السلع الاستهلاكية نظراً إلى الحاجة الماسة لتلبية حاجات السوق الأساسية بسبب التراجع الكبير في الإنتاج السلعي المحلي، فنتج زيادة نسب تصدير المواد الخام.

ومن أهم أسباب تدهور الصادرات السورية تدمير قدرة سورية الإنتاجية فتدهورت عملية الإنتاج وارتفعت تكاليفها إضافة لتعطيل الطرق التجارية والعقوبات الاقتصادية التي فرضها المعسكر الغربي ومشايخ الخليج وتركيا، فبات الاستيراد صعباً جراء العقوبات وارتفاع أسعار الشحن والتأمين على البضائع التي تتأثر أجورها بالنزاعات والحروب بشكل مباشر، ومن جهة أخرى تشددت المصارف في تقديم التمويل للتجارة الخارجية وقلصت من الفترات المتاحة له.

وكخطوة لكسر حاجز العقوبات اتبعت الحكومة سياسة التوجه شرقاً ولكنها فشلت في تحقيق ذلك على أرض الواقع إلا في الحدود الدنيا، فكيف ننجح في التوجه شرقاً من دون قطاع عام نشط، ومع وجود بعض الفاسدين الرافضين لهذه السياسات.

واليوم المطلوب رسم سياسات لإعادة تدوير عجلة الإنتاج في المجالين الزراعي والصناعي في القطاعين العام والخاص، مع وضع خطط لحماية المنتجات الوطنية وتأمين قدرة تنافسية عالية لضمان استقرار منتجاتنا في أسواق التصريف، مع التأكيد على ضرورة تحديث ومراجعة التشريعات القانونية التي تعيق تنمية الصادرات، والعمل على تقديم مزيد من الدعم الحكومي لبعض القطاعات الانتاجية.

وضع إستراتيجية وطنية للتجارة الخارجية تسهم في تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني والاستفادة من ميزاته النسبية، وذلك من خلال مواءمة أدوات السياسة التجارية مع التحديات الاقتصادية على المستوى المحلي والعالمي، وتوسيع قاعدة الشركاء التجاريين، بما ينعكس إيجاباً على تحسين مستوى معيشة المواطن ورفاهيته، ويقلص معدلات البطالة المرتفعة

إيجاد شركات تسويقية متخصصة محلية ودولية تعمل على دراسة الأسواق الجديدة ووضع الخطط لدخولها مع السبل للمحافظة على أسواقنا الحالية وتطوير تعاملنا معها.

إن إعادة تأهيل الاقتصاد السوري اليوم شرط ضروري لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية وبغية التنمية الاقتصادية والاجتماعية.. فهل المعنيون لديهم الرغبة الجادة بذلك بعيداً عن الشعارات الرنانة..؟!