روسيا وأوكرانيا؛ إملاءات التاريخ وانحسار السياسة

ناظم الديراوي
2014 / 3 / 29

لم تشهد أوكرانيا المعاصرة منذ حقبة الحرب الأهلية (1918-1920) التي دارت معظم أحداثها الدامية في مدينة كييف عاصمة البلاد السياسة والروحية ذات التاريخ العريق الموصول بإمارة (كييفسكايا روس)، بين جيش الثوار الأحمر المُسند من حكومة البلاشفة (الأكثرية) التي أسقطت القيصر نيكولاي الثاني وحكومته عام (1917) من جهة، والجيش الأبيض المكون من بقايا العسكر وكبار الإداريين والقوميين الموالين للحكم القيصري المنهار، المدعوم من دول أوروبا الغربية المعادية للنظام البلشفي الجديد من جهة أخرى، مثل هذا الانقسام الحاد في الهرم السياسي والأمني للدولة، والانشطار العنيف، في مكونات المجتمع الأوكراني القومية والدينية، وحالة التدهور السريع في النظام الاقتصادي المالي ومؤسسات النفع العام، وتوسع الفوضى غير المألوفة قي إدارة الملفات الأمنية والمدنية ودخول جهات مسلحة لا تنتمي لجهاز أمن الدولة ومؤسساتها، باتت تسيطر تماماً على الشارع وشؤون المواطنين ودوائر الحكومة في المُدن الغربية للبلاد وعاصمتها كييف.
واليوم تُدار مؤسسات الدولة بأساليب تتعارض مع القوانين المحلية، وعلى وجه الخصوص في تلك المناطق التي ليس بوسع الأجهزة الأمنية السيطرة عليها، بل أنها معرضة لابتزاز المجموعات المسلحة وغاراتها العنيفة، التي أخذت تنتزع من الحكومة الجديدة، تحت إرهاب السلاح، تنازلات تسمح لها علناً بتشكيل ميليشيات مسلحة تتدرب في معسكرات كانت بالأمس مخيمات صيفية لطلاب المدارس. ولا أحد يمكن له أن يضمن اليوم بأن هذه القوات وتلك الأسلحة التي نهبت من ثكنات الجيش الأوكراني ومخافر الدرك، لن توجه فوهاتها غداً إلى صدور قوى الأمن الأوكراني والأحزاب السياسية المعارضة لفكرها القومي المتشدد ونهجها السياسي العنيف، لاسيما وأنها تملك أسلحة ثقيلة وخبرة في حرب العصابات كسبتها في يوغوسلافيا وجمهورية الشيشان وشمال القفقاز ومناطق ساخنة أٌخرى.
والمروع أن تلك المجموعات المسلحة تقوم باحتلال المؤسسات الإعلامية والمحاكم الحكومية، وترغم القضاة والمحافظين والأكاديميين الإعلاميين على الاستقالة من مناصبهم، ولا تتوانى عن استخدام أساليب التعذيب والخطف والاغتيال لبلوغ أغراضها. الأمر الذي فرض على أطراف في الحكومة والبرلمان الأوكراني أن تعلن براءتها من هذه الممارسات غير الشرعية. ومع هذا، وللحق نقول ليس بمقدور السلطات الأوكرانية، هزيلة القوة والدعم الشعبي، تأمين الاستقرار في مناطق البلاد في ظل العنف المتصاعد. ولا مراء أن هذه الحالة ستؤدي حتماً إلى تفاقم الوضع في شرق أوكرانيا حيث التركيب القومي (الأوكراني والروسي) المتعادل في المناطق القريبة من الحدود الروسية، وحصراً في المدن التي ألحقت بأوكرانيا بعد ثورة أكتوبر وأبرزها؛ خاركوف ودونيتسك وزابوروجّيا، في بداية عشرينات القرن الماضي، حيث قرر فلاديمير لينين وأيده يوسف ستالين رفع نسبة الطبقة العاملة وحركتها الثورية لمواجهة البرجوازية وبقايا النظام القيصري في أوكرانيا، التي كان سكانها في الغالب فلاحين غير محسوبين، وفق التصنيف الطبقي الماركسي، على القوى الثورية. ولذا كان لا بُدَّ من إنعاش المزاج الثوري في البلاد ورفع مستواه المهني عبر إلحاق مناطق صناعية روسية بأكملها، واقعة جنوب-غرب روسيا، بجنوب وشرق جمهورية أوكرانيا السوفييتية الوليدة تواً !.
والطريف أن أنصار الحكومة الجديدة في أوكرانيا، ومن اتحد معهم من قوميين متزمتين، بعد سيطرتهم على غرب ألبلاد والعاصمة كييف قاموا بتدمير تماثيل فلاديمير لينين وكل ما يذكر بالعصر السوفييتي، غير أن أكثرهم إما أن يكونوا قد نسوا أو لا يعرفون بتاتاً أن مؤسس الدولة الأوكرانية الحديثة هو فلاديمير لينين. وقبل ذاك لم تكن هناك أية دولة أوكرانية مطلقاً بل كانت غالبية أراضي البلاد داخلة في أملاك الإمبراطورية الروسية منذ أكثر من مائتي عام وخاصة كييف وجنوب البلاد وشرقها، أما غرب أوكرانيا فكانت تتناوب على حكمها وإدارتها منذ قرون عديدة الدول الكبرى المجاورة (إمارة ليتفا العظمى، الإمبراطورية النمساوية- الهنغارية، بولونيا، الإمبراطورية الروسية، الاتحاد السوفييتي).
ويبدو أن روسيا اليوم تسعى، بعد صعود اقتصادي-اجتماعي ملحوظ وارتفاع كفاءة قواتها البرية وأساطيلها الحربية، البحرية والجوية، في العقد الأخير، وتمكنها من تأمين وحماية حدودها الشاسعة التي تحيط بمساحة تتجاوز سبعة عشر مليون كيلو متر مربع، ذات حدود مشتركة مع عشر دول أسيوية وأوروبية، وتطل على ثلاثة عشر بحراً من جهاتها الأربع، إلى استعادة مكانتها كدولة عظمى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في أكتوبر-1991، وتعاظم التدخلات الغربية المباشرة، في حقبة التسعينات، في شؤونها المحلية وسياساتها الإقليمية والدولية، التي قيّدت صلاحياتها كدولة دائمة العضوية في مجلس الأمن. ولم تتخلص روسيا من هذا الوضع المُذل حتى منتصف العقد الماضي، بعد أن تمكنت من تسديد جميع ديون الاتحاد السوفييتي وحكومات الرئيس الأسبق بوريس يلتسين التي تجاوزت المائة مليار دولار، بفضل النهج السياسي والاقتصادي الشديد الذي سلكه الرئيس بوتين في سنوات رئاسته الثانية. تلك السياسة التي اتسمت بضرب نفوذ الطغمة المالية الجشعة، التي كادت أن تحتكر مجمل محاور الاقتصادي الروسي، والتحكم بمصير البلاد والتصرف بمواردها وثرواتها وكأنها ملك أبدي لشركاتها التي لم تتوان عن استخدام العنف لتوسيع أملاكها، عبر أساليب النصب والاحتيال وتصفية المعارضين لعمليات خصخصة ثروات وأملاك الشعب الروسي، وتهريب مئات المليارات إلى الخارج بطرق غير قانونية. وكل هذا كان يجري بعلم الحكومات الروسية الفاسدة التي تعاقبت على حكم البلاد إبان إدارة الرئيس بوريس يلتسين الشخص الأضعف من بين جميع حكام روسيا منذ عهد الإمبراطور بطرس الأول (1682-1725) مؤسس الدولة الروسية الحديثة.
وروسيا التي تملك كل مقومات النهوض بالسياسات الكونية إن رتبت أولوياتها في الساحة الدولية وركزت الاهتمام أكثر على الشرق محرك الاقتصاد العالمي ورافد أوروبا بمصادر الطاقة وأجيال الأيدي العاملة، بل والبضائع الزراعية والصناعية الزهيدة، قادرة اليوم على خلق حالة توازن دولي، باتت الغالبية المطلقة من دول العالم تنشده منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وصعود أمريكا العنيف في إدارة العلاقات الدولية بالنار والحديد. في ظل ترهل دول أوروبا وعجزها حتى عن السيطرة على شؤون القارة وحل مشاكلها الاقتصادية، وتضييق حدة التباين الهائل في مستوى المعيشة بين شعوب الاتحاد الأوروبي، الذي تورط في مشاكل إقليمية في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط أثقلت كاهله السياسي والاقتصادي، وخلخلت الثقة والتعاون مع روسيا.
وواضح أن الوقت حان كي تتخلص قيادة روسيا ومجتمعها، المنفتح على ثقافات وآداب وأعراف الشعوب، من أمالها الواهية بشراكة الغرب المتكافئة في إدارة وتقاسم الملفات الدولية. فالتاريخ يعلمنا أن الغرب ما كان يوما يتعامل مع روسيا بنزاهة ومصداقية ولم يشركها أبداً، من غير طمع، في مشاريعه الكونية. بل ألحق وعلى الدوام بعلاقاتها الاقتصادية والجيو- سياسية أفدح الأضرار، إن في أوروبا أو آسيا أو أفريقيا وحتى في أمريكا اللاتينية.
وأني لأشك حقاً إن كان الغرب قد دعم دول الشرق وشيد لها من دور العلم والمعرفة والمشاريع الحيوية العملاقة مثلما فعلت روسيا في تاريخها الحديث. ويكفي أن ننظر إلى ما كان عليه حال دول القفقاز وآسيا الوسطى من النواحي العمرانية والاقتصادية والتعليمية والأمنية قبل إتحادها مع الإمبراطورية الروسية ومن بعدها روسيا السوفييتية وما هو عليه اليوم من مستوى حضاري، وحال أفغانستان وباكستان والصومال والعراق وليبيا وسوريا واليمن ومصر ولا أقول فلسطين بل وأوكرانيا، ما أن وصلتها بركات الحضارة الأمريكية، التي لم تتعرض لمثل هذه الفوضى العنيفة لا في العصر السوفييتي ولا حتى إبان عملها ضمن رابطة الدول المستقلة. أما ما حصل لشعوب يوغوسلافيا فحدث ولا حرج!، بعد تدخل أمريكا والغرب الرأسمالي في شؤون تلك البلدان التي كانت تنعم، مقارنة بما ألت إليها أحوالها المأساوية اليوم، بالأمن والاستقرار والعمل.
وما أزمة القرم وسيفاستوبول إلا حلقة جديدة في صراع النفوذ الجيو-سياسي المحتدم منذ انهيار الاتحاد السوفييتي نهاية عام(1991)، والذي وصل مدهُ إلى الدول المجاورة لروسيا. الأمر الذي أشعر الروس وبجدية بأن الغرب بات ماضياً في تضييق الخناق عليهم. لهذا كان، في اعتقادنا، ردّهم مفاجئاً وسريعاًً وحاسماً ودون هوادة. وفعلاً تمكنوا، وبذكاء حاذق، من إحباط أكبر مؤامرة دولية لتجريد روسيا من منفذها على البحر الأسود، المياه الدافئة. إذ كان المخطط أن تلغي الحكومة الأوكرانية الجديدة اتفاقية خاركوف، التي وقعها الرئيس الروسي السابق دميتري ميدفيديف عام (2010) مع رئيس أوكرانيا فيكتور يانوكوفيتش، التي سمحت بتمديد إقامة أسطول البحر الأسود الروسي في شبه جزيرة القرم وسيفاستوبول لغاية عام (2042) مقابل مائة مليون دولار عن كل عام، الأمر الذي يؤدي تدريجياً إلى القضاء نهائياً على تواجد روسيا في البحر الأبيض المتوسط، وحصر نفوذها البحري في شمال وغرب البلاد، وإرغامها على الاكتفاء بكونها قوة إقليمية وليست دولية. ولا أدري هل تذكر بوتين وفريق إدارته أثناء بحثهم عن كيفية استرجاع القرم وسيفاستوبول مقولة الفيصر الروسي الكسندر الثالث الشهيرة التي كان يرددها دائما على مسامع المقربين منه ؛( لنا في العالم أجمع حليفان وفيان لا غير - جيشنا وأُسطولنا، وكل ما عداهما، يتألبُ علينا مع أول فرصة تتاح)!.
ويبدو أن روسيا باتت تدرك تماماُ أن الوضع الدولي بعد إعادة القرم قد تغير وعليها أن تخلق اختراقات في السياسة الدولية، وليس في خططها التراجع مطلقاً عن قرارها بضم القرم، ولن ترضى أن تُعامل إلا كدولة عظمى، ولديها أوراق اقتصادية وسياسية وعسكرية ضاغطة على دول الاتحاد الأوروبي وأمريكا إن لجأت إلى العقوبات الاقتصادية والمالية. من بينها؛ أن حجم التبادل التجاري مع أوروبا يتجاوز (400) مليار دولار فيما مع أمريكا نحو(40) مليار. والاستثمارات الأوروبية في الاقتصاد الروسي تزيد بنحو مائة مليار على استثمارات روسيا في أوروبا. وأن أكثر من ست آلاف شركة ألمانية تتعامل تجاريا مع الشركات الروسية. وأن أوروبا تستورد (30%) من حاجتها للغاز من روسيا و(25%) من النفط. وسوق المال البريطاني سينهار إذا ما فُرضت عقوبات على روسيا. بل أن فرنسا ستخسر صفقات تسليح ضخمة مع روسيا. وغالبية دول أوروبا مُستفيدة كثيرا من السوق الروسي الضخم في تصريف بضائعها واستقبال ملايين السياح الروس. أما أمريكا فلا أحد يعرف كيف ستعوض اعتمادها شبه التام على مادة (التيتان) التي تستوردها من روسيا لصناعة طائرات (إيرباص) العملاقة، وأيضاً التعاون العسكري في نقل المؤن واحتياجات الجيش الأمريكي وقوات حلف الناتو في أفغانستان الذي يمر زهاء (60%) منه عبر أراضي وأجواء روسيا حسب اتفاقات بين الطرفين، وهو أضمن من الطريق عبر باكستان، لاسيما وأن أمريكا قررت سحب قواتها قريباً من أفغانستان فكيف لها أن تعوض هذا الطريق الأمن إن فرضت عقوبات على روسيا، وماذا يمكن فعله بالتعاون العلمي وأبحاث الفضاء بل إرسال العلماء الأمريكيين إلى الفضاء في مركبات الفضاء الروسية، والتعاون في حل قضايا عصيبة مثل؛ الملف النووي الإيراني والأزمة السورية والنزاع العربي-الإسرائيلي والأزمة الكورية وقضايا المحيط الهادي ومكافحة الإرهاب الدولي وملفات أخرى كثيرة!. كما وتتداول الجهات المالية في روسيا خيار الامتناع عن التعامل بالدولار كعملة أجنبية في البلاد ومعاملاتها الخارجية واللجوء إلى توسيع سلة العملات الأسيوية في التعامل المالي والتجاري، واعتماد الروبل كعملة صعبة في الصفقات التجارية والبنكية مع الشركاء. وأيضاً تملك روسيا ورقة تسليح حلفائها بأسلحة دفاعية وهجومية متطورة للغاية كصواريخ أس (300) وطائرات ميغ الجيل الجديد وغواصات بحرية تقلب المعادلة العسكرية في الشرق تماماً، علماً بأن القانون الدولي لا يمنع روسيا من بيع تلك الأسلحة شأنها شأن أمريكا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا والصين.
بلا شك أن فرض عقوبات اقتصادية على روسيا سيكون له أثار مدمرة على الاقتصاد العالمي الذي لم يشف بعد من أزمته الأخيرة، ومع هذا فإن دول كثيرة في الاتحاد الأوروبي لا تؤيد مثل هذه العقوبات على روسيا التي لن تؤدي إلى إخضاع روسيا، بل ترى أنَّ المفاوضات أنجع السبل لتخفيف الأضرار التي قد تلحق بالنظام الدولي. وأن أطراف عديدة أصبحت مدركة بأن شبه جزيرة القرم عادت نهائياً إلى روسيا، وليس هناك إجراءات من شأنها أن تغير ما هو قائم على أرض الواقع، وأنَّ زهاء (95%) من سكان شبه الجزيرة صوتوا لصالح إعادة انضمامها إلى روسيا. وليس بوسع أوروبا وأمريكا حل الأزمة الاقتصادية والسياسية والأمنية المعقدة في أوكرانيا بدون روسيا. وغير ذلك فهي قادرة على عرقلة أيّ حل لا يضمن مصالحها.
واليوم ليس من الحكمة والإصابة السياسية إقصاء الفكر العقلاني ومناهج التجريب المتراكمة، التي طبقت تباعًا في مجرى تفاعلات متباينة الأثر والمفعول على مصير الشعوب والبلدان على مدى تاريخ نزاعات الأنظمة السياسية والدينية التي سادت بقاع المعمورة، وعزلها عن منظومة العمل الدبلوماسي وآلية إدارة الحوار المباشر بين الشركاء أو الخصوم، أثناء اشتداد الأزمات وتفجر النزاعات، والاقتصار في التعامل مع طرفي المعادلة على منطق المصالح المحكومة بثقل القوى الضاغطة لا على أساس العدل والقانون. الأمر الذي ينزع من معاملات العلاقات الدولية وشؤون المواطنين الحياتية أهم آلية إنسانية لم يخترع تاريخ المجتمع البشري غيرها وسيلة لحل الخصومات وفض المنازعات وإنصاف المظلوم ومعاقبة المعتدي وإعادة الحق لأصحابه وإصلاح الحال، وإن علا ضجيج الباطل وضاع صوت الحق بين جحافل الظلم العدوان.
*سانت- بطرسبورغ - 22-03-2014.