ديانا : ملكة القلوب وأميرة التاريخ

رياض حمادي
2014 / 4 / 2

عندما تكون التوقعات بحجم النموذج الكامل في الأذهان غالباً ما يكون الحكم في غير صالح النموذج المحاكي والسبب ليس التشويه الخطير الذي أحدثه في النموذج الأصلي وإنما درجة القداسة التي بلغها هذا النموذج والتي تحرم أي نموذج محاكي بلوغه حتى لو كان على درجة كبيرة من الإتقان. وهذا ما حدث مع فيلم "ديانا" الذي تلقى نقداً لاذعاً من قبل نقاد السينما خصوصاً البريطانيين منهم.

الفيلم مبني على كتاب كيت سنيل Kate Snell (ديانا : حبها الأخير (Diana: Her Last Love. كتب السيناريو ستيفن جيفريفز Stephen Jeffreys , وأخرجه الألماني أوليفر هيرشبيجل Oliver Hirschbiegel مخرج فيلم "السقوط Downfall", الذي يتحدث عن الأيام الأخيرة في حياة هتلر. الفيلم من بطولة (نعومي واتس Naomi Watts) بدور ديانا, و (نيفين أندروز Naveen Andrews) بطل المسلسل التلفزيوني (Lost ), في دور حبيبها "حسنات خان" جراح القلب الباكستاني.

تقييم النقاد

هناك بعض المشاهد التي تدعو للدهشة, أحدها يُظهر ديانا وهي بمفردها في شقة حبيبها "حسنات خان" تغسل أدوات المطبخ وتنظف الشقة, والثاني وهي في صندوق السيارة الخلفي, والأكثر دعوة للدهشة هو تعمدها الاتصال بأحد الصحفيين تشير فيه إلى مكان تواجدها حتى يتسنى التقاط صور لها وهي بصحبة دودي الفايد من أجل إثارة غيرة حبيبها "حسنات خان"! سبب الدهشة ليس له علاقة بكونها أميرة وإنما فيما إذا كانت هذه المشاهد قد حدثت فعلاً أم أنها مرتجلة!

اعتمدت في استخلاص الانتقادات الآتية على مراجع لمقالات كُتبت بالإنجليزية, ويمكن اختصاراها في عبارة واحدة, لكن تلك العبارة لا تغني عن قراءة العبارات الإنتقادية اللاذعة التي كُتبت في الفيلم حواراً وإخراجاً وأداءً .

صحيفة الديلي تليغراف قالت عن الفيلم أنه "سيء للغاية لدرجة غير مألوفة". بيتر برادشو في الجارديان أعطى الفيلم نجمة من أصل خمسة وشبه انهيار الفيلم بـ "حادث سيارة سينمائية". أما جوشوا روثكوبث من (تايم آوت نيويورك) فقد وصف أداء نعومي بأنه "استثنائي" ومنح الفيلم 3 نجمات. وكذلك فعل نيجيل أندروز في الفاينانشيال تايمز الذي استثمر التشابه بين الاسم الثاني لنعومي "واتس Watts" مع وحدة قياس الطاقة ليقول "مرة أخرى توزدنا واتس بالطاقة", لكنه اعتبر أداءها الرائع فردي أو معزول عن بقية عناصر الفيلم التي لم يستحسنها. جيم شيمبري في (3AW) امتدح أداء نعومي وقال أنه "أداء مثير للإعجاب" لكنه علق على الفيلم قائلاً : "كان بإمكانه تقديم نصف ساعة أخرى لوضع اللحم في العظم لهذه الفصول الناقصة من قصة حياتها". يقصد أنه كان بالإمكان إضافة أحداث من سيرة ديانا الذاتية لللفيلم. فيونوالا هاليجان في (سكرين دايلي Screen Daily) انتقدت أيضاً النص وقالت أن الأداء الرائع لواتس لا ينبغي تبخيسه ملقية باللوم على فقر الحوار وعلى وطأة وضغط الدور عليها (1).

ديفيد إدواردز David Edwards منح الفيلم نجمة من أصل خمسة ووصفه في صحيفة ميرور بأنه "رديء ومحاولة كئيبة تشبه حفلة القناة الخامسة النهارية في منتصف الأسبوع, ويعيد تجسيد ملكة القلوب وكأنها كيس حزين وحيد, حتى بريدجيت جونز Bridget Jones ستتحاشاه كلما عبرت الشارع" (2). وأضاف "هذا فيلم لم يكن ليحفل به أحد لو لم يكن عن شخصية شهيرة". أما عن نقده لأداء الممثلين فقال عن نافين أندروز "كأنه عثر على الدور مصادفة", في إشارة إلى عدم جدارته بالدور وإلى إهمال اختيار الممثلين, فيما نعومي واتس لم تُظهر إلا القليل من ديانا الحقيقية وفيما عدا تسريحة الشعر فإنها لا تشبه ولا تبدو مثل أميرة ويلز, لدرجة أن "ويزلي سنايبس Wesley Snipes بشعر أشقر مستعار سيكون أكثر إقناعاً منها"! (3). ثم انتقد عدم ظهور ويليام وهاري إلا في مشهد وحيد قصير وهما يودعان أمهما قبل صعود الطائرة الهيلكوبتر (4).

مارك أدامز كتب في نفس الصحيفة بأن "قصة الحب هذه تفتقد إلى أي قلب وأصبحت أميرة الفشل", وبأنها قصة قديمة الطراز وضرب مثلاً على سخافة الحوار حين خاطبت ديانا في بداية لقاءها بحسنات خان : "هل يمكن حقاً للقلوب أن تنفطر؟". أضاف أدامز "ظهرت ديانا في الفيلم وكأنها (بريدجيت جونز Bridget Jones ) تعيش في قصر كينجستون وهي تبحث عن الحب" . في المقابل امتدح أدامز موهبة نعومي واتس وقال أنها "فعلت ما بوسعها لتجسيد الشخصية المعقدة لكنه كفاح مبني على نص مترهل يعتمد على فكرة مبتذلة أكثر مما يعتمد على الدراما أو الأصالة وعلى حقيقة أنها لا تشبه ديانا أبداً" . وفي معرض مقارنته بين الفيلم والكتاب قال بأن الكتاب "مهذب على نحو مفرط ويحمد له أنه لم يخشى تقديم ديانا في بعض الأوقات كامرأة متطلبة, حزينة, مظلومة ووحيدة" . لكنه انتقد عدم ظهور الأمراء ويليام, هاري وتشارلز في الفيلم : "وبدلاً من ذلك نراها وهي تشارك أوقاتها مع صديقاتها سونيا – أدت دورها جولييت ستيفينسون Juliet Stevenson - وأونا توفولو – لعبت دورها جيرالدين جيمس Geraldine James - أو المخلص لها بتلر بول (دوجلاس هودج Douglas Hodge )".

كما انتقد أدامز عدم مطابقة الفيلم للواقع من خلال أقوال حسنات خان التي عبر فيها عن أن الفيلم يعرض صورة سيئة وغير حقيقية عن ديانا. وقال الطبيب في تصريحات لجريدة «صن اون صنداي» أنه هو والأصدقاء المقربين فقط يعرفون طبيعة العلاقة بينهما مؤكداً أن الافتراضات التي يطرحها الفيلم بخصوص أن أقاربه كانوا ضد العلاقة ليست سوى "قمامة". وصرح حسنات خان «كانت ديانا تروق لوالدي وجدتي وأقاربي ولم يعارضوا أبداً هذه العلاقة، كانوا راضين عنا وعن القرارات التي اتخذناها". وأضاف الطبيب "هذا الفيلم ليس سوى تشويهاً لعلاقتنا أنا وديانا بالعائلة". كما تحدى صناع الفيلم أن يتبرعوا بجزء من عائدات الفيلم لصالح أعماله الخيرية في أثيوبيا للمؤسسة الخيرية التي يترأسها جراح القلب المعروف مجدي يعقوب والتي تقوم بعمليات جراحية للأطفال وصغار السن الذين يعانون من أمراض القلب في البلدان التي لا تتوفر فيها العناية الطبية (5).

تينا براون Tina Brown عنونت مقالها في (ذا دايلي بيست The daily beast) : "الأميرة ديانا حبيبة من الجحيم" ثم سألت "لماذا هذا الفيلم ممل جداً؟" وفي الجواب عن سؤالها كتبت:

"علاقتها الرومانسية مخدرة والحوار شنيع وملل كبير", "بذل منتجو الفيلم كل جهدهم حتى يمنعوني من مشاهدة الفيلم, الآن وبعد شرائي تذكرة أفهم لماذا", "من الصعب تخيل كيف يمكن لفيلم عن تاريخ الأميرة الشهيرة الأكثر تمرداً وحساسية أن ينقلب إلى شيء خالٍ من التوتر وهادئ على نحو غريب", وفي نقدها للحوار قالت : "ليس الحوار الرديء وحده الذي جعل من هذا الفيلم سيئاً, وإنما الغياب الكلي لأي سياق لما نشاهده" . ثم انتقلت للمقارنة بين ديانا ونعومي واتس فقالت :
"من الصعب على أي ممثلة أن تشبه ديانا في جمالها. أبلت واتس حسناً لكنها ليست طويلة بما فيه الكفاية. ديانا كانت طويلة وعندما كانت تخطو إلى أي مطعم مرتدية تنورة قصيرة وكعب عالٍ بارتفاع 3 بوصة كانت تلفت الأنظار بشعرها الوامض وبشرتها الناعمة كالدراق". ثم قارنت بين فيلم "الملكة The Queen" وفيلم ديانا:
"من الواضح أنه قد تم تدليلنا من قبل ستيفين فريرز و هيلين مايرن في فيلم "الملكة The Queen" . لكن فيلماً عن ديانا لا يعطينا أي إحساس بعداء الأميرة المتواصل مع العائلة الملكية البريطانية هو مثل عمل فيلم عن الإنقاذ بدون إطلاق نار". ثم راحت تجري مقارنات عن حياة ديانا في الواقع خلال تلك الفترة والتي لم تذكر في الفيلم مثل صراع ديانا مع عائلتها وغيرها من الأحداث التي كان من الممكن استثمارها لتحسين العمل الدرامي. و ختمت نقدها للمشهد الذي ظهرت فيه ديانا في شقة خان التي تعمها الفوضى حيث تقوم بتنظيف أدوات المطبخ وكنس وترتيب الشقة (6).

ملاحظات تينا براون حول عدم استثمار كاتب السيناريو للأحداث التي وقعت في فترة السنتين, في محلها, فعلى ما يبدو أن ستيفن جيفريفز اكتفى بكتاب كيت سنيل فقط مما ألجأه إلى الارتجال في الحوار. لكن نقدها بشكل عام موجه للمقارنة الشكلية بين ديانا ونعومي واتس. هذا النقد القائم على عدم وجود تشابه بين الأميرة ديانا ونعومي واتس وجدناه عند معظم النقاد منهم جيوفري مكناب Geoffrey McNab في الاندبندنت الذي منح الفيلم ثلاث نجمات وأشاد بأداء واتس "القوي والجذل" لكنه أضاف أن الممثلة ذات 44 عاماً "لا تشبه حقاً الشخصية التي أدتها" (7) .

إليزابيث ويتزمان Elizabeth Weitzman كتبت عن الفيلم :"مؤكد أنك لن نكتشف أي شيء يدعو للاهتمام عن الأميرة ديانا في فيلم أوليفر هيرشبيجل المضلل. لكن يمكن لفيلم "ديانا" أن يكون مصدر نجاح من منظور واحد وهو أن تفاهته تذكرنا بالإهانات الدائمة التي تعرضت لها هذه السيدة .. وبدلاً من أن يقدموا لنا صورة امرأة ذكية, ذات شخصية مركبة ورحيمة يعشقها الملايين فإن صناع الفيلم حولوها إلى تلميذة مقهقهة .. كما أن علاقتهما العاطفية قُدمت بطريقة عليلة وصناع الفيلم أنجزوا ما لا يمكن تخيله فقد حولوا ديانا إلى نكرة .. وهي نادراً ما ترى أطفالها ولا يبدو أنها مهتمة بهم, ولديها صديقة واحدة, وتقضي معظم أوقاتها وحيدة مستغرقة في التفكير. والشيء الجدير بالملاحظة هو: كيف استطاعت السير بمفردها في الشوارع بدون حراسة أو متفرجين مزعجين من حولها !".

أما عن نقدها لأداء الممثلين فقد وصفت نافين بأنه ممثل من الوزن الخفيف. وعن نعومي قالت: "من الواضح أنها أمضت بعض الوقت في الإعداد للشخصية, لكن واحسرتاه, فإن النتيجة لم تكن تجسيد شخصية وإنما كاريكاتور not a character but a caricature". لم يكن هناك سوى مجموعة منتقاة من الشعر المستعار والمكياج وميل في حركات الرأس والتقلصات الصوتية" .. كما لم يكن هناك كيمياء بين الممثلين وظهر خان كأناني ومتعجرف بينما ديانا بليدة وسطحية". وفي ختام نقدها امتدحت فيلم "الملكة The Queen" وأثنت على الاهتمام الذي أولوه وحسن التمثيل وخبرة الإخراج في مقابل نقدها اللاذع لنص وإخراج وتمثيل فيلم "ديانا" (8).

تقييم المشاهدين

في أول عطلة أسبوعية عرض فيها فيلم "ديانا" في بريطانيا جاء في المرتبة الخامسة في شباك التذاكر بإيرادات بلغت 623 ألف جنيه إسترليني، لكنه تراجع بعد ذلك إلى المرتبة التاسعة. مع ذلك هناك تباين في وجهات نظر المشاهدين يمكن استخلاصه من إقبال الجمهور على الفيلم في أماكن أخرى خارج بريطانيا, ومن خلال تعليقات المشاهدين.

كتب أحد المشاهدين على موقع قاعدة بيانات السينما (IMDb) "أثار هذا الفيلم دهشتي بسبب النقد الذي أُحيط به. هو فيلم جدير بالاحترام وقد استمتعت به. لطالما أحببت نعومي واتس وهي قد قامت بأداء عظيم. هي لا تبدو تماماً كديانا لكن من هي الممثلة التي يمكنها أن تكون مثل ديانا ؟! ديانا كانت فريدة في شكلها ونعومي بالتأكيد هي الأنسب للدور. نيفين أندروز كذلك قام بأداء قوي والفيلم يتقدم بخطى متوازنة. الفيلم احترم ديانا وأحببت نهاية الفيلم. رجاءً لا تحكموا على الفيلم قبل أن تشاهدوه. الصحافة البريطانية لن تمتدح هذا الفيلم. أحسنت يا نعومي وعليك أن تكوني فخورة بهذا الفيلم".

حصل هذا التعليق, في وقته, على الثناء من قبل 36 شخص - بمن فيهم ثنائي - من أصل 54 شخص مما يبين انقسام الجمهور كالعادة وعلى نحو مألوف حول كثير من الأفلام مع الوضع في الاعتبار التأثير السلبي الذي أحدثه النقاد في تلقي الجمهور البريطاني للفيلم.
أما في موقع (روتن توماتوز Rotten Tomatoes ) فقد حصل الفيلم على 8 نقاط استحسان من أصل 95 مشاهد أي على 3.5 من عشرة . وأجمع المشاهدين على أن "نعومي واتس بذلت جهدها في أداء الدور لكن ديانا دفنت جهودها تحت نص رديء وإدارة خرقاء" .

رد فعل المخرج

اعترف هيرشبيغل بأن المراجعات الانتقادية تسببت في نفور الجمهور، لكنه لا يزال يأمل في أن "يحسم الناس أمرهم". وأضاف "في جميع الأماكن الأخرى التي افتتح فيها الفيلم، في بولندا وجمهورية التشيك وتركيا وسلوفاكيا، كان هناك أداء قوي جداً" . ووصف هيرشبيغل تجربته مع فيلم ديانا بأنها "تجربة مكررة لأنه حاز على نفس ردود الفعل في بريطانيا مثل فيلم السقوط (Downfall) في ألمانيا فور طرحه" .

وأضاف "آمل بأن يكون هذا فقط للتريث والنظر إليه بصورة مختلفة بعد عام أو ما يقرب من ذلك، لأنها قصة بريطانية تماما وأنا مخرج ألماني" . وتابع بأن ديانا "كانت أكثر الشخصيات التي حاولت تصويرها تعقيدا، أكثر تعقيدا من هتلر" .
وفي وقت سابق خلال مشاركته في مهرجان زيورخ السينمائي، وصف هيرشبيغل الفيلم بأنه "غير بريطاني تماما في مواصفاته"، واعتبر أن ردود الفعل الإنتقادية تعود إلى الفترة التي كانت "تميل فيها صحف مثل ديلي ميل إلى كتابته عنها (ديانا) آنذاك، وهي أمور شنيعة بالفعل، ولذا أعتقد بأنني نجحت". (9).

فن الارتجال

الكثير من النقد وُجه للحوار وعلى ما يبدو أن كاتب السيناريو لجأ إلى الارتجال في الحوار في إطار مضمون قصة الحب التي جمعت بين الأميرة والطبيب فنجح حيناً وفشل في أحيان أخرى. وعن الارتجال دار حوار بين حسنات خان وديانا حول موسيقى الجاز :

خان : (مخاطباً ديانا) "الجاز متعلق باللحظة .. يجب أن تكوني هناك .. إنه أمر مرتجل تماماً كما هي الحياة .. أنتِ ترتجلين طوال الوقت .. إن كان بوسعك الارتجال فستحبين موسيقى الجاز".
وكأن كاتب الحوار يريد أن يقول للمشاهدين : "إن كان بوسعكم الارتجال مثلما فعلت في هذا الفيلم فستحبونه!" .

مع ذلك هناك جمل قوية في الحوار مثل ذلك الحوار الذي دار بين ديانا وأونا :
أونا : (مخاطبة ديانا) "أنتِ من برج السرطان لذلك تتمسكين بفكرة الحب لأنك تجيدين تقديم الحب لذا تابعي العطاء فالجزء الأصعب هو تلقي الحب" .
وعندما تخبرها ديانا بحلم السقوط المتكرر الذي تراه في منامها تسألها أونا :
أونا : "في حلمك من يدفعك للسقوط ؟"
ديانا : "ليس هذا المهم أونا, الأهم هو هل سيلتقطني أحد؟!"

أكثر الانتقادات وُجهت للنص ولأن الفيلم يحمل توقيع المخرج لذلك تحمله تلك الانتقادات سوء إدارة الفيلم. مع ذلك لا يخلو الإخراج من المشاهد الذكية منها مشهد البداية وربطه بمشهد الختام وكأن المشهد الأول سؤال يقتضي جوابه مشاهدة بقية الفيلم للحصول على الجواب في المشهد الأخير.

بدأ الفيلم بمشهد في عام 1997 يُظهر ديانا وهي متوترة وقلقة وكأنها تنتظر شيئاً ما, وفي رواق الفندق الطويل بين الغرف تسير ديانا تتبعها الكاميرا بينما مرافقيها في انتظارها, تتوقف ديانا عن المشي وتلتفت للوراء وكأنها نسيت شيئاً ما. عند هذه اللحظة, وهي في مواجهة الكاميرا, تعود الكاميرا إلى الوراء وكأنها تدعو ديانا للرجوع معها, لكن ديانا تستأنف السير إلى المصعد برفقة مرافقيها. يترك هذا المشهد المُشاهد في حيرة من أمره ليتم انتقال المَشاهد التالية ابتداءً من عام 1995 حتى تنتهي إلى عام 1997 مجدداً فيتم استئناف مشهد البدء مع بعض الإضافات التي تحل لغز مشهد البداية فيعرف المُشاهد أن سبب قلق وتوتر ديانا هو ترقبها مكالمة تلفونية من خان بعد انفصالهما بينما توقفها والتفاتها للوراء سببه ظنها بأنها سمعت رنين التلفون. إضافة مشهد للتلفون وهو يرن يعطي تخميناً بأن المتصل هو خان, لكن ديانا تواصل السير نحو المصعد. يعرف المُشاهد من خلال الإضافات إلى هذا المشهد المعاد أن دودي الفايد هو أحد مرافقي ديانا في خروجهما الأخير حيث سيلقيان حتفهما في أحد أنفاق باريس.

بعض النقاد اشمئز من فكرة الفيلم التي تدور حول حسنات خان فاقترح متهكماً تسمية الفيلم "حسنات خان" ! مثل هذه الانتقادات تبين سوء فهم مسبق مرده الاعتقاد بأن الفيلم سيرة حياة ديانا بينما هو في حقيقة الأمر مكرس للسنتين الأخيرتين من حياة ديانا ولحبها "الأخير" بين 1995 و 1997 , تتخلل هذه القصة بعض أنشطة ديانا الإنسانية حول العالم في نفس الفترة.

عدم ظهور أبناءها في الفيلم إلا في لقطة قصيرة يمكن تأويله فنياً لإظهار مدى الوحدة التي تشعر بها ديانا إثر منعها من رؤية أبناءها بشكل كافٍ وهي قد عبرت في الفيلم عن استياءها لعدم القدرة على رؤيتهم بشكل كافٍ. أما عدم ظهور الأمير تشارلز فيرجع لانقطاع العلاقة بينهما في الواقع كما قد يرجع لضرورة فنية تبين مدى سوء العلاقة بين الاثنين.

من عنوان الكتاب ومضمون الفيلم نستنتج أن حسنات خان كان الحب الأخير في حياة ديانا العاطفية. لكن ماذا عن "دودي/عماد الفايد" ؟!

يوحي الفيلم, وهو ما يثير الاستغراب, بأن "دودي الفايد" كان مجرد بديل مؤقت استخدمته الأميرة ديانا من أجل إشعال نار الغيرة في قلب حسنات خان أملا في عودته إليها بعد انفصالهما. يتضح هذا من خلال الاتصالات التي تطلب فيها من خان ضرورة الاتصال بها في نفس الوقت الذي يشاهد فيه خان صورها في الصحافة وهي بالمايوه بصحبة "دودي" على جزيرة سردينيا في إيطاليا. وأيضاً من خلال اتصال ديانا المتعمد بأحد الصحفيين, والذي تخاطبه "أيها الوسيم" !, كي يحزر مكان تواجدها من أجل التقاط صورها وهي بصحبة "الفايد" !. تعطي هذه المَشاهد الانطباع بسطحية الأميرة حين تصب كل جهودها من أجل لفت انتباه وغيرة خان من أجل استعادته ! وهي أحداث يصعب التأكد من صحتها في الواقع, وسواء صحت أو لا فإنها توحي بأن الكتاب والفيلم محاولة قتل ثانية للأميرة وإخراجها من مملكتها في قلوب الناس.

النقد لم يوجه للفيلم إلا كمظهر بينما قد تكون حقيقة النقد تحذيراً لعدم الاقتراب من النموذج الكامل للأميرة ديانا في أذهان محبيها, خصوصاً بعد أن حولتها بساطتها والأعمال الخيرية التي قامت بها والطريقة التي ماتت بها, إلى أسطورة, تجعل من الصعب على أي مخرج تناولها دون أن ينال نصيبه من النقد اللاذع. ربما هذا هو ما دعا المخرج هيرشبيجل إلى القول بعد تلك الانتقادات أنه لا يشعر بالندم بالرغم من سوء استقبال الجمهور البريطاني للفيلم واستطرد قائلا "أعتقد بالنسبة للبريطانيين فإن (فيلم) ديانا لا يزال تجربة مزعجة لم يتكيفوا بعد معها".

خلاصة النقد الموجه لفيلم "ديانا" يقول بأنها سقطت في السينما لكنها لم تسقط كملكة من قلوب محبيها. أما القاعدة التي يمكن الخروج بها من الفيلم للتعامل مع المرأة وكسب حبها فهي :
كي تكسب حب المرأة العادية, عاملها كأميرة, وكي تكسب حب الأميرة, تعامل معها كامرأة عادية !

ملكة القلوب وأميرة التاريخ

لم تحظ الأفلام التي تناولت حياة الملكة إليزابيث وحياة العائلة الملكية البريطانية بالنقد اللاذع, بل على العكس لاقت استحسان البعض كما تقدم. ليس لأن كيت بلانشيت أقرب شبها بالملكة إليزابيث في فيلم (الملكة The Queen ) أو لأن النصوص كانت أروع من نص فيلم ديانا فقط. هناك عدة أسباب: منها الزمن من حيث بعده عن حاضر المتلقي, وفي تغطية تلك الأفلام لجزء كبير من السيرة الذاتية للشخصيات مما يعطي تطابقاً بين الشخصية في الفيلم والشخصية في التاريخ. وسبب ثالث هو الحياد العاطفي للمتلقي الحاضر بتلك الشخصيات التاريخية. نفس هذا الكلام ينطبق على فيلم (الشابة فيكتوريا The Young Victoria ).

بينما في فيلم "ديانا" نحن أمام شخصية ما زالت حاضرة بقوة في وعي وقلوب الملايين, كما أن موتها المأساوي والمفاجئ لن يغفر لأي مخرج تعامله معها سينمائياً, وبتلك الطريقة التي تعامل معها هيرشبيجل. فكيف بنا ونحن هنا أمام برهة زمنية من حياة ديانا الخاصة جداً والمحفوفة بالأسرار التي لا يمكن الجزم بصحتها أو إمكان مطابقتها مع التاريخ. والأهم أن الفيلم أظهر ديانا إنسانة ضعيفة ومُسيَّرة أمام الحب في حين أظهر خان في موقف المسيطر والعصبي الذي يصرخ في وجه الأميرة ويظهرها كتلميذة في "مدرسة الحب" !

النقد الموجه للفيلم لم يعترض بشكل مباشر على صحة وقائع الفيلم تاريخياً, وإنما الاعتراض على الصورة "السلبية" التي عُرضت بها الأميرة, مما يجعلنا نطرح سؤالاً عن طبيعة ردود أفعال النقاد والجمهور فيما لو قُدِّمت "ديانا" في صورة ملائكية ومحببة للنفس لكن مختلقة أو غير مطابقة للواقع !

صحيح أن الفيلم تأسس على كتاب لكن قصر الفترة الزمنية التي يتناولها الفيلم وسرية العلاقة أتاح لكاتب السيناريو والمخرج قدراً من الحرية في الحوار. يصعب علينا الاطلاع على تفاصيل القصة كما هي في الكتاب مع ذلك أصبح من المعروف أن كل قصة أو رواية مكتوبة لا يتم التعامل معها حرفياً عند تحويلها إلى فيلم سينمائي. كما هو معروف أن كل كتاب ممتاز يفشل سينمائياً خلافاً للكتب متوسطة المستوى التي تنجح سينمائياً. وعلى هذا ربما يرجع فشل الفيلم إلى صدق وروعة كتاب حياة ديانا الواقعي أو المتخيل والذي لم تفرغ الجماهير بعد من قراءته كي تتفرغ وتستمتع بقراءته سينمائياً.

توق الأميرة ديانا في الواقع إلى الحب والزواج والاستقرار وتصرفها كإنسانة أكثر منها كأميرة ربما دفعت هذه الحقائق كاتب السيناريو والمخرج إلى المبالغة في إضافة مشاهد ساهمت في تسطيحها.
الواقع يقول بأن الأميرة ديانا فضَّلت أن تكون ملكة في قلوب الناس على أن تكون ملكة في التاريخ وهي ما زالت في ذلك الموضع إلى أن يأتي زمن يتعامل الناس معها تاريخياً, حينها يمكن تقبل هذا الفيلم والحكم عليه بموضوعية أكبر.
>>
27/12/2013
________________________________..
(1) http://en.wikipedia.org/wiki/Diana_(film)
(2) بريدجيت جونز شخصية خيالية في فيلم "مذكرات بريدجيت جونز" : فيلم بريطاني تم إنتاجه عام 2001, الفيلم رومانسي كوميدي, مقتبس من رواية تحمل نفس الاسم للكاتبة هيلين فيلدينج. ويدور حول امرأة بريطانية مصممة على تطوير نفسها في أثناء بحثها عن الحب, أما في الفيلم الثاني "بريدجيت جونز : حافة العقل Bridget Jones: The edge of reason" (2004) فبعد أن تجد الحب تسأل بريدجيت جونز نفسها فيما إذا كان لديها كل الأشياء التي حلمت بها. الفيلمين من بطولة رينيه زيلويجر Renée Zellweger , هيو غرانت Hugh Grant وكولين فيرث Colin Firth . أما تشبيه ديانا ببريدجيت جونز فيراد منه القول بمدى سطحية الشخصية التي ظهرت بها في الفيلم .
(3) ويزلي سنايبس ممثل أميركي أسود وفي هذا التشبيه قسوة وتقليل من أهمية أداء نعومي واتس
(4) http://www.mirror.co.uk/tv/tv-news/diana-film-verdict-cheap-cheerless-2254659
(5) http://www.mirror.co.uk/news/uk-news/princess-dianas-former-lover-hasnat-2344202
(6) http://www.thedailybeast.com/articles/2013/11/04/tina-brown-princess-diana-was-the-girlfriend-from-hell-why-is-this-movie-so-boring.html
(7) http://www.independent.co.uk/arts-entertainment/films/reviews/film-review-diana--naomi-watts-stars-in-dark-tale-of-love-weighed-down-by-princesss-baggage-8801006.html
(8) http://www.nydailynews.com/entertainment/tv-movies/diana-movie-review-article-1.1501498
(9) http://www.bbc.co.uk/arabic/artandculture/2013/10/131004_diana_film_--dir--ector.shtml
________________________________
لمزيد من المواضيع في مدونتي الكاتب:
http://thowarlogy.wordpress.com/
http://rhmadi.blogspot.com/