الإخوانجية هم غضب الإمبريالية و الرجعية العربية و المحلية

سالم لعريض
2014 / 3 / 17

قبل الحديث في بعض نقاط برنامج الإخوانجية لا بدّ من الإشارة إلى أن نقاشنا الحالي هو من باب الجدل النظري لأن هذه الأحزاب بحكم طابعها الفاشي و عمالتها تملك تعتمد الكذب و المراوغة و التقية في نشاطها السياسي لذا تجد عندها العديد من البرامج واحدا للموالين لها وآخر لأعضائها و آخر لجهازها السرّي و يكون عامة ديني بحت و تحت شعار "الإسلام في خطر" و" يقسمون المجتمع بين كفار و مسلمين" بالطبع الكفار كل من لا ينتمي لحزبهم هم و الآخر للإستهلاك الخارجي يحاول أن يدغغ جميع المشاعر الدينية منها و الديمقراطية و الإنسانية و الإجتماعية و عادة يكون ترديدا لشعارات وبرامج الأحزاب الثورية و الديمقراطية محاولة منهم لإرضاء أو لنقلها بصراحة الكذب على كل فئات المجتمع للوصول للحكم و بعدها نجدهم خدما للبرجوازيين الفاسدين وعملاء جشعين أفسد من كل السابقين قبل أن يصعدوا لسدّة الحكم و برنامجهم الحقيقي ما مارسوه فعليا لما وصلوا لسدّة الحكم في أفغانستان و الصومال و غزّة و الباكستان و السودان و ليبيا و تونس و اليمن و مصر إذ نجد برامجهم الإقتصادي ليبرالي متوحش و نجد كل الفساد ينمو و ينتشر في عهدهم من نهب المال العام على أساس أنه غنيمة حرب و يكثر التهريب و الجريمة المنظمة و تعم الفوضى و التهرب الجبائي و على المستوى خارجي عمالة وللإمبريالية و تطبيع مع الصهيونية و حلف مع الرجعية العربية و على المستوى الإجتماعي يحيون كل ما هو متخلف في تاريخنا و يحاربون النيّر فيه و يرفضون كل ما حصل من تقدم الإنسانية الحالي و كل علم و كل حضارة و كل حقوق الإنسان بدعوى أنها مستوردة من الغرب الكافر !في كلمة الإخوانجية هم غضب الإمبريالية و الرجعية العربية و المحلية و هي أدات انتقامهم من الشعب الثائر.

في الإقتصادي

تتحدث كل الأحزاب الدينية عن روعة الاقتصاد الاسلامي :" و تقول النهضة: «إنّها ليست ملكية ذات، وليست ملكيّة رقبة، الأرض ملك اللّه والإنسان يملك حقّ الانتفاع من الأرض، فإذا رفع يده عنها لم يعد له عليها حقّ"أو يوضحون ذلك بقولهم:" «فالمالك الأصلي المطلق لكلّ ما يملكه الناس وينتفعون به هو الله الذي خلقه وصنعه وهو الذي أطلق يد الإنسان فيه، فهو ربّه وماله و له وحده في الأصل الحقّ في منحه للإنسان وتحديد تصرفه وانتفاعه به، فهو المشرّع في ذلك بسبب كونه المالك الأصلي"
ويبدأون بأن كل الارض هي ملك عام للمسلمين جميعا,من وجد منهم ومن يوجد,اي ان الامة الاسلامية بامتدادها التاريخي هي التي تملك هذه الارض دون امتياز لمسلم على اخر في هذه الملكية,ولا يسمح للفرد بتملك رقبة الارض ملكية خاصة... وهي باعتبارها ملكا عاما للامة ووقفا على مصالحها العامة,لا تخضع لاحكام الارث ولا ينتقل ما يملكه الفرد المسلم منها الى ورثته,ولا تباع لان الوقف لا يجوز بيعه,وحين تسلم الارض الى المزارعين لاستثمارها لا يكتسب المزارع حقا شخصيا ثابتا في رقبة الارض وانما هو مستأجر يزرع الارض ويدفع الاجرة او الخراج.

نلاحظ هنا,انهم يحاولون تفنيد الاقتصاد الاشتراكي والرأسمالي بدعوى لا شرقية و لا غربية,و يدّعون أن الاقتصاد الاسلامي سيكون هو البديل الافضل لبلدان العالم الاسلامي في الشأن الاقتصادي, ولكن هل هذا الكلام معقول؟.. هل يعقل ان تصادر جميع الاراضي والدور والعقارات من اصحابها لحساب الدولة الاسلامية وتكون وقفا عاما لجميع المسلمين,ويجب على المسلمين جميعا دفع الخراج للحكومة .؟
- هل هذا هو الحل الامثل للاقتصاد في البلدان الاسلامية..وهل توجد مشكلة في تملك الاراضي حتى يقوم المتسترون بالدين بحلها بهذه الطريقة العجيبة.؟
- واذا كان الامر كذلك فلماذا يعترضون في أدبياتهم على الاقتصاد الماركسي و يتهمونه بانه صادر و يريد أن يصادر ملكيات الناس والفلاحين وجعلها بيد الدولة ؟
- ولماذا لما وصلوا لسدّة الحكم في تونس و مصر و ليبيا و اليمن و السودان و الصومال و أفغانستان و تركيا لم يطلبوا من اتباعهم ومقلديهم دفع الخراج عن دورهم واراضيهم للحكومة ؟
- الم يشتروا أو ورثوا دورا أو يملكون او يستأجرون بيوتا من اصحابها,فاذا كان كلامهم هو فتوى شرعية او يمثل رأي الاسلام والشريعة كما هو المفروض,فهذا يعني ان بيوتهم وبيوت جميع المسلمين كلها مغصوبة ولا تجوز الصلاة فيها والتصرف بها الا باذن الحاكم الشرعي.؟
- ثم اين المواطنة وحقوق المواطن من كل ذلك بحيث لا يحق له امتلاك شبر واحد من وطنه الذي يعيش فيه ويرى في ذات الوقت ان الكفار يملكون في بلدانهم الدور والقصور وكل شئ..الا يثير هذا الرأي استياء المسلمين من الحكومة الاسلامية اذا ارادت تطبيق هذا القانون في المجتمع الاسلامي.؟هذا جدلا أما على مستوى ممارستهم لما وصلوا للحكم :
- لماذا لم تقم ايران الاسلامية أو أي بلد حكم فيه المتسترون بالدين بتطبيق هذا القانون الاسلامي ..الا يعني ذلك ان هذا القانون الاسلامي,مضافا لكونه غير معقول من الناحية النظرية,انه غير ممكن التطبيق من الناحية العملية.؟
عشرات الاسئلة وعلامات الاستفهام التي تثار على هذا الاقتصاد الاسلامي الرائع جدا ولا يسعنا الا ان نقدم التهنئة الحارة للاسلاميين بهذا الكشف الاقتصادي العظيم ونعترف لهم بان الاسلام هو الحل لكافة مشاكل الانسان والمجتمع..
في تقديري ان الباعث الذي دفع المتسترين بالدين لتبني مثل هذه الفتاوى السخيفة,احد ثلاثة امور او كلها:
1- ان هؤلاء الفقهاء لا زالوا يعيشون في عصر الراعي والرعية وثقافة الخراج والجزية التي كانت سائدة في القديم ولم يلتفتوا الى المتغيرات العظيمة التي حدثت في عصر الحداثة في المفاهيم والقيم كالمواطنة وحقوق الانسان والديمقراطية وامثال ذلك.
2- ان حجاب القداسة للنصوص والروايات القى بغباره على عقولهم ومنعها من التفكير السليم بحجة ان هذه النصوص تمثل حكم الله الذي لا نقاش ولا ريب فيه.
3- السعي لادلجة الدين كرد فعل لوجود ايديولوجيات منافسة وبخاصة الماركسية والاشتراكية,اي خوف هؤلاء الفقهاء وعلماء الاسلام من اكتساح هذه الثقافات والمدارس الفكرية الحديثة عقول الشباب المسلم وبالتالي ابتعادهم عن الاسلام فقالوا ان الاسلام فيه جميع مايحتاجه الانسان المعاصر من اقتصاد وسياسة وحكومة وقضاء واخلاق وكل شئ, وهذا هو معنى تحويل الدين الى ايديولوجيا.
حول العلاقات الإجتماعية
ان من امتيازات الاسلام على غيره من الاديان انه دين اجتماعي ويحث المسلم على الانخراط في علاقات اجتماعية قوية ويرفض التفرد والعزلة ومن ذلك ورد التأكيد على صلاة الجمعة والجماعة والحج والامر بالمعروف والنهي عن المنكر و التكافل و صلة الرحم و الجار و احترام الأديان و حث أيضا على مكارم الأخلاق من صدق و أداء الأمانات وامثال ذلك.

ان كل ماذكر اعلاه من ايجابيات إجتماعية حثّ عليها الإسلام من صلاة الجمعة والجماعة والحج .....صار وبالا على المسلمين تحت حكم الإخوانجية,فالمساجد صارت اماكن لزرع الفتنة والارهاب والخرافة والفرقة بين المذاهب الاسلامية فلكل مذهب مساجده بل حتى اتباع المذهب الواحد نرى ان لا يصلون خلف فلان شيخ او فلان مسجد لانه من جماعة او تيار اخر,والحج بدوره لم يستطع اذابة الفرقة والعداوة بين السنة والشيعة ولم ينفع المسلمين سوى في انفاق الملايين من الاموال وهدر الطاقات والعمر دون اي فائدة,والامر بالمعروف والنهي عن المنكر اقتصر على التدخل في امور الناس الشخصية كلبس الحجاب وشرب الخمر وتركوا الاهم وهو الامر بالعدل والنهي عن الاستبداد والظلم ومصادرة الحريات وغير ذلك.كذلك يهمشون الفقراء و الجهات المحرومة كما يدّعي راشد الغنوشي أن: "
الله يحب الأغنياء... الفقير ما يقدرش يؤدي واجب الزكاة... الفقير ما يقدرش حتى يمشي للحج... عباداتنا تحتاج للمال... حتى الي يصلي لازمو الماء و لازمو... "

حول العقل و النقل
نعلم كلنا أن العرب هم أكثر الشعوب التي ركّزت على دور العقل لأن أول آية نزلت هي "اقرأ" و بالطبع قراءة لا تعني الترديد بل التفكير و التمحيص كذلك عمر بن الخطاب و أبا ذر الغفاري و عائشة يجادلون الرسول في كثير من الأمور و قد أنصفهم القرآن في الكثير من المرّات نجد و صار المعتزلة على دربهم و أعطوا للعقل دور الإمامة و في كامل مراحل الصراع بين الحكام و الشعب نجد مفكري البلاط ينتصرون للنقل و أنصار الثوار ينتصرون للعقل و اليوم نجد مشايخ الإخوانجية يحيون الإنتصار للنقل بحكم طبيعتهم الرجعية و العميلة إذ يقولون: ان العلمانيين ودعاة التنوير خطر على دين الناس واخلاقهم فهم يزرعون الشبهات في اذهان الشباب ويجعلونه يشكك بدينه واخلاقه باسم العقل والعقلانية دون ان يعطوه البديل الافضل مما يتسبب في سقوط الشباب في متاهات الشك والعدمية والحيرة والكفر بالدين,فحتى لو كان الدين يحتوي على بعض الخرافات وقضايا مخالفة للعقل الا انها اقل ضررا على هؤلاء الشباب من العقلانية التي تقودهم الى الفوضى واللاأدرية وتقود المجتمع الى التحلل وعدم التماسك والتعاطف بين افراده.

ولكن هذا الكلام مردود عليهم لأن مهمة المثقف التنويري هو التصدي بسلاح العقلانية للخرافات الضارة فقط والتي تنتج الارهاب والطائفية والتخلف والتبعية, وهذا يعني ان المثقف حتى لو كان لا ديني فهو ليس ضد الدين وضد شعائر الدين الا ماكان ضارا للفرد والمجتمع ,وتطهير المجتمع من المعتقدات والخرافات الضارة هي وظيفة المثقف الحق حتى و لو كان رجل دين يؤمّ الناس في المساجد .
عمل المرأة داخل البيت!


يطالعنا الإخوانجية و كل أتباعهم بقراءاتهم المحقّرة للمرأة و الداعية لقوامة الرجل عليها و محاولة حصر دورها في وظائفها الطبيعية كالإنجاب و الرضاعة و الفراش و الشؤون المنزلية أما عملها خارج البيت فيمكنها أن لا تتعب نفسها وتعرض كرامتها لمنزلقات الخضوع لمتطلبات الحياة ومشقات المعيشةلأن الرجل مكلّف بأن يقدّم لها كل متطلبات حياتها الضرورية والكمالية من جهده، ونسأل هؤلاء، اذن أين كانت خديجة بنت خويلد وثروتها الطائلة قبل الإسلام بحيث إنّ الرسول نفسه كان قبل البعثة أحد المتاجرين بأموالها؟!
فهل بأن تتفوق الجاهلية عندما أقرّت للمرأة بحق الملكية والاستقلال الاقتصادي حتى وصلت إلى ما صلت إليه من الثراء.. فأين الفخر للإسلام حسب كلام المتسترين بالدين هذا ؟!
ألم تصل المرأة قبل الإسلام إلى أن تتسلم أعلى المناصب السياسية والاجتماعية! فهذه بلقيس ملكة سبأ، وكليوباطرا ملكة مصر، وبنت كسرى ملك الفرس التي تقلّدت زمام الملك بعد البعثة ؟!فهم يحقرون من الإسلام و يلبسونه من عقدهم الشيء

المجتمع المدني وحقوق الانسان

الإخوانجية يمرون مرّ الكرام على ما قاله عمر بن الخطاب :"متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"
مما جعل نظرتهم إلى حقوق الإنسان المطروحة دولياً اليوم مع الأسف الشديد من قبل الغرب في هيئة الاُمم المتحدة، بنظرة سلبية وأنّها حقوق زائفة ما أنزل اللَّه بها من سلطان، وأنّ المسلمين غير محتاجين للإعتراف بهذه الحقوق، فالدين الإسلامي والشريعة السماوية لم تترك شيئا من حقوق الإنسان المشروعة إلاّ وذكرتها، أي أنّ ما كان صحيحا من الحقوق المذكورة في لائحة حقوق الإنسان فقد ورد في الشريعة السماوية حتما، وما لم يرد فيها فهو باطل ولا حاجة لنا به.
ومنهم من تحرك نحو الاستفادة من هذه اللائحة بعد أن لم يجد ما توقعه من الحقوق في مفاهيمنا الدينية، وعمل على التوفيق بينها وبين مبادي‏ء الدين الإسلامي وسماها «حقوق الإنسان الإسلامية» ونلاحظ مثل هذا التحرك في أروقة منظمة المؤتمر الإسلامي أيضا.
ومن الضروري أن نشير إلى أنّ ارهاصات حقوق الإنسان بدأت منذ القرن الثالث عشر الميلادي وفي بريطانيا بالذات حيث تم التوقيع على الوثيقة الكبرى عام 1215 م على أثر ثورة الشعب في مواجهة طغيان الملك، ثم اُلحقت بوثيقة (اعلان الحقوق) وقانون التسوية عام 1701 م، وبعدها تم اعلان حقوق الإنسان في امريكا عام 1787 م أثر اعلان الاستقلال، وقد تضمن مبدأ المساواة بين الناس وحقهم في الحياة والحرية والسعادة وحق الشعب في التمرد والتصدي للدولة في حالة انحرافها عن هذه المبادي‏ء، ونلاحظ بعد ذلك اعلان فرنسا لحقوق الإنسان سنة 1971 حيث بدأ بالعبارة التالية: «يولد الناس أحرارا ومتساوين في الحقوق»، ثم سرت في سائر الدول الغربية مع إجراء بعض التعديلات الدستورية، ولكن بقيت هذه الحقوق محبوسة في دائرة الدستور الأساسي لكل دولة ولم تكتسب بعد صيغة العالمية، حتى جاء دور عصبة الاُمم فأعلنت في مواثيقها حقوق الإنسان عام 1919 م بعد انتهاء الحرب العالمية الاُولى.
ولما لم تتمكن عصبة الاُمم بهذا الميثاق من الوقوف أمام اندلاع الحرب العالمية الثانية كما اريد منها ذلك، تمّ تأسيس هيئة الاُمم المتحدة للحيلولة دون وقوع مثل هذه الكوارث البشرية وتمّ إصدار (الاعلان العالمي لحقوق الإنسان) في عام 1948 م وصدقته الجميعية العمومية لمنظمة الاُمم المتحدة في نفس العام، وتتألف بنوده من ثلاثين مادة وتتضمّن حقوق الإنسان في مجال الحريات الأساسية والعدالة الاجتماعية والاُسرة.
فعلى مستوى الحريات الأساسية أكد هذا الميثاق الدولي حرية الإنسان الشخصية والقانونية وتحريم الرق، ومنع التعذيب، وحرية الفكر والرأي، وحق الملكيةالخاصة، والمسكن، والشرف والسمعة وما إلى ذلك.
وعلى مستوى الحياة الاجتماعية تمّ التأكيد على مساواة المواطنين أمام القانون وعدم التمييز بينهم والتمتع بالجنسية واختيار البلد وحق اللجوء فراراً من الاضطهاد.
وفي دائرة القضاء والعقوبات فالأساس هو براءة الذمة، ومنع إلقاء القبض أو السجن أو النفي قبل إثبات التهمة، وحق التقاضي العلني والتزام الشرعية في العقوبات.
وفي نطاق الاُسرة أقرّ الميثاق الدولي حق الزواج وتشكيل الاُسرة وحق المرأة في الحياة والأمن وحقوق الاُمومة والطفولة وحق اختيار تربية الأولاد.
وعلى مستوى العدالة الاجتماعية تمّ التأكيد على حق العمل، حق الراحة والرفاه، مجانية التعليم، المساهمة في حياة المجتمع الثقافية والفنية والادبية وأمثال ذلك.
وهذه الحقوق كماترى جعلت الأصالة فيها للإنسان بما هو إنسان بغض النظر عن عقائده وأفكاره وجنسه ولونه خلافا لما كان سائدا في الحضارات البشرية السالفة، وهي كماترى تتفق في الأصل مع المفهوم القرآني في جعل الأصالة للإنسان بما هوإنسان لا بما هو مسلم ولذلك يقول:
الاسراء: 70.-;-وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْر-;-
المؤمنون: 41.-;-فَتَبَارَك اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ-;-
وأمّا ما ورد في الأحكام الفقهية من تفضيل المسلمين في بعض الحقوق على أهل الكتاب فلا يرتبط بالمفاهيم الإسلامية الكلية عن حقوق الإنسان، بل هي قوانين روعيت فيها مقتضيات الزمان والمكان لذلك المجتمع الإسلامي ولا يصح القول بأنّها من ثوابت الشريعة وكليات الدين.
وعلى أية حال، فإنّ الإسلام والاعلان العالمي لحقوق الإنسان يشتركان في الأصل، وينفرد الاعلان المذكور بطرحه حقوق الإنسان على المستوى الدولي وفي اطار الروابط بين الشعوب والمجتمعات البشرية، فهي - أي الحقوق الدولية - من المواضيع المستحدثة التي تهدف رسم نمط العلاقات وتقنين الروابط بين المجتمعات البشرية ضمن ميثاق مشترك يوافق عليه المسلم والمسيحي، والمؤمن والملحد، والأبيض والأسود وهكذا، بينما تقتصر حقوق الإنسان في الإسلام على حقوقه ضمن دائرة المجتمع الإسلامي فقط تاركا العلاقات الدولية والروابط بين الشعوب تتخذ مجراها الطبيعي وتخضع لظروف المرحلة من الغزو وعدم رسم حدود مصطنعة بين دار الإسلام ودار الحرب واستعباد الأسرى وسائر الأعراف الاجتماعية والسياسية التي كانت تحكم تلك المجتمعات على المستويين الثقافي والاجتماعي.
وبعبارة اُخرى: إنّ الدول الغربية لما رأت فداحة الاضرار المادية البشرية التي خلفتها الحربين العالميين الاولى والثانية صاروا في صدد وضع ميثاق يحمي البشرية من ويلات هذه الحروب ويرسم للمجتمعات البشرية طريق العيش بسلام على أساس من احترام الإنسان لذاته وبما هو إنسان، وكل ما سوى ذلك يمكن أن يكون مصدرا للحرب كالدين في الحروب الصليبية، والعرق في النازية، ....، وهذا الموضوع لا يتقاطع مع المفاهيم الإسلامية عن حقوق الإنسان حتى ينبري بعض الكتّاب المسلمين لنقد تلك اللائحة الدولية والدعوة لتأسيس حقوق الإنسان الإسلامية.

حقوق الإنسان من منظور إسلامي
سبق للأحزاب الإسلامية والمجاميع العلمية في الوطن العربي والإسلامي إصدار العديد من الدساتير المقترحة حول حقوق الإنسان من منظور إسلامي من قبيل ما صدر عن جمعية الاخوان المسلمين في مصر، ومجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف ومشروع رابطة العالم الإسلامي، سوى ما أصدره الكتّاب الأسلاميون في هذا المجال من كتب ومقالات كثيرة تتناول البنى التحتية والمفردات التفصيلية للحقوق في نظر الإسلام مقارنة بما ورد في الحقوق الوضعية الغربية وخاصة ما ورد في لائحة حقوق الإنسان.
ولكن أول إصدار رسمي يصدر عن الدول الإسلامية في هذا الشأن هو ما أقرّه مجلس وزراء خارجية الدول الإسلامية في عام 1990م في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في القاهرة وقد جاء فيه:
«مساهمة في الجهود البشرية المتعلقة بحقوق الإنسان التى تهدف إلى حمايته من الاستغلال والاضطهاد، وتهتدي إلى تأكيد حريته وحقوقه في الحياة الكريمة تتفق مع الشريعة الإسلامية... وإيمانا بأنّ الحقوق الإنسانية والحريات العامة في الإسلام جزء من دين المسلمين لا يملك أحد بشكل مبدئي تعطيلها كليا أو جزئيا... إنّ الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، تأسيسا على ذلك تعلن ما يلي.. »
وقد تضمن الاعلان خمسا وعشرين مادة، تحدثت عن المساواة في أصل الكرامة والتكليف، حق الحياة، حق بناء الاُسرة، حق الطفل في التربية والرعاية، حق التعليم، حق العمل الذي تكفله الدولة والمجتمع لكل قادر عليه، حرية الرأي، حق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرها.
وكان مما جاء في المادة الخامسة والعشرين:
«الشريعة الإسلامية هي المرجع الوحيد لتفسير أو توضيح أي مادة من مواد هذه الوثيقة»
وعندما نقرأ المواد المذكورة في هذا الاعلان لحقوق الإنسان الإسلامية لا نجد فرقا جوهريا مع حقوق الإنسان المذكورة في لائحة هيئة الاُمم المتحدة سوى بعض القيود المذكورة في اعلان القاهرة التي تكبل هذه اللائحة بما ورد في النصوص الإسلامية وتجعلها محكومة للموروث الفقهي واجتهادات الفقهاء المتباينة أحيانا، وبالتالي لا يمكنها الانفتاح على أجواء المجتمعات الإسلامية المعاصرة على مستوى التطبيق والممارسة، وأساسا كيف يمكن أن تكون الشريعة الإسلامية هي المرجع الوحيد لتفسير مواد هذه الوثيقة - كما جاء في البيان المذكور - ونحن نعلم أنّ الشريعة الإسلامية الحقة ليست في متناول أحد من المسلمين، والموجود منها هو اجتهادات متنوعة وفكر بشري قد يخطي‏ء وقد يصيب، فكيف يكون هذا الفكر البشري المتضارب والفهم المتنوع للنصوص الدينية هو المعيار للحقوق؟ ولماذا لا يكون المعيار هو ما يدركه الوجدان البشري والفطرة الإنسانية من حقوق تربط الإنسان بأخيه الإنسان بعيدا عن كل إشكال التفرقة في اللغة والدين والقومية وما إلى ذلك؟
المشكلة التي يعاني منها أرباب الفكر الإسلامي التقليدي في دائرة الحقوق والأخلاق هو أنّهم تصوروا وجود اختلاف أو تباين بين التشريع البشري والتشريع الإلهي في صياغة مفردات الحقوق وتفاصيل الأخلاق، في حين أنّ الاختلاف المزعوم هو اختلاف ظاهري فقط، كما في اختلاف ماء المطر النازل من السماء عن ماء النهر النابع من العيون، وحقيقتهما واحدة حيث إنّ العيون بدورها تستقي ماءها من الأمطار ومن الثلوج في أعالي الجبال، وهكذا فيما نحن فيه، فالوجدان البشري نور رباني وروح إلهي نفخه اللَّه في الإنسان ليدرك الخير والشر الحقيقيين، كما قال تعالى:
الشمس، 7 - 8.-;-وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْواها-;-
فهو مصدر إلهي في أعماق فطرة الإنسان إلى جانب مصدر (الوحي) في عملية التشريع، ولذا قال الحكماء المسلمين: «الأحكام الشرعية ألطاف في الأحكام العقلية»، وبهذا أيضا صار العقل أحد مصادر التشريع في الفقه الإسلامي إلى جانب الكتاب والسنة وقرر الاُصوليون أيضا قاعدة «كلما حكم به العقل حكم به الشرع وبالعكس»، ومن هذا القبيل أيضا ما ورد في الروايات الشريفة: «إنّ للَّه على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنية، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة، وأمّا الباطنة فالعقول»
لا بدّ من ترجيح المرتكزات العقلية في مثل هذه المسائل لأنّ الإسلام يجب أن يتطابق مع الحقوق.
لقد ورد في الحديث الشريف:
»إنّما بعثت لاُتمم مكارم الأخلاق«.
فالدين الحق هو الذي يهدف إلى تقوية الأخلاق ودعم الحقوق الفطرية في واقع الإنسان والمجتمع البشري وهذا هو ما ورد في الخطابات القرآنية للإنسان والبشرية في مجال الأمر بالعدل والاحسان وعمل الخير، والنهي عن الظلم والشر من قبيل قول تعالى:
"إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْىِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ، وهو قوله تعالى:
أو قوله تعالى"فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ" الغاشية 12 و 22.
فمهمّة النبي تذكير الإنسان بما يجده حاضرا في أعماق نفسه من أحكام أخلاقية وقوانين حقوقية لا أكثر وتثوير عناصر الخير والصلاح، وهو قول أميرالمؤمنين (ع) في نهج البلاغة في حديثه عن الغاية من بعث الأنبياء «ليثيروا فيهم دفائن العقول. ».
لقد تهافت الكتّاب الإخوانجية على نقد هذه اللائحة وإبراز نقاط ضعفها بدافع من هاجس الخوف على الهوية والذات والدين، وكأن كل نتاج بشري حضاري لابدّ وأن يكون صادرا بوحي الاهواء والشهوات وأنّ الفكر البشري ناقص في مقابل الشريعة السماوية التي تكفلت بكامل حقوق الإنسان على جميع المستويات والصعد، فمن ذلك ما أورده «زكي الميلاد» من جوانب نقد الفكر الإسلامي للخطاب الغربي لحقوق الإنسان:
«أولاً: إنّ حقوق الإنسان في الخطاب الغربي تتأسس على مرجعية فكرية تستبعد الدين من أن يكون مصدرا في هذه المرجعية، ومن المعروف في تاريخ الفكر البشري أنّ الدين هو الذي قدم ويقدم عادة المرجعية التي تعلو على جميع المرجعيات، إنّ ردّ أمر ما من الاُمور إلى اللَّه تعالى معناه تأسيسه على مرجعية كلية مطلقة لا يؤثر فيها اختلاف الثقافات والحضارات، مرجعية تعلو على الزمن والتاريخ، وبالتالي على الإنسان نفسه!! »
وأنت ترى ما في هذا البيان من خلط بين مرجعية الدين الحقيقية، وهو اللَّه تعالى، وبين مرجعيته البشرية وهم الفقهاء ورجال الدين، حيث لا مشكلة مع الأول، ولكن عصر الوحي قد انقضى وليس بيننا من يتصل مباشرة بهذه المرجعية العليا، وما لدينا من مرجعية دينية، إنّما هي فكر بشري يستقي من النصوص الدينية حسب الإجتهاد الفقهاء واختلافهم في الرأي والمذهب والدين، فإلى من نرجع في هذه المسائل؟ هل إلى علماء الدين المسيحي، أو المسلمين من أهل السنة، أو من الشيعة، وعلماء كل مذهب لا يتفقون كذلك على نظرية موحدة منسجمة في دائرة الحقوق، وبعد هذا هل يصح القول بأنّ مرجعية الدين هي الأصل؟
وأيضا فانّ مسألة الحقوق إنّما تؤخذ من خارج الدين، ووظيفة الدين ليست في صياغة حقوق الإنسان، بل في دعمها وتأييدها وحث الناس على الالتزام بها، حالها حال الأخلاق التي لا يأتي الدين إلاّ لتوكيدها وربطها باللَّه تعالى، لايجاد الضمانات القوية في واقع الإنسان للتحرك في أجوائها وممارستها لا لتأسيسها وإنشائها، فمن المعلوم أنّ الأخلاق والحقوق كانت موجودة قبل نزول الأديان، بل إنّ المعيار السليم لإثبات حقانية دين معين أو بطلانه يكمن في مدى ما تتضمن تعاليم هذا الدين من أحكام أخلاقية ومسائل شرعية تضمن حقوق الأفراد، وإلاّ فانّ كل دين بإمكانه أن يدعي لنفسه الحقانية والمشروعية السماوية، وهذا يقتضي أن تكون الأخلاق والحقوق من الاُمور التي يعيشها الإنسان بوجدانه وفطرته ليتمكن بعد ذلك من تشخيص الحق والباطل من الأديان.
«ثانيا: إنّ كل المواثيق والإعلانات التي صدرت في أمريكا واوربا قبل الاعلان العالمي كانت موجهة بصورة أساسية للإنسان الأروبي والغربي عموما، والبداية الأساسية في طرح قضية حقوق لإنسان على نطاق عالمي كانت مع صدور الاعلان العالمي لحقوق الإنسان، الاعلان الذي كان يراد له أن يحمل صفة العالمية إلاّ أنّه حقيقة يفتقدها، فلم يأخذ بعين الاعتبار التمايزات بين ثقافات وحضارات وأديان وهويات وتقاليد الاُمم والمجتمعات المختلفة عن الغرب، بل انطلق من أحادية الثقافة والهوية ومن اروبا تحديدا».
وهذا النقد بدوره في غاية الغرابة، وكأن حقوق الإنسان الفطرية من الحرية والمساواة والكرامة وأمثالها اُمور نسبية تتغير بتغير الثقافات والحضارات والأديان والتقاليد، والغريب هنا هو أنّ الذي يوجّه مثل هذا النقد يدّعي بدوره أنّ الإسلام يتضمن الحقوق الكاملة للبشرية على اختلاف ألوانهم وثقافاتهم وأعراقهم وتقاليدهم لأنّه دين الفطرة الإنسانية، والفطرة واحدة في جميع أفراد البشر، أي أنّ الحقوق الفطرية واحدة بين أفراد الإنسان من حسن العدل والحرية والمساواة، وقبح الظلم والجور وأشكال التمييز والقهر والكبت!!
مضافا إلى أنّ لائحة حقوق الإنسان اشترك في إخراجها وإمضائها نواب من غالبية شعوب العالم ولم يحتكر الإنسان الغربي إخراجها والاعلان عنها وإن كانت للغرب الاسبقية في السعي إلى تجسيدها على أرض الواقع الاجتماعي والسياسي.
العدالة والحرية ومنع التعذيب ومؤاخذة البري‏ء واحترام كرامة المرأة وحرية الرأي والبيان وأمثالها ليست مقولات من نتاج غربي خالص حتى تنعكس عليها الثقافة والتقاليد الغربية دون غيرها، بل هي حصيلة معاناة بشرية وتجربة حضارية استطاعت اخراج الإنسان من أجواء الاستبداد والخرافة والتقاليد الزائفة إلى حيث الحرية والكرامة والمسؤولية، ومن الخطأ التعامل معها من موقع الرفض والتنكر والخصومة بما يدفع بنا إلى الجهة المقابلة من القيم والمبادي‏ء، كما أنّ رفض الإخوانجية للديمقراطية بحجة أنّها وافد غربي ونتاج بشري لا يتعالى على الخطأ والزيف أوقعهم في نتيجة وهي الرضا بالاستبداد ورفض الانتخابات وقبول النموذج الطالباني أو الملوكي الخليجي في مقابل النموذج الغربي!!
«ثالثا: إنّ اوربا التي نهضت بقضايا حقوق الإنسان في مجتمعاتها، إلى اليوم تفتخر أمام العالم بهذا الانجاز الحضاري، الانجاز الذي يستحق التقدير والاحترام بلا شك من العالم برمته...، كان يفترض عليها وقد خرجت من العصور المظلمة أن تكون على درجة عالية من الوعي والشفافية باحترام حقوق الإنسان والاُمم الاُخرى، في حين أنّ الصورة التي ينقلها لنا التاريخ هي أنّ اروبا التي تسببت في اخضاع شعوب استعمرتها، كانت في غاية القسوة والبؤس بشكل يناقض تماما شعارات حقوق الإنسان، اروربا التي نهضت بحقوق الإنسان هي التي انتهكتها وانقلبت عليها بأسوأ صور تجاه الاُمم والشعوب التي استعمرتها، وإلى اليوم لم تعتذر اروبا عن هذا التاريخ الأسود ».
وهذا الكلام أعجب من سابقه، لأنّ سلوكيات بعض الشعوب السلبية لا تعدّ دليلاً منطقيا لبطلان القيم والأخلاقية التي يرفعونها، بل إنّ جميع الحكومات الجائرة والاستبدادية ترفع شعار العدالة والحرية والمساواة، فهل يدل سلوك المستبدين والظالمين على زيف مفهوم العدالة وبطلان مفهوم الحرية؟
هل أنّ عمل سلاطين بني اُمية وبني العباس وجورهم وهم يرفعون لواء الإسلام والخلافة للرسول (ص) يعدّ مسوغا لرفض قيم السماء التي جاء بها الإسلام لاحياء البشرية والصعود بها في مدارج الكمال والتحضر؟
ثم لا يخفى أنّ لائحة حقوق الإنسان بصياغتها العالمية لم يمض على ولادتها سوى نصف قرن وقد تمّ الاعلان عنها عقيب الحرب العالمية الثانية، والاستعمار الغربي للشعوب الشرقية والافريقية يمتد إلى زمن سابق على ذلك بعشرات السنين،و لانهدف هنا إلى تبرير ساحة الإنسان الغربي من ممارساته الظالمة والتعسفية بحق الشعوب المستعمرة وخاصة دور الدول الغربية في تكريس التبعية والتخلف والاستبداد في هذه البلدان، ولكن هل يعني هذا أن نبقى في دائرة الماضي ونكيل الإتهامات على الآخر الغربي من دون الأخذ بنظر الاعتبار نقاط القوة في هذه الحضارة الجديدة والعمل على استيحاء مقومات النهضة الحضارية منها بما يتناسب ومجتمعاتنا الإسلامية من التجربة البشرية الراهنة؟!
«رابعا: ومن إشكالات الإخوانجية على لائحة حقوق الإنسان ما يتعلق بالجانب التطبيقي منها وأنّها تفتقد إلى ضمانات تنفيذية على مستوى الساحة الدولية، بخلاف الإسلام الذي يؤكد على البعد الإلهي في هذه الحقوق ويعتمد على الوجدان الفردي وإيمان المسلم في تطبيق هذه الحقوق على أرض الواقع، أو أنّ الدول العظمى تستخدم هذه اللائحة لأغراض سياسية و كورقة ضغط ضد الدول الاُخرى المخالفة لها في المنهج السياسي‏كما يقول الشيخ شمس الدين في هذا الصدد: «إنّ شعار حقوق الإنسان الذي يثار في السنين الأخيرة على نطاق واسع نلاحظ أنّه أصبح يستعمل في كثير من الحالات ضد الإسلام والمسلمين والعرب، وترفع هذه الشعارات في بعض الحالات دول غربية معينة مثل الولايات المتحدة الامريكية، أو بعض دول اوربا الغربية، وفي بعض الحالات تطرح هذه الشعارات منظمات دولية من قبيل لجنة حقوق الإنسان في الاُمم المتحدة أو جمعيات حقوق الإنسان الاُخرى في العالم الغربي، نحن نعتقد أنّ كثيرا من هذه الاُطروحات لا تستند إلى نيّات حسنة وإنّما يقصد بها التشهير بالإسلام والمسلمين والعرب»
ونحن بدورنا نشارك الشيخ الجليل في عدم توفر النيّة الحسنة عند الطرف المقابل، ولكن هل يعني أنّ هذه الاتهامات بلا رصيد واقعي يعيشه المسلمون في بلدانهم؟ ولماذا ننزعج من هذه المقولات ونفتش عن نوايا الطرف المقابل بدلاً من التفتيش في واقعنا وكتبنا الإسلامية وفتاوى فقهائنا لازالة ما يتقاطع مع حقوق الإنسان ولا نجعلها ذريعة بيد الدول الغربية للتهجم على الإسلام والمسلمين؟
أليست المرأة ممنوعة لحد الآن في بلدان إسلامية عن المشاركة في الانتخابات، أو ممنوعة حتى عن قيادة السيارة بفتوى بعض الفقهاء؟
أليس المسلمون يعيشون الاستبداد السياسي والفكري الذي تفرضه عليهم قوى السلطة بالاستناد إلى بعض الروايات والفتاوى التي تطلق يد الحاكم وتجعل له من الصلاحيات ما كانت للرسول الأكرم(ص) وليس لأحد حق الاعتراض أو النقد؟
«خامسا: الفصل بين القانون والأخلاق في الخطاب الغربي لحقوق الإنسان، حيث يشرع بعض الحقوق التي تتنافى مع الأخلاق والفطره الإنسانية، من نوع حقّ الإنسان على جسده حيث يجيز للمرأة أن تتصرف في جسدها بمطلق الحرية، ويجيز للرجال المعاشرة المثلية كما في بريطانيا، وهناك بعض الكنائس المسيحية التي تسمح بإجراء مراسيم الزواج لهذا النوع من الشراكة كما في هولندا والدانمارك، هذه الحقوق وغيرها التي تخالف وتتعارض مع طبيعة الإنسان لا يمكن أن تستقيم الحياة على وفقها أو جلب السعادة عن طبقها ».
وهذا الإشكال أيضا لا يرد على أصل لائحة حقوق الإنسان العالمية، بل على بعض قوانين الدول الغربية التي تحترم الحرية الفردية على حساب اهتزاز القيم الأخلاقية والمبادي‏ء الدينية، وإلاّ فانّ اللائحة المذكورة لا تشير إلى هذه الصياغات القانونية المنحرفة، وإن هي إلاّ من قبيل حق القوامة التي وضعها الإسلام للرجل على زوجته وأطفاله بما لا يخل بمقتضى العدالة والكرامة الإنسانية، ولكن يأتي بعض الفقهاء ليستوحي من هذا المفهوم القرآني جواز بعض الممارسات التعسفية للرجل بحق الزوجة من قبيل حقه في منعها من الخروج من البيت لعدّة شهور، أو منعها من التحصيل الدراسي، وتجميد طاقاتها والسهر على خدمته، فمثل هذه الاستنباطات لا تشكل نقطة ضعف في اصل المفهوم القرآني المذكور، وفي أغلب الاحيان تواجه الصياغة العامة والكلية للحقوق بعض الاستثناءات أو تتقاطع مع بنود قانون كلي آخر، حيث تتكفل القوانين الفرعية، حلّ مثل هذه الإشكالات ومعالجة هذه التعارضات القانونية.
وعلى أية حال فاننا في بلداننا الإسلامية علينا معالجة العقبات الحقوقية في مفردات القضايا بما لا يتقاطع مع مبادي‏ء الشريعة السماوية ولنترك للآخرين حقهم في صياغة قوانينهم وفق ثقافتهم وأفكارهم.

حقوق أهل الكتاب نموذجاً
أحدى الإثارات المطروحة في مسألة حقوق الإنسان في الإسلام، مسألة التبعيض في حقوق المواطنين على أساس الدين ووجوب دفع «الجزية» على أهل الكتاب بما يتنافى مع بنود اللائحة المذكورة وضرورة المساواة في الحقوق بين جميع البشر على اختلاف عقائدهم ومذاهبهم وأديانهم، وهذا الحكم الشرعي الخاص بأهل الكتاب هو السبب في ما ذهب إليه الكثير من السلفيين من اعتبار أهل الكتاب مواطنين من الدرجة الثانية وعدم أعطائهم الحق في الانتخاب والترشيح وتولي المناصب المهمة في البلاد الإسلامية وعدم جواز استخدامهم في الجيش والقوات العسكرية وما شاكل ذلك، يقول صاحب كتاب «المذهب السياسي في الإسلام»:
«رعايا الدولة الإسلامية، والذين يعيشون داخل حدودها السياسية على قسمين:
1- رعايا مواطنون وهم المسلمون.
2- رعايا غير مواطنين -أو مواطنون من الدرجة الثانية- وهم غير المسلمين من أهل الكتاب، وهؤلاء على نوعين...
إنّ هؤلاء الرعايا وفي كلا النوعين تحتضنهم الدولة الإسلامية، وتوفر لهم كامل حقوقهم!! (لاحظ الاستثناءات) إلاّ أنّهم لا يساهمون في حكومة الدولة الإسلامية بالمستوى الذي يساهم فيه المسلمون، حيث لا يحق لهم الترشيح لموقع القيادة ورئاسة الجمهورية وإن ساهموا فيما دون ذلك.
كما أنّهم لا يتمتعون بنفس الحقوق الاجتماعية والثقافية التي يتمتع بها المسلمون حيث لا يحق لهم - مثلاً - التبليغ لأديانهم، ونشر ثقافتهم، كما لا يحق لهم بناء معابد جديدة لهم، بل ذكر الفقهاء أنّه لا يسمح بأن يعلو بناؤهم على أبنية المسلمين في إشارة إلى موقعهم الأدنى من موقع المسلمين، أمّا حماية الدولة الإسلامية فانّها ثابتة لهم على السواء مع المواطنين، طالما كانت شروط الذمة التي تعاهدوا عليها محفوظة».
وبعد هذا يدعي أصحاب هذا الفكر الاُصولي أنّ دينهم قد تكفّل لجميع البشر بالحقوق الإنسانية، ويستدلون على مثل هذا الاجحاف والتعسف بروايات ونصوص هي أبعد ما تكون عن هذه النظرة الضيقة تجاه غير المسلمين، حيث يورد هذا المؤلف بعد ذلك نصّ الدستور الذي وضعه رسول اللَّه(ص) للمسلمين في المدينة ويقول: يتعرض الرسول(ص) إلى القسم الثاني من رعايا الدولة الإسلامية فيقول:
»وإنّه من تبعنا من اليهود، فانّ له النصر والاُسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم«.
»وأنّ على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم«.
»وأنّ بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وأنّ بينهم النصح والنصيحة والبرّ دون الإثم«.
وهكذا نرى أنّ هذا النص يقرر من الحقوق لأهل الكتاب بما لا يختلف عن حقوق اخوانهم المسلمين، إلاّ أنّ الفقه التقليدي يتحرك من موقع الجمود التاريخي على النسق الثقافي والسياسي الحاكم على تلك العصور ويصرّ على اغفال المتغيرات الحضارية في عالمنا الجديد بما يوهم اعتماد الإسلام التبعيض في حقوق الإنسان على أساس الدين والعقيدة، في حين أنّ ضريبة (الجزية) كما يؤكد ذلك بعض علماء الإصلاح الديني إنّما هي في مقابل (الزكاة) التي يدفعها المسلمون للحكومة الإسلامية، أو في مقابل (الأمن) الذي يوفره لهم الجيش الإسلامي، فلو تغيّرت الظروف والاعراف في المجتمع البشري وقامت الحكومة الإسلامية بأخذ الضرائب المختلفة من أفراد الشعب (من المسلمين وغير المسلمين) على السواء، أو إشراك غير المسلمين في القطاع العسكري - كما هو الحال في الجمهورية الإسلامية في ايران في العصر الحاضر - لما بقي مبرر لأخذ الجزية حينئذٍ.
وبغضّ النظر عن هذه الرؤية المعقولة لمقولة التمييز في بعض الحقوق بين المسلمين وأهل الكتاب، أو بين الرجل والمرأة بما يتناغم مع مقولة المساواة في الإسلام على مستوى الإنسانية بين جميع أفراد الشعب ويقطع عنه ألسنة المخالفين في اتهامهم له بالتمييز بين الناس على أساس العقيدة، هناك ملاحظة مهمة تأخذ بنظر الاعتبار البعد الثقافي والحضاري للمجتمع الإسلامي الأول بالقياس الى مجتمعنا الجديد، وهي أنّ الإسلام حين فرض الجزية على أهل الكتاب في صدر الإسلام كان يمثل في هذا العمل قمّة الطرح الإنساني والرؤية الحضارية في تعامل الدولة مع الأقليات الدينية, في مقابل ما نجده من التعامل السلبي والوحشي في الطرف المقابل تجاه الأقليات الإسلامية الواقعة تحت سيطرته، أهونه القتل والسلب والنهب ومصادرة الثروات واستعباد النساء والأطفال، فعلى سبيل المثال يقول المؤرخ الكبير (ول ديورانت) في (قصة الحضارة) عن سلوك الصليبيين الفاتحين مع أهالي مدينة القدس المسلمين:
« وفي هذا يقول القس ريمند الاجبلي شاهد العيان:
وشاهدنا أشياء عجيبة، إذ قطعت رؤوس عدد كبير من المسلمين وقتل غيرهم رميا بالسهام، أو اُرغموا على أن يلقوا بأنفسهم من وفوق الأبراج، وظلّ بعضهم الآخر يعذّبون عدّة أيام، ثم احرقوا بالنار، وكنت ترى في الشوارع أكوام الرؤوس والأيدي والأقدام، وكان الإنسان أينما سار فوق جواده يسير بين جثث الرجال والخيل.
ويروي غيره من المعاصرين تفاصيل أدق من هذه وأوفى، يقولون: إن إلنساء كنّ يقتلن طعنا بالسيوف والحراب، والأطفال الرضع يختطفون بأرجلهم من أثداء اُمهاتهم ويقذف بهم من فوق الاُسور، أو تهشّم رؤوسهم بدقّها بالعمد، وذبح سبعون الفا من المسلمين الذين بقوا في المدينة، أمّا اليهود الذين بقوا أحياء فقد سيقوا إلى كنيس لهم، وأشعلت فيهم النار وهم أحياء، واحتشد المنتصرون في كنيسة الضريح المقدس، وكانوا يعتقدون أنّها مغارة فيها احتوت في يوم ما المسيح المصلوب، وفيها أخذ كل منهم يعانق الآخر ابتهاجا بالنصر وبتحرير المدينة، ويحمدون الرحمن الرحيم على ما نالوا من فوز! » .
وفي مثل هذه الأجواء الثقافية اللا إنسانية في الحضارات البائدة واُسلوب تعاملها مع الآخر المغلوب، جاء الإسلام بمبدأ الجزية وشفعها باعطاء الحرية الكاملة وضمان الحياة الآمنة لأهل الكتاب والذي يمثل نقلة نوعية أو قفزة حضارية على مستوى تأصيل الروابط القائمة على محور الإنسانية، ولكن الحال الآن يختلف كثيرا عن الماضي، فبينما يفتي الفقهاء الآن بنجاسة أهل الكتاب ووجوب دفع الجزية عليهم ومنعهم من نشر كتبهم والتبليغ لدينهم وعقائدهم في الوسط الإسلامي والقول بأنّهم مواطنون من الدرجة الثانية وجواز طردهم من البلاد الإسلامية وممنوعية بناء كنائس جديدة أو تعمير ما يوشك منها على الخراب وأمثال ذلك ممّا سطره أصحاب العقل الأصولي في كتبهم، نجد في الطرف المقابل تعامل الدولة الغربية مع الأقليات الدينية من المسلمين يقوم على المساواة في الحقوق المدنية والقضائية والحريات السياسية واعتبارهم مواطنين من الدرجة الاُولى وحتى السماح لهم بتشكيل الأحزاب والتظاهر ضد الحكومة والتبليغ للدين الإسلامي من خلال الصحف والمجلات ونشر الكتب الإسلامية واقتناء اذاعة وقناة تلفزيونية وبناء المساجد وممارسة الشعائر الدينية بكل حرية وأمان، فهل بعد هذا يمكن القول بأنّ موقف الطرف الآخر من الأقليات الدينية لا يمثل نقلة نوعية وحضارية في مجال حقوق الإنسان وأنّه ما زال متخلفا حضاريا عن الرؤية الإسلامية التي يراها الفقهاء بالنسبة لأهل الكتاب!؟
هل لا يزال الإسلام يعتبرهم نجسين ومواطنين من الدرجة الثانية؟
هل يحق لمثل هذا الفكر الديني أن يدعي أنّه متحضر أكثر من الآخرين وعلى الجميع أن ينظووا تحت لوائه؟!
سورة النساء، الآية 145.-;-إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْك الاَْسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا-;-ونقطة ثالثة ومهمة أيضا، وهي أنّ القرآن الكريم يشدّد النكير على المنافقين ويعتبرهم في الدرك الأسفل من الجحيم:
سورة التوبة، الآية 73.-;-يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ-;-والآيات الكثيرة الواردة في ذمّهم توحي بما لا يدع مجالاً للشك في أنّهم منبوذون وينبغي طردهم والحذر منهم، بل وقتالهم إذا اقتضى الأمر:
وبعد هذا كيف يكون هؤلاء المنافقون طاهرين ومواطنين من الدرجة الاُولى، بل وكل من يشهد الشهادتين بلسانه ولكنه يعيش في قلبه الحقد والكراهية والنفاق والكفر باللَّه وبالإنسانية، بينما يكون ذلك المسيحي المحب للخير والإنسانية وصاحب دار الأيتام والعجزة والمتبرع ببناء المستشفى يتداوى فيها المسلمون وغير المسلمين على السواء، نجسا ومواطنا من الدرجة الثانية وللحاكم الإسلامي أن يطرده من أرض الإسلام؟!

مفهوم المواطنة
بعد هذا لا بأس بأن نشير الى أن مفهوم المواطنة مصطلح جديد ومقولة من مقولات المجتمع المدني, ومعلوم أن المجتمع المدني لا يقبل تقسيم المواطنة الى درجة أولى وثانية، فجميع أفراد هذا المجتمع إما مواطنون أو مهاجرون أو أجانب، ولا معنى لأنْ يكون المواطن من الدرجة الأولى أو الثانية, لأنّ المواطن في المجتمع المدني هو الذي يتمتّع بامتيازين أساسيين - كما يقول اوستن رني - (أولهما: أهليته, إذا ما وصل سنّ الرشد الذي تحدّده الدولة, للمساهمة في عمليات اتخاذ القرارات التي تحدّد سياسة الدولة، وذلك عن طريق بعض الوسائل مثل حق التصويت وحق تولّي الوظائف، وثانيهما حقّه في أن تقوم الدولة في الداخل والخارج في حماية نفسه وملكيته)
وعلى هذا الأساس فإن المواطن هو الذي يشارك في صنع القرار ويساهم في عملية الحكم والتقنين من خلال النواب والمرشّحين لتولي المناصب السياسية في المجتمع.
ومعلوم أن المجتمع الديني، كما يراه أصحاب العقل الأصولي، لا يسمح بمثل هذا الحق لأفراده، لا في اختيار الوالي أوالحاكم لأنه منصّب من قبل الله تعالى إما بالتنصيب الخاص (كما في زمن المعصومين) أو التنصيب العام (أي الفقيه العادل المنصّب من الله بالتنصيب العام.) ولا في المساهمة في عملية سنّ القوانين لأن الشريعة الإسلامية قد تكلّفت هذا الأمر، وما على الحاكم أو مجلس الشورى الاّ تطبيق القوانين الواردة في الشريعة المقدسة على مواردها ومصاديقها.
وبهذا يتّضح جيداً أن إطلاق كلمة (المواطن) على أفراد المجتمع الديني أو المجتمعات التوتاليتارية والإستبدادية إنما هو زيف يجانب الواقع والحقيقة ولا يمثّل أي بُعد حقوقي وسياسي في واقع الممارسة الإجتماعية.
إن المجتمع المدني مبني أساساً على فكرة العقد الإجتماعي التي قال بها جان جاك روسو و جون لوك وغيرهما من فلاسفة النهضة الحضارية الجديدة وبدافع التصدي للإستبداد وقـــوى القهـــر الســـياسي والإجتماعي. حيث يتحدث جون لوك في كتابه «رسالتان في الحكومة المدنية» عن مبادئ النظام الديمقراطي الجديد كالآتي:
«الناس جميعاً أحرار وهم متساوون في حقهم في الحرية.
الحقوق الطبيعية ليست منحة من أحد، وإنما هي من خصائص الذات البشرية.
الناس جميعاً متساوون في الحقوق والواجبات.
تنشأ السلطة السياسية علىأساس التعاقد الإجتماعي المبني على التراضي بين طرفي العقد. »
فيما نرى أن المجتمع الديني الذي ينظّر له أتباع التيار الأصولي يفتقد لجميع هذه المبادئ الأربعة، فلا مساواة في حق الحرية لجميع أفراد المجتمع الإسلامي، كما رأينا في تقسيمهم الى مواطنين من الدرجة الأولى والثانية،كما أن الحقوق الطبيعية لدى هؤلاء لا تُعدّ من خصائص الذات البشرية بما فيها حق تقرير المصير, لأنها- حسب وجهة نظرهم - منحة من الله تعالى يهبها لمن يشاء من عباده بالشروط المقررة. إضافة الى ذلك أن الناس ليسوا متساوين في الحقوق والواجبات, ويشهد بذلك عدم تساوي الرجل والمرأة في الكثير من التشريعات. كما إن السلطة السياسية في الأطروحة الدينية لا تقوم علىأساس التعاقد الإجتماعي المبني على التراضي بين الوالي والرعية وإنما هي من شؤون الله تعالى ولا دخل للبشر فيها, وهذا ما يؤكّده صاحب كتاب «المذهب السياسي في الإسلام» بعد أن يؤكد على أن مصدر سلطة الرسول وسائر الأنبياء والمعصومين هو الله تبارك وتعالى فضلاً عن سلطة الرسالة والشريعة, أي ليس للناس أي حق في تشريع أي قانون الاّ ما يجتهد فيه الفقيه الذي يستمد هو الآخر سلطته من الله وليس من الناس. يقول صاحب هذا الكتاب ما نصّه:
«أما سلطة نائب المعصوم وولي الأمر في عصر الغيبة فهي الآخرى لا تُستمد من الأمة, إنما سلطته إلهية, بحيث ان الرادّ عليه رادّ على الإمام المعصوم، والراد عليه كالراد على الله تعالى وهو على حدّ الشرك بالله، كما ورد في حديثٍ شريفٍ متقدم، ورغم أن الأمة هي التي تساهم في عملية اختيار الإمام الاّ أنه بعد هذا الاختيار سيأخذ موقعة وإمامته باعتباره نائباً للإمام المعصوم ووكيلاً عنه (لا عن الناس!) في إدارة شؤون الأمة مما يعني أن السلطة ستكون مستمدة من سلطة الله تعالى الذي هو مصدر كل السلطات. »
ولا يخفي هنا على كل ذي عينين ما يؤول إليه أمر هذه الحكومة الدينية من تحكيم ادوات الإستبداد والقهر السياسي والفكري والديني باسم الحق الإلهي وتحت شعار القداسة الإلهيه للحاكم. والمصيبة الأعظم أن هؤلاء الإسلامويين يطرحون أفكارهم وقراءتهم الضيقة هذه للنصوص الدينية باسم الإسلام والشرع الالهي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويدّعون أن هذه الأفكار البائسة والنظرات الغارقة في أوهام الأيديولوجية هي رأي الإسلام والقرآن والشريعة المقدسة!!
الفرقة الناجية
لتكفير غيرهم من الأحزاب يستعمل الإخوانجية ما روي عن الرسولصلوات الله عليه :ستفترق امتي على 73 فرقة واحدة ناجية والباقي في النار "واضاف شيوخ اهل السنة لاثبات انهم هم الفرقة الناجية ان النبي قال :"هم انا واصحابي".أماالشيعة فاضافت لهذا الحديث :"ياعلي انت وشيعتك هم الفائزون".
نلاحظ على هذا الكلام نقاط عدة:
1- انه مخالف للقران الذي يقول:(ان الذين امنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من امن بالله واليوم الاخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون:.(المائدة 69) .فاذا كان اتباع الديانات الاخرى سيكتب لهم النجاة بدون الايمان بالنبي (فقط ايمان بالله واخرة وعمل صالح)فكيف باتباع المذاهب الاسلامية؟
2- انه مخالف لرحمة الله الواسعة لانه يعني ان 99 في المائة من الناس في النار من المسلمين وغير المسلمين.ويعني ان الشيطان تغلب على الله في ارسال اكثر الناس الى جهنم والله لا يريد ذلك قطعا لانه يتنافى مع رحمته ولطفه بعباده.
3- انه مخالف لطبيعة الانسان والبشرية في الاختلاف والتنوع في الافكار والاذواق والميول والمزاج ويتبع ذلك اختلافهم في العقائد والمذاهب,ولو صاروا على دين واحد ومذهب واحد لماتت كل حركة فكرية وابداع وتنافس حتى في المجالات الاخرى لان الوازع الديني يعد احد العوامل المهمة في شحذ همة الافراد والمجتمع لتحقيق التفوق على المجتمعات الاخرى.
4- ان هذا الحديث هو سبب الارهاب والطائفية وقتل الابرياء في بلادنا الاسلامية لان كل فرقة تدعي انها على حق والباقي باطل وشرك ويجب عليهم مقاتلة اهل الباطل,ونعرف ان هذا الحديث باطل من ثماره كما قال المسيح(من ثمارهم تعرفونهم).
5- ان هذا الحديث هو سبب جمود الفرد على معتقداته دون البحث في معتقدات الاخرين لانه يعتقد ان دينه ومذهبه هو الحق وانه من اهل النجاة فيحرم نفسه من الاطلاع على افكار وعقائد الاخرين مهما كان فيها من نقاط ايجابية ومفيدة,وحتى لو اطلع عليها فانه لا يرى منها الا الجانب السئ والمظلم ,وبالتالي يظل سجين معتقداته وتظل الفجوة بينه وبين الاخرين وقد يحس بالكراهية لهم ويتمنى الخلاص منهم.وهذا يتنافى مع ابسط معالم الاخلاق.
6- ان هذا الحديث هو سبب قتل المعارضين والمناوئين للسلاطين والحكام الذين يعتقدون انهم ومن معهم هم الفرقة الناجية وكل من خالفهم فهو على ضلالة وبالتالي تكريس الاستبداد والظلم وخنق الاصوات الحرة والافكار المخالفة.

7- ماذنب من ولد في محيط سني او شيعي او مسيحي اوو..ومعلوم ان الفرد يتاثر بمحيطه ومجتمعه فياخذ منهم اللغة والثقافة والدين وو..والنبي قال ايضا(كل انسان يولد على الفطرة فاما ابواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه) ونضيف:او يشيعانه او يسننانه او..
بين الشريعة والقانون الوضعي




قالوا : القران دستورنا وان الشريعة الاسلامية صالحة لكل زمان ومكان لانها من الله وهو اعلم بحاجات عباده من البشر انفسهم,والقوانين الوضعية من نتاج العقل البشري وهو ناقص ويتأثر بالاهواء.
إن هذا الكلام غير صحيح نظريا وعمليا لانه :
1- ان الشرائع السماوية اثنتان فقط,الشريعة اليهودية والاسلامية,,ومعلوم ان المسيحية دين بلا شريعة ,والسؤال هو:لماذا خص الله العرب في الجزيرة العربية وبني اسرائيل بالشرائع الالهية وترك اكثر البشر في الهند والصين واوربا وافريقيا وو..بدون شريعة؟و نرى أن ذلك حكمة من الله أراد بها أن يثبت لنا أن الإنسان بعقله يمكن له أن يصل لتشريعات لا تختلف عما أراده الله للإنسانأي أن الله بلغتنا البشرية ديمقراطي أعطى بعض التشريعات للإستئناس بها و ترك للبشرية حرية الإختيار و حرية التشريع..؟

2- انتم تقولون ان الشريعة اليهودية اصبحت قديمة وجاء الاسلام ونسخها او جاء المسيح وابطلها مع انها من الله,الم تصبح الشريعة الاسلامية الان قديمة ولا تفي بالغرض مع كل هذه المتغيرات في ثقافة البشر وعلومهم؟ثم اين الشريعة الاسلامية الالهية لكي نعمل على تطبيقها,هل هي شريعة اهل السنة وهم مختلفون بدورهم الى اربعة مذاهب,او شريعة فقهاء الشيعة وهم ايضا مختلفون فيما بينهم؟

3- ان القانون المدني يتماشى مع حاجات الانسان في كل عصر وهو متغير تبعا لتغير حاجات الانسان وثقافته وتقاليده ويصدر عن توافق العقلاء والنواب الذين اختارهم الشعب لهذا الغرض وبالتالي فهو يحافظ على حرية الانسان لانه ينطلق من داخل الانسان وحاجاته الفعلية المتغيرة اما الشريعة فتأتي من خارجه ومن زمن غير زمانه.وهذا يعني الجمود على القديم وعبودية الانسان للماضي وللفقهاء.

4- اما عمليا فنحن نشاهد تقدم البلدان المتحضرة كاوربا واليابان التي سارت وفق القوانين المدنية في كافة المجالات على عكس البلدان التي قامت بتطبيق الشريعة الاسلامية كالسعودية وافغانستان ايام الطالبان والصومال ايام المحاكم الشرعية,اليست هذه التجارب كافية في اثبات بطلان المقولة المذكورة.؟

5- اذا كانت القوانين المدنية نتاج العقل البشري الناقص فالشريعة بدورها نتاج عقل الفقهاء الناقص اي هي بشرية ايضا وان نسبها الفقهاء زورا وبهتانا الى الله,والدليل اختلاف الفقهاء في جميع مسائل الشريعة واحكامها حتى اختلط الحابل بالنابل
والبشري بالالهي.

6- ان القوانين المدنية لا تسن اعتباطا وبدافع الاهواء كما يتهمها الكتاب الاسلاميون بل تستند الى المصلحة العامة وحقوق الانسان ,وهذه الحقوق فطرية ومقبولة عند جميع شعوب العالم وبالتالي يمكن القول بانها الهية ايضا,اي كما يقال عن احكام الشريعة بانها الهية لانها تستند الى القران والسنة(رغم اختلاف الفقهاء في الفتاوى) فكذلك يمكن القول بان القوانين المدنية الهية ايضا لانها تستند الى الحقوق الفطرية التي اودعها الله في الانسان وصادرة عن رضا الناس وتوافقهم من خلال نوابهم وبطريقة العقد الاجتماعي وقد اكد القران على وجوب الوفاء بالعقود(ياايها الذين امنوا اوفوا بالعقود)المائدة -الاية1.

7-الاشكال المهم هنا هو:من قال ان هذه الشريعة مستمرة الى هذا العصر وليست خاصة بذلك العصر ؟الفقهاء هم الذين قالوا ان الخطابات القرانية وان كانت موجهة للحاضرين الا انها تشمل الغائبين ايضا,وربما هذا الكلام صحيح بالنسبة للعقائد وقصص الانبياء والاخلاق وامثال ذلك لا في الاحكام,والا كيف نفسر وجود الناسخ والمنسوخ في احكام القران؟ اذا كانت الاحكام في القران تتغير بفعل تغير الظروف كما يعترف بذلك علماء الاسلام في تبريرهم لوجود النسخ في القران من قبيل نزول ايات الجهاد وقتال الكفار في المدينة وبعد امتلاك المسلمين للقوة ,فكيف يعقل بقاء الاحكام اكثر من اربعة عشر قرنا بدون نسخ مع كل هذه المتغيرات العظيمة التي شهدتها المجتمعات البشرية على كافة المستويات؟ اليس من العقل القول بان هذه الاحكام كانت ناظرة الى حل مشاكل ذلك العصر وذلك المجتمع العربي في الجزيرة العربية لا الى جميع العصور والمجتمعات البشرية؟ وهذا يعني ان هذه الاحكام جاءت مؤقتة في نفسها ومشروطة بظروف تخصها فلما تغيرت الظروف انتهت صلاحيتها بنفسها فلا حاجة لنزول قران لينسخها......والرأي اليكم