بعد آخر للأزمة السورية... الهجرة

علاء جوزيف أوسي
2014 / 3 / 18

تعد الهجرة ظاهرة عالمية تصيب مختلف البلدان بدرجات متفاوتة، إذ يهاجر الكثيرون بحثاً على العمل أو سعياً لتحسين وضعهم الاقتصادي خارج مدنهم أو دولهم، نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة أو نتيجة لعوامل أخرى سياسية أو اجتماعية أو علمية أو هرباً من الخدمة العسكرية، أو نتيجة تضييق الحريات على العقول المبدعة...، وتعني الهجرة: الخروج من بلد إلى آخر، ويسمى الشخص مهاجراً عندما يهاجر ليعيش في أرض أخرى بفعل ظلم ظالم لا يعرف الرحمة، أو المغادرة إلى أرض ثانية طلباً للأمن والعدل والعيش. وتصنف الهجرة إلى نوعين: هجرة اختيارية تتم برغبة الشخص دون أي ضغط من أية جهة، كما هو الحال في هجرة كثير من الشباب وأصحاب الكفاءات في مختلف دول العالم طلباً لتحسين المستوى المعيشي، أو للبحث عن مساحة أكبر من الحرية أو غيرها من الأسباب، وهجرة إجبارية وهي التي تتم بواسطة قوة خارجية كالسلطة السياسية أو قوات الاحتلال، مع الإشارة إلى أن الهجرة تطول بشكل لافت الأعمار الشابة أو حتى الفئات العاملة، وهو ما يؤدي إلى هرم المجتمع.

استحدث البريطانيون عبارة (هجرة العقول أو الأدمغة Brain Drain) لوصف خسارتهم من العلماء والمهندسين والأطباء بسبب الهجرة لخارج بريطانيا، إلا أن العبارة أصبحت تطلق على جميع المهاجرين أصحاب المؤهلات العليا، سواء من ناحية الشهادات الأكاديمية أو الخبرة العملية من بلدانهم الأصلية إلى بلدان أخرى، مع الإشارة إلى أن مفهوم الكفاءة لا يعني فقط أصحاب الشهادات الجامعية، بل أيضاً أصحاب المؤهلات والخبرات، وبالنسبة لمنظمة اليونسكو فإن (هجرة العقول) هي نوع شاذ من أنواع التبادل العلمي بين الدول يتسم بالتدفق في اتجاه واحد (ناحية الدول المتقدمة) أو ما يعرف بالنقل العكسي للتكنولوجيا، وذلك لكون هجرة العقول هي نقل مباشر لأحد أهم عناصر الإنتاج، وهو العنصر البشري (الاتحاد البرلماني العربي، 2001).

وبالنسبة لسورية فإن الهجرة ليست وليدة اليوم بل إنها قديمة وتفاقمت بعد الهجرة الواسعة من الريف إلى المدينة، في حين اصطدام الشباب في حياتهم المدنية الجديدة بالبطالة وزيادة مصاريف المدينة وأعباء المعيشة، مما خلق مجموعة مشاكل اقتصادية واجتماعية وسكانية ألقت بأعبائها على المجتمع بأكمله، فحصل نقص حاد في القطاع الزراعي وتضخّم سكاني ملحوظ وبطالة متفشية في المدن، وتركّز الكفاءات في المدن وقلتها في الريف والمدن الأخرى، كما أوجد هذا النوع من الهجرات تفككاً في التركيبة الاجتماعية والتوزع الديمغرافي في سورية، مترافقاً مع غياب الخطط التنموية المتساوية للمناطق السورية، إضافة إلى عدم الاهتمام بالشباب خاصة من قبل الحكومات السورية المتعاقبة، وغير ذلك من الأسباب التي فاقمت هجرة الشباب إما بمفردهم أو بصحبة عائلاتهم، فتحولت الحالة سريعاً إلى تيار هجرة خارجية ازدادت خاصة بعد تطبيق السياسات النيوليبرالبية في العقد الماضي، التي حابت رأس المال على حساب السواد الأعظم من السوريين، وما ترافق مع ذلك من انتشار الرشوة والفساد والمحسوبية في التعيين فضلاً عن البيروقراطية، ففي ظل وضع لا يتسم بالعدالة هرب الشباب السوري نحو الخارج.

لكن، بعد انقضاء ثلاث سنوات من عمر الأزمة السورية، تفاقمت معدلات الهجرة سواء نزوحاً داخل سورية أولجوءاً خارجها مسجلة أرقام مخيفة نتيجة التردي الأمني وتضاعف معدلات الفقر والبطالة، وبالتالي قلة الدخل اليومي وتراجع قيمة العملة الوطنية، فباتت الظاهرة تدق ناقوس الخطر مع هجرة شرائح كبيرة من السوريين العاملين وأصحاب الاختصاصات العلمية المختلفة، فقد خسرت سورية جزءاً كبيراً من الرأسمال المعرفي ومن العمالة المدربة، وهو ما يؤثر سلباً على التنمية الاقتصادية والتقدم العلمي والتقني الذي يرتكز على دعائم العلم والمعرفة، فالخسارة ليست بهجرة الرساميل بقدر ما هي خسارة إنسانية، تتمثل في هجرة العقول والكفاءات التي يتطلب تدريبها وإعدادها ملايين الليرات السورية، وهو ما تؤكده العديد من أدبيات التنمية الاقتصادية مشددة على دور رأس المال البشري المؤهل في تطور اقتصاد البلد، شريطة توفر الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلمية المؤاتية.

وبغضّ النظر عن أرقام الهجرة ومعدلاتها التي يختلف عليها الباحثون في ظل الأزمة، إلا أنهم يتفقون جميعاً أن سورية أفرغت من (عقولها) وعمالتها المؤهلة، وهي طاقات كبيرة يعوّل عليها للقيام بدور كبير في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في ظل الظروف الراهنة، فهجرة الكفاءات خسارة جديدة ستحصد البلاد نتائجها في المستقبل القريب في مرحلة إعادة الإعمار والبناء.

وهنا تبرز ضرورة العمل على إلغاء مسببات الهجرة أو الحد من تأثيرها، وترسيخ دعائم اقتصاد متين يركز على مصالح الشعب أولاً والاستفادة من الطاقات الشابة في بناء الوطن.. اقتصاد يكون قادر على تنمية المجتمع، بإقامة مشاريع تستوعب العمالة الموجودة حالياً والمتزايدة سنوياً.

وكذلك ضرورة إيجاد حلول سياسية للواقع الحالي ووضع خطط ومشاريع للحد من الهجرة تعتمد بالدرجة الأولى على وقف العنف وإحلال الأمن والأمن، وإطلاق الحريات السياسية وتوفير الجو المناسب للعمل الحزبي، بالتزامن مع إعادة تدوير عجلة الاقتصاد الزراعي والصناعي بالدرجة الأولى، ووضع مشاريع وخطط تنموية لكل المناطق السورية بغية تثبيت المواطن في منطقته وتشجيعه على البقاء فيها.

العمل على تقديم قروض للمشاريع الصغيرة والمتوسطة ودعمها فهي تستوعب عمالة كبيرة.

تهيئة المناخ المناسب للإبداع والابتكار من خلال دعم العمل والبحث العلمي وإعطاء القيمة للعمل على حساب الريع والمصادر الريعية، مع الإشارة إلى أهمية إعادة استقطاب (الأدمغة) التي أفرغت منها سورية بشكل أو بآخر، فهم بإمكانهم أن يساهموا وأن يحدثوا تغيرات نوعية وجذرية في التنمية والتقدم، وهو ما يتطلب تطوير الوسائل والأدوات في سبيل حياة أفضل من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان.