المحافظون الجدد في أمريكا يقودون كل المحافظين في العالم لمحاربة كل التقدميين في العالم

سالم لعريض
2014 / 3 / 28

منقول و بتصرف في النص كتبه لعلي عبدالعال : للإستفادة منه و المساهمة في النقاش حول الدور التخريبي لأمريكا و الأحزاب المتسترة بالدين في كل الديانات و الأحزاب اليمينية و الفاشية و دورهم كلهم في بناء النظام العالمي الجديد
إنها قصة طائفة ثقافية تقيم في واشنطن، لا يتجاوز عددهم المائة أو المائتين، ومجموعة من المخططين الذين يريدون أن يبنوا إمبراطوريتهم الأمريكية على الدم والقتل والتنكيل وإرهاب الدولة.. وإنها أيضاً قصة عقائد الغابات، والأفكار التي استعارها بعض المنتسبين إلى الإنسانية من الحيوانات، حينما يصبح القتل والنهب والتدمير مذهب الإنسان وديدنه، لا يكاد ينتهي من فريسة حتى يفكر في التي تليها والدم بين أنيابه.
من هم المحافظون الجدد.. ؟
"المحافظون الجدد".. مجموعة سياسية أمريكية، تميل إلى اليمين المسيحي المتطرف، آمنت بقوة أمريكا وهيمنتها على العالم. وهم ليسوا ساسة فقط بل كتاباً نافذين، ومفكرين استراتيجيين، ومحاربين قدامى، وجمهرة من المثقفين أكثر تطرفاً من كل ألوان الطيف الفكري والثقافي الأمريكي الحالي.
وهم أيضاً جماعة ذات ميول صهيونية مغلفة بعداء شديد للعرب والمسلمين، حددت مسار السياسة الخارجية الأمريكية في عهد جورج دبليو بوش، وعملوا على بلورة سياسة تجيز استعمال قوة أمريكا العسكرية للوصول إلى أهدافها، من دون النظر إلى أية اعتراضات.. إذ يعتقد المحافظون الجدد أنهم يملكون الحقيقة وحدهم، وأن قوة الأسلحة التي يملكون تفرض نفوذها على الجميع.
ويصنف تيار المحافظين الجدد بأنه لصيق الصلة بإسرائيل، وحليف متعصب لها، إذ أن أكثر قادة ومنظريه (الجدد) من المثقفين اليهود. ويعرف بعض المتخصصين هذا التيار بأنه نتيجة صراع نشب بين اليهود الليبراليين واليهود المحافظين حول السيطرة على وجهة يهود أمريكا الأيديولوجية.
والمحافظون الجدد ليسوا جدداً إلاّ في إعادة ممارسة دورهم وتوجهاتهم، لأن الفكر المحافظ هو لب القيم الأمريكية منذ تأسست الولايات المتحدة، وقد عادت هذه الخلايا النائمة إلى الظهور المتطرف من جديد بفضل النهج السياسي الذي اعتمده جورج بوش الابن.
وكان منشأ هذه الحركة مع خروج مجموعة كبيرة من المفكرين اليهود واليمينيين من الحزب "الديمقراطي" إبان ولاية جيمي كارتر، الذي تبنى أجندة اليسار الجديد، وعارض التصعيد ضد السوفيت، ورفض مطالب المحافظين بتوظيف بعضهم في إدارته. ومن ثم تحولوا ــ متبنين سياسة متشددة تدعو إلي تعزيز القوة العسكرية ومواجهة السوفيت ــ إلي الحزب "الجمهوري" وزادت هيمنتهم علي السياسة الخارجية الأمريكية في عهد رونالد ريجان، الذي آمن بفكرة التصعيد، ورفض نقد اليسار اللاذع للثقافة الأمريكية.

وقد عُرف المحافظون مع ريجان ــ كمجموعة منشقة عن الحزب الديمقراطي ــ باسم "ديمقراطيو ريجان" Reagan s Democrats ، حيث تفرقوا في المراكز الأكاديمية والبحثية والإعلامية من دون أن ينتظموا في حزب أو يشكلوا جسماً سياسياً يمكن أن يشار إلى أدبه السياسي المكتوب أو إلى عقيدته الفكرية. وكانت هذه هي المرحلة التي تبلور خلالها تيار "المحافظين الجدد"، إذ ساعدت الحركات ــ أو بمعنى أدق ــ التقلبات الفكرية والسياسية التي مر بها المجتمع الأمريكي، على تشكيل بيئة خصبة لنمو أفكارهم وتبلور تيارهم الفكري والسياسي.
منطلقاتهم الفكرية
يؤمن المحافظون الجدد بدور "القوة العسكرية" كأداة أساسية لمواجهة التحديات والنزاع في العالم. والعلاقات الدولية بالنسبة لهم تقوم على القوة، كما أن السلام الحقيقي إنما يأتي فقط نتيجة للانتصار في الحرب، وليس بالدبلوماسية أو العدالة.
وخلال السنوات الأخيرة ساند المحافظون الجدد عدداً من الأفكار التي اكتسبت رواجاً واسعاً في واشنطن، وعلى رأس هذه الأفكار "الإيمان بأن أمام أمريكا فرصة غير مسبوقة لإعادة صياغة النظام العالمي" نابعة من حالة الفراغ التي يعشها العالم بعد سقوط الإتحاد السوفيتي، وهو فراغ يجب أن تملأه أمريكا من خلال الدور "الرسولي" الحتمي الذي يجب أن تضطلع به.
إذ يرى هؤلاء أن العالم يبحث عن قائد، وأن أمريكا هي حتماً هذا القائد، فسيطرة أمريكا وسيادتها المطلقة على العالم هي مصدر الاستقرار. لذا فهم يرون أن من الطبيعي أن يتوحد الغرب وغيره من دول العالم تحت القيادة الأمريكية لإعادة تشكيل النظام العالمي الجديد.
ويكن المحافظون الجدد قدراً كبيراً من الرفض لدور المنظمات الدولية، والقانون، وجهود الحد من التسلح، وبشكل خاص يناصبون "الأمم المتحدة" العداء، حيث يرون أن القوة العسكرية يجب أن تبقى أساساً رئيسا للسياسية الخارجية.
وقد آمن الجدد بأنهم قادرون على التدخل العسكري لإعادة تشكيل الدول كالعراق وأفغانستان ولبنان وإيران، وجعلها نموذجاً لقدرة أمريكا على التدخل ومساعدة الأصدقاء والتغيير، ولهذا جرى الترويج لمبدأ السيادة الوطنية المحدودة، أو حتى إلغاؤها عندما تتعارض مع المصالح الإستراتيجية الأمريكية. وفتح الأمريكيون الباب لحملات عسكرية تأديبية على دول مستقلة وأعضاء في الأمم المتحدة، كما وصل بهم الحال إلى تهميش دول كبرى ذات دور أساسي وفاعل في العالم كالصين، وروسيا.
ومن بين ما يؤمن به المحافظون الجدد أن من واجبهم التعجيل بعودة "المسيح" إلى الأرض، لتحقيق نبوءة الكتاب المقدس "بشن الحرب على المسلمين والاستيلاء على كل الأراضي المقدسة". وهم ينظرون بعين التطرف إلي الآخر ويرونه ــ أياً كان ــ عدواً يجب استئصاله.
وحول المكونات الأساسية لفكرهم، يقول (ستيفن هلبر) و(جوناثان كلارك) ــ مؤلفا كتاب "المحافظون الجدد والنظام العالمي" ــ إنها تشمل الإيمان العقدي والصراع بين "الخير" و"الشر". إذ دعا مفكرهم ليو شتراوس ــ الذي هاجر من ألمانيا هرباً من النازية واستقر في أمريكا ــ إلى بناء أمريكا كقوة كبرى تحارب الشر في العالم.

وفي مجال الاقتصاد، تبنى المحافظون الجدد "الليبرالية الجديدة" التي تستند إلى فرض (الأمركة) على نظام العولمة، وما تتضمنه من تدويل واسع على صعيد الإنتاج والتبادل، وتداول الخدمات والمال والاتصالات والمعرفة ومنظومة القيم والأفكار. كما تبنوا سياسة اجتماعية منحازة لصالح الأثرياء والشركات الرأسمالية الكبرى، على حساب مصالح الفقراء وشرائح واسعة من المجتمع.. وكانوا قد رفضوا الثورة الثقافية التي اجتاحت أمريكا في الستينات، والتي نادت بالتعددية الثقافية وحقوق الأقليات والنساء، إذ رأى الجدد أن ذلك من شأنه أن يضعف أمريكا.

وكان الرئيس الأمريكي، جمي كارتر، قد نبه في كتابه: "القيم الأمريكية المعرضة للخطر" إلى أن المحافظين الجدد ــ الذين روجوا لفكرة أنه إما أن تكون معنا أو أن تصبح ضدنا ــ أصبحوا بفلسفتهم الإمبريالية يشكلون أكبر خطر على سمعة الولايات المتحدة في العالم.
الفوضى الخلاقة
تمثل "الفوضى الخلاقة" نظرية المحافظين الجدد في التعامل مع العالم من حولهم. إذ تعني الفكرة باختصار : إغراق الجماهير بالفوضى كيّ تتمكن الصفوة من ضمان استقرار وضعها.
وطبقاً لما يذكره المتخصّصون بفكر ليو شتراوس ــ أحد أساطين المحافظين الجُدد وفيلسوفهم ــ فإن السلطة الحقيقية لا يمكن ممارستها إذا ما بقي المرء في حالة ثبات، أو حافظ على الوضع الراهن، بل على العكس، ينبغي العمل على تدمير كل أشكال المقاومة.
وهي أيضاً فكرة تحويل مناطق واسعة من العالم إلى مناطق غير مأهولة، فبالنسبة لمنظِّري "الفوضى البنّاءة" يجب سفك الدماء من أجل الوصول إلى نظام جديد في المناطق الغنية بالثروات. وهي فكرة تم تكريسها باعتبارها سياسة أمن قومي أمريكية من قبل مستشار الأمن القومي السابق هنري كيسنجر في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون. وقدم كيسنجر دراسة تم اعتمادها عام 1974 من قبل الإدارة الأمريكية بعنوان "مذكرة الأمن القومي 200" ( NSM 200 )، ومن أهم افتراضاتها وتوصياتها هي أن النمو السكاني خاصة في دول العالم الثالث يعتبر تهديداً للأمن القومي الأمريكي وحلفاء واشنطن الغربيين، لأن تزايد أعداد السكان في تلك البلاد سيؤدي إلى استهلاك الثروات المعدنية هناك من قبل تلك الشعوب : إما عن طريق التطور التكنولوجي أو بسبب الحاجة إلى إعالة الأعداد المتزايدة من السكان.
وتفترض تلك الدراسة أن هذا الأمر يعتبر تهديدا للأمن القومي الأمريكي وحليفاتها، من الدول الصناعية التي تعتمد في بقائها وتطورها مستقبلاً على تلك الموارد المعدنية في تلك البلدان من العالم الثالث. وذكرت تلك المذكرة مجموعة من البلدان الأفريقية والآسيوية من بينها مصر التي أوصت بتحديد النسل فيها.
ومن بين ما تقوم عليه الفكرة : استبدال الدول القائمة بدويلات أصغر تتسم بأحادية الطابع العرقي، وتحييد هذه الدويلات بجعل كل واحدة منها ضد الأخرى على نحو مستمر. وبعبارة أخرى، فالفكرة تتضمن تدمير الدول القائمة من أجل إنشاء كيانات ضعيفة يسهل توجيهها والتلاعب بثرواتها ومقدراتها.
ولإعطاء صورة واضحة عن نوايا ومخططات المحافظين الجدد نشرت مجلة "إكزكتف إنتلجنس ريفيو" تقريراً حول اجتماع عقد في واشنطن لمناقشة "الحرب العالمية الرابعة" حضره وتحدث فيه أبرز منظري المحافظين الجدد وأكثرهم نفوذاً داخل الإدارة الأمريكية وفي مراكز صنع السياسة في واشنطن.

إذ شارك ثلاثة من كبار مسئولي إدارة بوش - تشيني، وهم نائب وزير الدفاع الأسبق بول وولفويتز واثنان من دعاة الحرب من المحافظين الجدد في مجلس سياسات الدفاع ( Defense Policy Board) جيمس وولزي وإليوت كوهين، شاركوا جميعاً في الاجتماع الذي عقد برعاية إحدى أكثر الجماعات الصليبية المحافظة الجديدة تطرفاً، وهي "لجنة الخطر الداهم" ( Committee on Present Danger ) وهذه هي نفس المنظمة التي كانت ناشطة أثناء الحرب الباردة والتي طالبت بقصف كوريا الشمالية بالقنابل الذرية في عام 1949، ومؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات ( Foundation for the Defense of Democracies ). وكلا المنظمتان أعلنتا من قبل أن "الإسلام" هو العدو العالمي الجديد الذي يجب أن تتم هزيمته من خلال ما يسمونه الحرب العالمية الرابعة التي بدأت وتجري الآن حسب وجهة نظرهم.
والمسألة التي تم عرضها خلال هذا الاجتماع هي أنه إلى أن يتم القضاء على جميع "الدول الراعية للإرهاب" إما عن طريق الحروب أو الانقلابات أو الأشكال الأخرى من تغيير الأنظمة، فإن الولايات المتحدة ستكون في حرب أبدية، وأهم عامل في هذه المرحلة "الإرادة لخوض القتال". وفي خطابات عديدة سابقة وصف كل من (جيمس وولزي) الذي شغل منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية لفترة قصيرة و(أليوت كوهين) وصفا هذه الحرب بوصف "حرب المائة عام".
وكان المتحدث الرئيس في اجتماع "لجنة الخطر الداهم" هو نورمان بودهوريتز ( Norman Podhoretz ) ــ الشيوعي السابق الذي انقلب إلى محارب إمبريالي ومؤسس مجموعة المحافظين الجدد ــ وشغل صهر بودهوريتز وهو (إليوت أبرامز) منصب مستشار الأمن القومي لشؤون الشرق الأوسط في إدارة بوش. البروفيسور بودهوريتز وهو من الجيل الأول من الشتراوسيين، هو الذي سمى الاجتماع بهذا الاسم بناء على مقالة نشرها في مجلة "كومينتاري" ( Commentary ) التي تعتبر من أهم مطبوعات المحافظين الجدد ويشغل بودهوريتز نفسه رئاسة تحريرها.
وتبرهن أجندة "لجنة الخطر الداهم" ــ حسب مراقبين ــ على ما أشار إليه (ليندون لاروش) المرشح الديمقراطي السابق للرئاسة الذي يرأس "لجنة لاروش" للعمل السياسي. ففي مذكرة إستراتيجية كتبها، يقول لاروش : إن هدف الآفة المسماة إدارة بوش تشيني هو إزالة كل ما يتعلق بوجود الدولة القومية ذات السيادة، وذلك باستخدام أداة "الحروب الأبدية". وكتب لاروش مخاطبا بشكل خاص أولئك الذين يعتقدون في دول العالم وداخل الولايات المتحدة أن بمقدورهم العيش مع فترة رئاسية جديدة لبوش وتشيني، ما يلي: "إن هدفهم هو ليس إخضاع مناطق معينة سياسيا كمستعمرات، بل إزالة جميع المعوقات التي تقف في طريق النهب الحر للكوكب (الأرض) ككل. إن نيتهم هي ليست فتح أراضي جديدة، بل تحقيق إزالة كل بقايا السيادة القومية وتقليص عدد سكان العالم من البشر إلى أقل من مليار نسمة… فهدفهم في أفغانستان والعراق على سبيل المثال هو ليس السيطرة على هذين البلدين، بل إزالة أمم قومية عن طريق إطلاق قوى الفوضى والدمار. هكذا سيكون من قبيل خداع النفس بشكل كبير اعتبار فشل العمليات العسكرية في العراق كفشل لنية إدارة بوش. فنيتها هي التدمير الذاتي لآخر بقايا سيادة الدولة القومية، وهذا ما يحققون فيه نجاحات كبيرة في الوقت الراهن".
وتحت عنوان: "كسر نظيف: إستراتيجية جديدة لتأمين مملكة (إسرائيل)" تم صياغة وثيقة في العام 1996، على يد مجموعة من مفكري المحافظين الجدد، تضمنت مشروعاً استعمارياً واسعاً للشرق الأوسط ، وقد هيئت من قبل فريق من الخبراء جمعهم ريتشارد بيرل ثم أعطيت لبنيامين نتنياهو. وباختصار فإنها تمثل أفكار وأطروحات الصهيوني فلاديمير جابوتينسكي، إذ دعت الوثيقة إلى: إلغاء اتفاقيات أوسلو للسلام، والقضاء على الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، وضم الأراضي الفلسطينية، إلى جانب الإطاحة بصدام حسين لزعزعة استقرار سوريا ولبنان في سلسلة من الأحداث. وتفكيك العراق وإقامة دولة فلسطينية على أراضيه. واستخدام إسرائيل كقاعدة تكميلية لبرنامج حرب النجوم الأمريكي.
تحالفات المحافظين الجدد
التقت أجندة المحافظين الجدد ــ منذ ظهورهم ــ مع اليمين الأمريكي والتيار المسيحي المتطرف. إذ تحالفوا مع "الجناح اليميني" في الحزب الجمهوري، وجماعات "الأصولية المسيحية" القريبة جداً من اللوبيات اليهودية، وهو تحالف اعتمد عليه المحافظون كثيراً في الوصول إلى السلطة.
وكان الرئيس الأمريكي الأسبق، جيمي كارتر، قد أشار في كتابه إلى أن ما يزيد الطين بلة هو توافق أجندة المحافظين الجدد مع أجندة متطرفة أخرى، هي أجندة الأصوليين في اليمين المسيحي الأمريكي.
ونظراًً لأن المحافظين الجدد هم في الأساس تيار فكري سياسي، لا يملك قواعد جماهيرية انتخابية حقيقية، فقد اعتمدوا على الجمهوريين، والجماعات اليمينية، والناخبين الإنجليكيين، وأثرياء الجنوب الأمريكي، وقوى المحافظين التقليديين بولايات الجنوب والغرب الأمريكي.
ومن خلال تعاون اليمين الأمريكي مع الجدد في بناء شبكة واسعة من الجماعات الفكرية النشطة، نمى تيار المحافظين الجدد داخل الجامعات والمؤسسات الفكرية والبحثية الأمريكية.
إذ لم يكن الجدد ليسيطروا على مقاليد صنع السياسة بأمريكا دون موافقة ضمنية من قوى اليمين, خاصة وأن تلك القوى كانت تملك أفكاراً بعضها أكثر تشدداً من بعض أفكار المحافظين أنفسهم. حيث ينطلق (المسيحيون المتدينون) في رؤيتهم للسياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط والعالم، من منطلقات دينية خطيرة، تؤمن بأن العالم وأمريكا يسيران بسرعة إلى نقطة صدامية تمثل نهاية العالم، من خلال حرب تأتي على الأخضر واليابس، يكون مركزها الشرق الأوسط ، ويقودها العالم كله ضد أمريكا وحلفائها وعلى رأسهم إسرائيل.
أما (الإنجليكيون) فهم لا يثقون في المنظمات الدولية، ولا يؤمنون بقضايا مثل الحد من التسلح أو تخفيض النفقات العسكرية الأمريكية، لأن أمريكا بالنسبة لهم تستعد لحرب طاحنة لا راد لها.
أما النخب الأمريكية (المحافظة التقليدية) فهي انعزالية بطبيعتها لا تثق في المنظمات الدولية أو في العالم الخارجي، ولا تؤمن إلا بالقوة الأمريكية وزيادتها المستمرة وبناء المزيد منها. وبشكل عام يمثل بقاء تلك المعتقدات والنزعات ضمانة لا يستهان بها لاستمرار سياسات وأفكار المحافظين الجدد.
وفي كتابهما "أمة اليمين: قوة المحافظين في أمريكا" يركز الكاتبان (إدريان ولدريدج) و(جون مايكل ثويت) على أن تيار المحافظين الجدد هو "تيار ظهر في أمريكا ليرضي نزعات أطياف مختلفة من اليمين تشكل نسيج الأمة الأمريكية من الناحية السياسية" ويضيفان أن اليمين الأمريكي ينقسم من حيث الأداء الوظيفي إلى مجموعتين :
أولا: "مراكز الأبحاث اليمينية" التي تركز على إصدار الدراسات التي تنطوي على أفكار وأطروحات لإدارة السياسة العامة في الولايات المتحدة، والسعي لإقناع الإدارة والكونجرس بتبني هذه السياسات، حيث تتزعم هذه المجموعات مراكز بحثية مثل معهد "أمريكان إنتربرايز" ومؤسسة "هيريتدج" ومعهد "كاتو" للأبحاث العامة.
ثانياً: "المجموعات اليمينية على المستوى الجماهيري" ومهمتها حشد أصوات الناخبين اليمينيين وربطها بالقضايا والسياسات والترويج لساسة معبرين عن مصالح اليمين الأمريكي، ويمثل هذا التيار منظمات مثل التحالف الأمريكي المحافظ والتحالف المسيحي.
الإعلام وسيلة المحافظين
عزز المحافظون الجدد من معتقداتهم ووجودهم في المجتمع الأمريكي من خلال: التغلغل بين اليمينيين البروتستانت، والاستفادة من محطات التلفزة مثل "فوكس نيوز"، والبرامج الحوارية التي كانت ولازالت تعد من معالم الحياة السياسية الأمريكية منذ ثلاثينات القرن العشرين.
وطوال عقد التسعينيات شرعت هذه البرامج الإذاعية في بناء قواعد أكبر من المستمعين، وبناء علي هذا الاكتشاف الجديد بدأت شبكات التلفزة في توفير مزيد من المنابر للمحافظين الجدد لطرح أفكارهم، لتصبح مع مرور الوقت بمثابة كفة التوازن في مواجهة الصحف وشبكات التلفزيون في المدن الكبرى ومحطات الإذاعة التي تميل إلي التوجهات الليبرالية.
كما اتخذ المحافظون الجدد عدد من المنابر الصحفية الهامة وسيلة لنشر توجهاتهم، مثل مجلة "كومنتاري" وهي مجلة الجيل الأول من المحافظين، بدأت بالصدور عام 1945 في نيويورك عن اللجنة اليهودية الأمريكية، وكانت موجهة بالأساس إلى النخبة المثقفة.
وأيضاً مجلة "ويكلي ستاندارد" الأسبوعية لسان حال اليمين الصهيوني الأمريكي، مجلة الجيل الثاني من المحافظين، الممولة من قبل روبرت موردوخ إمبراطور الإعلام المعروف وصاحب الميول اليمينية المتطرفة، أسسها ويليام كريستول نجل إيرفينج كريستول، وقد تميزت مقالاتها ورسوماتها بنزعة أكثر جماهيرية، ومكتبها لا يبعد كثيراً عن البيت الأبيض بالعاصمة الأمريكية واشنطن.
كما تظهر كتابات للمحافظين الجدد باستمرار في مجلة "فورين أفاريز" المعروفة، ويكتبون بشكل دوري في ثلاثة من أكبر الدوريات الأمريكية، حيث يكتب (ماكس باوت) لصحيفة "لوس أنجلوس تايمز"، ويكتب (دايفيد بروكس) لـ"نيويورك تايمز"، ويكتب (روبرت كاجن) و(تشارلز كروتهمز) لـ"الواشنطن بوست"، هذا إضافة إلى سيطرتهم على مقالات الرأي بصحيفة "وال ستريت جورنال".
"الفلسطينيون لهم تاريخ كراود في البلاء العظيم للإرهاب في عصرنا الحاضر‏,‏ ومازالوا نجوماً في سماء الإرهاب" كانت تلك عبارة (مارتن بيرتز) التي أوردها في مقال له بمجلة "نيو رببلك"
وهي إحدى خمس مجلات تعتبر قلاعاً للفكر اليهودي المتطرف في أمريكا‏,‏ أما المجلات الأربع الآخر‏,‏ فهي ‏:‏ "مومنت" و"ناشيونال ريفيو" و"كومنتري" و"يكلي ستاندرد" وهذه المجلات رغم مظهرها المتواضع‏ إلا أنها من أخطر المنابر التي تنشر الأفكار المحافظة المعادية للعرب والمسلمين‏,‏ طالما أنهم لم يصلوا إلي حالة الاستسلام التام‏‏ وانعدام الوزن في مواجهة إسرائيل‏.
وخلال إدارة جورج دبليو بوش الحالية في البيت الأبيض استطاع الجدد السيطرة على أكبر وأهم مؤسسات ومراكز البحث، وهيئات التحرير في الصحف الهامة. وقد تبلورت وجهات نظرهم ومواقفهم قبل أن يصلوا إلى السلطة، من خلال مراكز الأبحاث اليمينية التي تضمنت أطروحاتهم حول السياسة العامة في الولايات المتحدة، والسعي لإقناع الإدارة الأمريكية والكونجرس بهذه الفلسفة الجديدة، التي تتبنى التدخل الاقتحامي المنفرد في الشؤون الخارجية، والضربات الاستباقية.
وقد أضافت مراكز الدراسات زخما كبيراً لمواقف المحافظين، مثل معهد "هدسون"، ومعهد "أمريكان إنتربرايز" للأبحاث، ومعهد "المشروع الأمريكي" و"مشروع العقد الأمريكي الجديد" ومعهد "ميمري" وهو الأداة الدعائية التي أسستها ميراف وورمسر مع عميل الاستخبارات الإسرائيلية السابق العقيد ييجال كارمون. وهو المعهد الذي وصفه المسئول السابق في وكالة الاستخبارات الأمريكية (فينسينت كانيسترار) بالقول إن "المعهد يعمل كأداة دعائية من وجهة نظر ليكودية متطرفة".
ويُعدّ معهد "المشروع الأمريكي" من أقرب معاهد البحوث السياسية للإدارة الأمريكية الحالية. فللمعهد علاقة وثيقة بنائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني الذي تشرف زوجته علي المعهد مباشرة. ويتوفّر المعهد علي عشرات من الباحثين المتفرغين وغير المتفرغين من كبار أساتذة الجامعات الأمريكية؛ ويضم مجلسه الإداري ومجلسه للتوجيه الأكاديمي خمسة وثلاثين عضواً من الشخصيات المؤثرة في اقتصاد الولايات المتحدة وسياساتها مثل رئيس بنك "تشيس مانهاتن" والمدير العام لشركة "تكساس أنسترومنتس" ورئيس شركة "كوكس" للبترول والغاز، وعدد من كبار أساتذة العلوم السياسية مثل صاموئيل هنتنجتون أستاذ علم الحكومة في جامعة هارفرد وصاحب نظرية صدام الحضارات. ونظراً لأن هذا المعهد هو وكر لمفكري المحافظين الجدد المقربين من إدارة بوش، فإنه يمكن القول إن بحوث هذا المعهد تمثّل توجهات الحكومة الأمريكية، أو أن سياساتها تتأثر بشكل كبير ببحوث هذا المعهد.
المحافظون في معية بوش الابن
وفي معية جورج دبليو بوش تحقق حلم المحافظين الجدد في العثور على الحاكم الذي يتبنى أفكارهم، فرغم نشاطهم الدؤوب وسط الدوائر السياسية المؤثرة في الولايات المتحدة، فإن الجدد لم يجدوا فرصتهم المواتية لتأخذ بناصية القرار السياسي، بصورة واضحة، إلا في عهد وإدارة بوش الابن، الذي ضم إلى زمرته أفراداً مؤثرين من هذه المجموعة النشطة، وأوكل إليهم مناصب في مواقع سيادية مثل وزارات الدفاع والعدل والبيت الأبيض، وفي مواقع أخرى لها تأثيرها المباشر بالسياسات الخارجية والدفاعية والاجتماعية في الولايات المتحدة.
وقد اعتمد الرئيس الجمهوري على عشرات من الجدد في إدارته، وهنأ نفسه باختيارهم، في حين ظل الباقون موجودون في أماكن عدة كمستشارين للحكومة أو في مناصب أممية ومواقع إعلامية واقتصادية متقدمة. وبالرغم من أن الرئيس بوش لا ينتمي شخصياً إلى المحافظين الجدد، إلا أنه تأثر بهم في سياساته، ومنذ أن قدم هؤلاء إلى البيت الأبيض في معيته استطاعوا أن يجذبوا ــ بتوجهاتهم السياسية والفكرية ــ اهتمام الدوائر الإعلامية والسياسية في العالم أجمع، وأصبحوا القوة الأساسية المؤثرة في الإدارة والكونغرس.
يقول المنتقدون لبوش وإدارته من المحافظين: إن الرئيس الأمريكي لم يأخذ القرارات، لأن آلية الحكومة التي يديرها بالاسم كانت هي التي تديره. وهذا الاحتضان الرئاسي جعل من وجود مجموعة (الجدد) السياسي والتنفيذي ملموساً ومحسوساً، كما أعطى أفكارهم وفلسفتهم السياسية متنفساً أخذ يشكل تحدياً للنسق التقليدي المألوف في إدارة المجتمع السياسي الأمريكي. وقد اعتبر هذا التحدي الذي أخذت تشكله المجموعة للمؤسسة السياسية التقليدية على أنه "اختطاف" وقع للسياسة الخارجية الأمريكية على أيدي هذه الفئة.
ففي كتابه "أين أخطأ اليمين؟" يتهم (بات بيوكانن) مجموعة المحافظين الجدد بأنهم اختطفوا السياسة الخارجية في عهد بوش وغيروا أفكاره، من انتقاده لفكرة أن تلعب الولايات المتحدة دور الشرطي في العالم، إلى إتباع سياسة شن الحروب الإستباقية الإجهاضية لدعم إسرائيل، ومن أجل نشر (الأمركة) في العالمين العربي والإسلامي وإعادة تشكيلهما.

وعلى رأس إدارة جورج بوش، وجد صقر صقور المحافظين الجدد (ديك شيني) في منصب نائب الرئيس، وأيضاً الصقر (دونالد رامسفيلد) ــ وزير الدفاع السابق ــ والمعروف أن تشيني ورامسفيلد أكثر تأثيراً بدرجة كبيرة من أهم رموز المحافظين الجدد، فكتاب مثل "حالة إنكار" لبوب إدوارد، يركز بالأساس على رامسفيلد ومن خلفه تشيني كأكبر المسئولين عن مأزق أمريكا في العراق، ويكاد لا يتناول المحافظين الجدد إلا عابراً.
وهناك أيضاً (بول وولفويتز) الديمقراطي السابق ونائب وزير الدفاع وأكثر المتحمسين لاحتلال العراق، و(ريتشارد بيرل) الملقب بـ "أمير الظلام" منظر احتلال العراق وصاحب نظرية استخدام القوة الأمريكية لتدمير أعداء إسرائيل، و(دوجلاس فيث) وكيل وزارة الدفاع للشؤون السياسية الذي أقام مكتب الخطط الخاصة الذي أنشأه بالتلاعب بالمعلومات المخابراتية حول أسلحة الدمار الشامل.
ويشكل (بول وولفويتز) و(ريتشارد بيرل) و(دوجلاس فيث) الثالوث الجهنمي الذي سوغ للإدارة فكرة خداع الشعب الأمريكي بخطورة التسلح العراقي على الولايات المتحدة وشعبها، وجرها إلى حرب مكلفة بشرياً ومادياً وسياسياً وإنسانياً. وهو الثالوث الذي ما زال يسعى من وراء ستار إلى جرجرة أمريكا نحو المواجهة مع إيران.
أما (جون بولتون) وما أدراكم ما بولتون مندوب أمريكا السابق بالأمم المتحدة، في الوقت الذي كان ينفي فيه وجود تلك المنظمة إلا إذا كانت أداة للسياسة الأمريكية، ولا يري مانعا من "تدمير عشرة طوابق من طوابق مبناها" في نيويورك. ويقول جيمي كارتر في كتابه "القيم الأمريكية المعرضة للخطر" : إن اختيار بوش لجون بولتون كسفير للولايات في الأمم المتحدة يعكس تبني حكومته لفلسفة المحافظين الجدد والتي تعتمد على تبني التدخل الاقتحامي المنفرد في الشئون الخارجية لإعلاء شأن الولايات المتحدة ومصالحها السياسية والعسكرية، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط. ومن الجدير هنا بالذكر، أن جون بولتون ينتمي إلى صقور المحافظين وكان عضواً في إدارة المجلس الاستشاري لـ "المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي" وبعض أفراد أسرته ومنهم شقيقته يقيمون في إسرائيل، وقد عرف عن جون بولتون احتقاره للشرعية والقوانين الدولية. نشرت له صحيفة "وول ستريت جورنال" مقالاً عام 1997، جاء فيه "إن المعاهدات الدولية التي توقعها الولايات المتحدة لا تعتبر قوانين ملزمة، واجبة الاحترام، ولكن كضرورة سياسية لا ضرر من التحلل منها مع تغير الظروف".
إسرائيل في وعي الجدد
تعد السمة المميزة التي ظلت تجمع المحافظين الجدد هي حبهم ودعمهم وولاؤهم لإسرائيل‏,‏ واتهامهم من يخالف مواقفهم في تأييد الدولة العبرية بالعداء للسامية‏,‏ الذي يعني ــ في رأسهم ــ كراهية اليهود بسبب دينهم أو ثقافتهم أو أصلهم‏. فالمحافظون الجدد الذين نابذوا العالم كله تقريباً العداء استثنوا منه إسرائيل الدولة الصهيونية التي تمحور حولها تفكيرهم، معتبرين أن المصالح الأمريكية والإسرائيلية يجب أن تكون متماثلة.
أجهد المحافظون الجدد عقولهم في تلفيق الدلائل لإثبات أن ما هو في مصلحة إسرائيل هو في مصلحة أمريكا‏,‏ وذلك لإخفاء مشاعرهم الحقيقية التي تقدم الولاء لإسرائيل علي الولاء للولايات المتحدة. ويخلص بات بيوكانن (وهو من المحافظين التقليديين) في كتابه "أين أخطأ اليمين؟" إلى أن أيديولوجية المحافظين الجدد تنطلق من مبدأ أساسي وهو تطابق مصالح أمريكا مع إسرائيل، وبالتالي فهم يدفعون الولايات المتحدة إلى محاربة أعداء الدولة العبرية.. وقد دفعوا أمريكا إلى شن الحرب على العراق وكانت ــ حسب رأي بيوكانن ــ "أكبر خطأ استراتيجي أمريكي خلال أربعين عاما".

كتب ستانلي هوفمان ــ البروفسور في جامعة هارفارد ــ يقول ‏:‏ توجد مجموعة غير مترابطة من أصدقاء إسرائيل تؤمن بتطابق المصالح بين الدولة اليهودية والولايات المتحدة، وينظر هؤلاء إلي السياسة الخارجية الأمريكية من عدسة اهتمامهم الكبير‏:‏ هل هي صالحة بالنسبة لإسرائيل أم سيئة؟. ويمضي هوفمان قائلاً ‏:‏ منذ إقامة إسرائيل عام ‏1948,‏ لم يكن هؤلاء المفكرون علي علاقة طيبة بوزارة الخارجية (الأمريكية) علي الإطلاق‏,‏ ولكنهم الآن مستحكمون في البنتاجون.
وفي مقال نشره (دانيال بايبس) ــ مدير "ميدل إيست فورم" ــ بمجلة "كومنتري" المحافظة التي تصدرها اللجنة اليهودية الأمريكية، تحت عنوان "هل تحتاج إسرائيل إلي خطة؟" يرى الكاتب المحافظ أن الحل الوحيد للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، يتمثل في أن يتخلى العرب عن حلم محو الدولة اليهودية، ولذلك يؤكد بايبس ــ بلا تردد ــ أن الصراع لن ينتهي لا بالمفاوضات ولا بالسور الواقي‏,‏ وإنما بقبول أحد الطرفين بالهزيمة‏. أما الوصفة التي يضعها لبلوغ هذه الحالة فهي أن ما يساعدنا علي تغيير موقف الفلسطينيين هو الردع الإسرائيلي‏,‏ بالإبقاء علي حضور عسكري قوي وتهديد جدي باستخدام القوة، إذا تعرضنا للاعتداء‏. وتأتي خطورة هذا المقال من عرضه للأفكار الصهيونية دون أن تشوبها المراوغة الدبلوماسية‏,‏ أو يموهها طلاء العلاقات العامة‏.
وقد وطد صقور السياسة الخارجية الموالين لإسرائيل ــ من المحافظين الجدد ــ مراكزهم بقوة داخل إدارة جورج بوش الابن، فتمكنوا بمساعدة مؤسسات الأبحاث اليمينية من رسم سياسة أمريكا الخارجية ــ وخصوصاً في الشرق الأوسط ــ بما تقتضيه المصالح الصهيونية. ولقد تعلَّم جنرالات إسرائيل والولايات المتحدة كيف يتعرفون على بعضهم البعض، وذلك بفضل جهود المحافظين الجدد واللقاءات المُتبادلة التي ينظمها "المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي" ( JINSA ) وهو مؤسسة تفرض على كبار العاملين فيها متابعة كافة الحلقات الدراسية والندوات المتعلقة بأفكار وأطروحات فيلسوف المحافظين ليو شتراوس.
العالم الإسلامي في أجندة الجدد
التركيز على العالم الإسلامي له جذوره العقائدية التي يبني عليها المحافظون الجدد منطلقاتهم الجديدة التي تتناسب وعالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر. وذلك ضمن أهداف إستراتيجية وأسباب عقائدية وسياسية، من بينها الحفاظ على بقاء إسرائيل، ووجودها كقوة مهيمنة ضمن المجال الحيوي للمنطقة العربية الإسلامية برمتها.
فبعد الهجوم الذي استهدف برجي التجارة في نيويورك أعلن جورج بوش مباشرة أنها "حرب صليبية"، ولم تكن زلة لسان ــ مثلما قالوا ــ بل هي إستراتيجية مؤصلة سلفاً، بدأت بالحرب النفسية ضد العرب والمسلمين، من خلال الحملات ضد الإسلام والعروبة، ثم الحرب الإعلامية والثقافية ضد ثقافتهم ومناهجهم التربوية، ثم الحرب العسكرية باحتلال قسماً من بلدانهم، ثم بوادر الحرب الدينية والحضارية التي يُروجون لها الآن.
ويعتقد المحافظون الجدد أن العالم الإسلامي عموماً والشرق الأوسط خصوصاً، هما نقطة انطلاق أمريكا في سياستها لإعادة بناء النظام العالمي الجديد. إذ يربط الجدد بين النازية، والشيوعية، والحركات الإسلامية، وهو ما تجلى في خطب جورج بوش، حين يربط بشكل تعسفي ومجرد بين هتلر ولينين وحماس وحزب الله وما يصفه بـ (الإسلام الفاشي) في حزمة واحدة.

يرى (ايليوت كوهين) أحد أكثر أكاديميي المحافظين الجدد تأثيراً والذي بدأ نجمه يسطع داخل الإدارة الأمريكية بعدما عينته وزيرة الخارجية كوندليزا رايس مستشاراً لها. يرى كوهين أن العالم يعيش الآن حرباً عالمية رابعة ضد العالم الإسلامي.
فهم يتهمون ديناً كاملاً بأنه يحرض على العنف ويخلق جواً ثقافياً يقود إلى الإرهاب، ومن ثم يؤمنون بأن الخطر الأساس الذي يهدد أمريكا هو خطر الإرهاب الذي تقوم به جماعات مسلمة بالأساس. يقول ريتشارد بيرل :"إن السياسة الوحيدة الممكنة للغرب وللولايات المتحدة، في كل حال، هي سياسة المواجهة طويلة الأمد ومتعددة الأشكال مع العالمين العربي والإسلامي".
وفي رده على سؤال لمراسل صحيفة "هاآرتس" الإسرائيلية، حول السبب الذي من أجله شنوا الحرب على العراق، يقول وليام كريستول ــ أحد المراجع المؤثرة في عقل جورج بوش وكان من صناع فكرة غزو العراق ــ يقول : إن هذه الحرب تهدف أول ما تهدف إلي تشكيل وبناء شرق أوسط جديد، فهي حرب لتغيير الثقافة السياسية في المنطقة بأكملها.
ويضيف كريستول : بعد ما حدث في ‏11‏ سبتمبر‏2001 ‏استيقظوا الأمريكيون ليكتشفوا أن هذا العالم أصبح مكاناً خطيراً ، ولهذا بحثوا عن مبدأ أو عقيدة تتيح لهم مواجهة هذا العالم الخطير، والعقيدة الوحيدة التي وجدوها هي تلك التي يتبناها المحافظون الجدد، وتقوم على تغيير الثقافة السياسية للمنطقة، وإيجاد نظام عالمي جديد، والاستعداد لاستخدام القوة لبناء وتأسيس هذا النظام الجديد‏. وعلى هذا الأساس كانت حرب العراق لبناء النظام العالمي والشرق الأوسط الجديد‏.
ويسأله محرر "هاآرتس" قائلاً : هل يعني هذا أن الحرب ضد العراق كانت حرب المحافظين الجدد؟ فيضحك كريستول ويقول :‏ هكذا يقولون لكن الحقيقة أن هذه حرب أمريكية‏,‏ والمحافظون الجدد نجحوا في التغلغل داخل نسيج المجتمع الأمريكي‏,‏ وبسبب مثالية الأمريكيين فقد قبلوا ما عرضه المحافظون في تبريرهم للحرب‏,‏ فالأمريكيون لم يرغبوا في شن حرب من أجل المصالح لكن حينما تعلق الأمر بالقيم والمثل وافقوا علي تلك الحرب، أي أنها تستند إلي رؤية عقائدية.
ويسأله المحرر : هذه الرؤية العقائدية تعني أنه بعد العراق يأتي دور السعودية ومصر؟ فيقول كريستول : إنه بالنسبة للسعودية فمازال هو والإدارة الأمريكية مختلفين بشأنها، لكنه يري أنه لا يمكن السماح للسعودية بالاستمرار في نهجها الذي يحضى علي كراهية ومعاداة الأمريكيين‏.
أما فيما يتعلق بمصر فيعتقد كريستول أنه لا يمكن الموافقة علي الاستمرار في الوضع الراهن إذ يجب أن تتبع ديمقراطية ليبرالية، ويضيف أن الاستقرار الذي يعرضه القادة العرب هو استقرار وهمي وخيالي.‏
وكان عدد من كبار المحافظين الجدد الموالين لإسرائيل نظموا ــ أوائل مارس من العام الحالي 2007 ــ مؤتمر "القمة الإسلامية الإصلاحية" في الولايات المتحدة، بهدف تجنيد و توظيف الأحزاب المتسترة بالدين للمشاركة الفعّالة في حرب أمريكا و قادتها الجدد من كبار المحافظين الجدد أي قطع شوط في بناء الحلف مقدس بين كل المحافظين في العالم لمحاربة كل التقدميين في العالم و عقد المؤتمر بمشاركة وجوه إخوانية و سلفية، ومسئولي إعلام ومخابرات غربيين.
ومن أبرز المنظمين (مايكل ليدين) الذي ينتمي إلى معهد "أمريكان إنتربرايز" الذي يساهم في تشكيل السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية. ومن المنظمين أيضًا "المؤسسة الأوروبية للديمقراطية" التي تعتبر الذراع الأوروبية لمؤسسة "الدفاع عن الديمقراطيات" الأمريكية الموالية لإسرائيل والتي تأسست بعد يومين فقط من هجمات 11 سبتمبر ويسيطر عليها اليمينيون الجمهوريون من المحافظين الجدد. كذلك شارك في التنظيم (وليام كريستول) رئيس تحرير مجلة "ويكلي ستاندرد" الأسبوعية لسان حال اليمين الصهيوني الأمريكي، وفرانك جافني رئيس مركز الدراسات الأمنية، وهما من الرموز البارزة للمحافظين الجدد ويتمتعان بارتباطات عديدة بمؤسسات المحافظين.