مراكز البحوث الأمريكية أو مصانع صنع القرار

سالم لعريض
2014 / 3 / 16

هي مراكز في أحضان CIA
حتى و إن تظاهرت بالإستقلالية و الحيادية فإن هذه المراكز تعيش في أحضان وكالة المخابرات الأمريكية أو البنتاغون و يعمل بها خبراء كبار مرتبطين بالإدارة الأمريكية و البنتاغون وبوكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية CIA منهم دانيال بيمان خبير بشؤون الإرهاب في الشرق الأوسط من جامعة جورج واشنطن ومنهم كينيث آم بولاك، خبير بشؤون الأمن القومي، الشؤون العسكرية والخليج العربي، الذي عمل في مجلس الأمن القومي ووكالة الأستخبارات المركزية CIA، ومنهم بروس ريدل مختص في مكافحة الإرهاب الذي شغل منصب مستشار كبير لدى أربعة رؤساء أمريكيين حول الشرق الأوسط وجنوب آسيا في مجلس الأمن القومي وإشتغل لمدة 29 عاماً في وكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية CIA و غيرهم من عملاء الـCIA و البنتاقون
لكن هذا لا يعني أن كل مصانع الأفكار التي تتمحور حول جماعات المصالح الخاصة تكشف عن هذه الهوية بهذاالوضوح، ولعل هذا يتمثل بشكل خاص في مصانع الأفكار الموالية لإسرائيل،ومن الضروري أن نميز هنا بين مستويين: مستوى الولاء لإسرائيل ومستوى التأييد لإسرائيل، هناك مصانع أفكار يفترض انها تعمل في إطار المصالح العامة، لكنها تدين بولاء خاص لإسرائيل يتضح في تخصصها في قضايا معينة.

على سبيل المثال هناك مصنع الأفكار الإسرائيلية في قلب العاصمة الأميركية الذي أطلق عليه مؤسسوه "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" وهو اسم لا يوحى بانحياز ما، هذا المعهد يفرض التعامل معه على أنه يقع تماماً خارج إطار اللوبي اليهودي و اللوبي الصهيوني أو اللوبي الإسرائيلي، يتعامل مع الجماعات النخبوية الفكرية والسياسية والإعلامية وتتعامل معه على أنه من مصانع الأفكار ذات التوجه للمصلحة العامة، مع ذلك فإن اختياره لموضوعاته – في مطبوعاته وندواته وحلقاته النقاشية – يكشف عن بؤرة إسرائيلية في هذا كله.

لكن غطاء التوجه إلى الأميركيين وكأنه معهد معني بقضايا المصالح العامة، يفيد معهد واشنطن في فتح أبوابه لباحثين ولِمنحَ زمالة ولمناصب معينة لمشاركين في أنشطته حتى من بين المثقفين والمنظّرين العرب ونظرائهم المسلمين من بلدان غير عربية، وهذا أمر ما كان ليتاح له لو أنه خرج إلى الوجود وأدى دوره على غرار لجنة الشؤون العامة الأميركية – الإسرائيلية (المشهورة باسم الايباك AIPAC) أو على غرار "اللجنة اليهودية ـ الأميركية" أو "المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي
ويمكن لأي متتبع وباحث في الشؤون السياسية و الإستراتيجية الأمريكية ان يلاحظ تأثير دور المراكز البحثية او ما يسمى بالبيوت الفكرية الأمريكية او صوامع التفكير الاستراتيجي (think tanks ) ودورها في صنع الإستراتيجية الأمريكية سيما بعد تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991 وحتى في المرحلة التي سبقت التفكك ، وما جلبته هذه الأحداث من فرصة لإعادة تنشيط وتطوير الأفكار وإعادة صياغتها وتطبيقها على الساحة الدولية ، اذ تعد المراكز البحثية أمثال مركز (اميركان انتربرايزر) و مؤسسة ( واشنطن للشرق الأدنى) و مؤسسة (مشروع القرن الأمريكي الجديد) ومؤسسة (راند) ومؤسسة (هيرتيج) و معهد دراسة الحرب Institute for the Study of War و معهد ويلسون The Wilson Center و مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية CSIS و المجلس الأميركي للسياسة الخارجية American Council on Foreign Policy وغيرها من المؤسسات التي تحسب وتصنف بعضها على تيار معين كتيار المحافظين الجدد أو تيار المدرسة المثالية و الواقعية أو الأحزاب السياسية الموجودة في الولايات المتحدة الأمريكية ، والتي تعمل على إصدار تقارير إستراتيجية دورية و سنوية تسمى بالمراجعات الإستراتيجية على شاكلة المرجعات الإستراتيجية التي تجريها الإدارة الأمريكية على وثائق الأمن القومي كل أربعة أعوام .
مراكز بحوث أمريكية بعقول عربية
لا جديد إن قلنا إن مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية تشكِّل المصدر الأساسي للمعلومات التي تهمّ صنّاع القرار في العالم، وتساعدهم بالتالي على بلورة خيارهم السياسي النهائي، والفصل فيه.
وفي الولايات المتّحدة والاتّحاد الأوروبي، ثمة ما يزيد اليوم على 5650باحثاً ومتخصّصاً عربياً، يتوزعون على مراكز التفكير والدراسات Think Tanks فيها، بما في ذلك الجامعات طبعاً،
والتي تضمّ بدورها مراكز بحثية مهمّة جداً، تؤدّي الأدوار والوظائف نفسها التي تضطلع بها نظيراتها خارج الأسوار الأكاديمية.. حتى غدت هذه المراكز اليوم بمثابة مجتمعات بحثية متعدّدة الخلفيات الفكرية والثقافية.
وإذا كانت بريطانيا هي السباقة في استحداث مراكز التفكير في أوروبا وعلى مستوى العالم، من خلال “هيئة فابيان البحثية” التي تأسّست في لندن العام 1884، واضطّلعت بأدوار استراتيجية مهمّة لمرجعياتها، فإنّ مؤرّخي الأفكار يُجمعون على أن أول نشأة فعلية لمركز تفكير حديث، متكامل الأدوار والأبعاد، كان مركز بروكنغز الأميركي الذي تأسّس في واشنطن العام 1916.
وفي مطالع السبعينيّات من القرن الماضي بدأت مراكز التفكير تتكاثر كالفطر في العالم، وبلغت أقصى نموّها في العام 1996، بمعدل ولادة 160 مركز تفكير في العام الواحد، ليتقلّص هذا النموّ وتتباطأ وتيرته بعد العام 2000. وقد أحصت دراسة صادرة عن “مؤسّسة بحوث السياسات الخارجية” التابعة لجامعة بنسلفانيا تحت عنوان: “التصنيف العالمي لمراكز التفكير” 6480 مركز تفكير حول العالم، وذلك وفق النسب الآتية: 35% في أميركا الشمالية، 29% في أوروبا،18% في آسيا.. وفي أميركا الجنوبية وجزر الكارييب 12% وفي أفريقيا 8% وفي الوطن العربي 4% وفي استراليا 1%.
تتباين مراكز التفكير في الغرب بأهمية أدوارها وأحجامها، وتأثيراتها على السياسات الخارجية لبلدانها. لكنّها في الولايات المتّحدة تظلّ سبّاقة على ما عداها في هذا التأثير من جميع المراكز، حتى لقد قيل “إن مراكز الأبحاث الأميركية تعطي دروساً في السياسة الخارجية ليس لبلادها فقط، وإنما لسائر البلدان المركزية في العالم”.
ريادة مجيد خدوري
من أبرز مصانع الأفكار الأميركية المركزية مركز “بروكينغز”، “معهد واشنطن لسياسية الشرق الأدنى WINEP”، و”معهد أميركان انتربرايز انستيتيوت” و”ميدل إيست فوروم MEF”، و”مؤسّسة راند”، و”مؤسسة كارنيغي”، و”معهد هدسون”… علاوة على أشهر مراكز التفكير التابعة لجامعات أميركية مثل “هوفر إنستيتيوشن” الملحق بجامعة ستانفورد، و”مركز بلفير للعلوم والشؤون الدولية”، و”مركز التنمية الدولي” التابعان كلاهما لجامعة هارفرد، و”مركز الشرق الأوسط” في جامعة جون هوبكنز.. إلخ.
وكان أول باحث عربي أسّس أول مركز للدراسات في الولايات المتّحدة يُعنى بشؤون الشرق الأوسط، هو البروفسور العراقي مجيد خدوري (1908- 2007) الذي هاجر في مطالع الثلاثينيّات إلى الولايات المتّحدة وانتسب إلى جامعة شيكاغو ونال فيها شهادة دكتوراه عن أطروحته: “الانتدابات في عصبة الأمم”. وقد اختارته الحكومة العراقية ليكون عضواً في الوفد العراقي إلى المؤتمر التأسيسي للأمم المتّحدة في سان فرنسيسكو العام 1945.
وفي خمسينيّات القرن الفائت عرف مركز بروكينغز العديد من الباحثين العرب من بينهم الّلبناني الدكتور جورج سمير دفوني، الذي قدّم دراسات حول “ضرورة أن نفهم نحن كمجتمع أميركي مركّب، طبيعة السياسات في مجتمعات مركّبة أخرى.. علينا أن نستفيد عميقاً هنا من تاريخ الدولة العثمانية التي كانت تجمع أعراقاً وديانات ومذاهب وثقافات متناقضة في مجتمع متماسك واحد، عَرف كيف يصنع حضارة عظيمة كانت الأقوى والأغنى في القرنين الخامس والسادس عشر الميلاديّين”.
فرق البحث و تخصصها
بعد حرب العام 1967وتعاظم دور مراكز البحث الأميركية في أوائل السبعينيّات من القرن الماضي وتكاثرها، نالت منطقة الشرق الأوسط حصّة الأسد من اهتمام السياسات الخارجية الأميركية، نظراً لمصالح الولايات المتّحدة فيها كقطب دولي مركزي مع الاتّحاد السوفياتي السابق وتقاسم النفوذ بينهما في منطقتنا، وفي غير مكان في العالم. وبعدما أفشلت إسرائيل كلّ مساعي السلام مع العرب، وأصرّت على التوسع على حساب الفلسطينيّين وإبادتهم.. وبعد أحداث 11سبتمبر الرهيبة، وغزو العراق، وقيام الثورات العربية، أغلبهم ذهب للاصطفاف على يمين المحافظين الجدد ومنهم من لم يتورّع عن الدعوة لجمع تبرعات لدعم المستوطنين في القدس.
نذكرأيضا جيمس زغبي مؤسّس “المعهد العربي- الأميركي”. وقد صار لاحقاً المدير التنفيذي “للّجنة العربية الأميركية لمكافحة التمييز العنصري و رضوان المصمودي حلقة الربط بين أمريكا و فروع الإخوان المسلمين في تونس و ليبيا و الجزائر...(رئيس مركز دراسات الإسلام والديموقراطية )
وهناك أيضاً كبير الباحثين في معهد هدسون الأميركي الّلبناني الأصل الدكتور حسن منيمنة الذي راح يفكّك للعقل الغربي مسألة الإرهاب الذي تمثله القاعدة، عاقداً مقارنة بين ما قام به بن لادن وأيمن الظواهري وغيرهما من قادة القاعدة وبين ما قام به التونسي محمد البوعزيزي الذي “تمكّن من خلال احتجاج شخصي أن يطلق ثورة أصبحت مثلاً أعلى تحتذي به الشعوب العربية”.
هشام شرابي في جورج تاون
في العام 1975أسّس المفكّر والأكاديمي الراحل هشام شرابي (من أصل فلسطيني) “مركز الدراسات العربية المعاصرة” في جامعة جورج تاون وشاركه في التأسيس الأكاديمي الأميركي الدكتور مايكل هيدسون.
ومن مهام المركز أيضاً تزويد الباحثين والأكاديميّين بأهمّ الدراسات السياسية والسوسيولوجية والاقتصادية والثقافية التي تخصّ العالم العربي. كما يتيح المركز فرصة تعلم اللغة العربية وإتقانها.. وقد تحوّل أمر تعلّم العربية إلى واحد من الشروط الأساسية للحصول على شهادة التخرّج بجدارة من المركز الذي تعتبره جامعة جورج تاون جزءاً لا يتجزأ من فروعها الأكاديمية الراسخة.
كما ينظم المركز محاضرات وندوات خاصة بالشرق الأوسط.. بالإضافة إلى مؤتمر سنوي يتناول أبرز التطورات السياسية والأمنية في العالم العربي.
تجدر الإشارة إلى أن الهيئة الاستشارية “لمركز الدراسات العربية المعاصرة” تضمّ أسماء أميركية مرموقة سياسياً وأكاديمياً، مثل مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية السابقة وكينيث بولاك مدير شؤون الخليج في مجلس الأمن القومي، وروبرت بيلاترو مساعد وزير الخارجية الأسبق.
وهناك الكثير من الباحثين الأميركيّين العرب في “مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي” يتقدّمهم نائب الرئيس للدراسات فيها، والمشرف على أبحاث كارنيغي في واشنطن وبيروت حول شؤون الشرق الأوسط، الوزير الأردني الأسبق مروان المعشر، والذي يضطّلع بدور مركزي في وضع مبادرة السلام العربية وخارطة الطريق الخاصة بالشرق الأوسط

جيوش من البروفسورات
وتعتبر “راند” من مراكز التفكير الأميركية المتخصّصة تقريباً بالقضايا العسكرية والأمنية، وهي تساعد وزارة الدفاع في برامج تتعلّق بالتخطيط العسكري ونظم التسليح الجوّي وتقنياتها المتجدّدة. وفيها باحثون عرب مختصّون بهذه الشؤون، يقف في الطليعة بينهم اللبناني بيتر جون عواد الذي يرى “أن على الولايات المتّحدة أن تطوّر أكثر تجاربها في مجال صناعة الطائرات من دون طيار. فهي الأفعل والأقلّ خسارة في حال اصطيادها. كما يمكن التحكّم بها أكثر من أيّ طائرة حربية أخرى يقودها طيار بشري”.
ومن وجهة نظر خبراء عسكريين أميركيين تعتبر تجارب بيتر البحثية العلمية “الأكثر إسهاماً من سواها في تطوير اختراع الطائرة من دون طيار وذلك في الإطار التي هي عليه اليوم”. كما يشتغل بيتر أكثر هذه الأيام على مواصفات الطيار الآلي ليصير أكثر ذكاء.
وبيتر عواد مثل غيره من كارهي الحروب الأميركية، يخاف من تطوّر حروب الروبوتات في الشرق الأوسط. فأميركا تسستخدم في حروبها في باكستان وأفغانستان يومياً تقريباً “طيور الموت” المعدنية هذه. وهي تمتلك في قواعدها حول العالم ما يزيد على 10 آلاف طائرة من دون طيار ونحو 15 ألف روبوت.
وقد تسلّلت صناعة الطائرات من دون طيار هذه إلى إسرائيل منذ سنوات طويلة فطوّرتها بدورها حتى غدت أكثر دقة وفتكاً، خصوصاً عندما استخدمتها في حربها على غزة
أهمية الدور الذي تلعبه المراكز الفكرية في صياغة ومحاولة توجيه السياسة الخارجية في الولايات المتحدة و التخطيط الاستراتيجي لهذه السياسات ، اذ يوجد عدد من المؤسسات الفكرية المتخصصة في الشؤون الإستراتيجية الإقليمية والدولية ،التي تصوغ للإدارة الأميركية مشاريع إستراتيجية يأخذ بعضها طريقه للتطبيق.وتزود هذه المراكز القادة السياسيين في الولايات المتحدة بالبحوث والدراسات في كافة أمور التخطيط الاستراتيجي للسياسة الخارجية مما يجعل قضية دراستها و البحث فيها أمر يدعو للأهمية سيما و أنها برزت بشكل ملفت للعيان بعد تفكك الاتحاد السوفيتي رسميا عام 1991.اذ يقول) دونالد آبلسون) ، أُستاذ العلوم السياسية في جامعة (ويست أونتاريو) ومؤلف كتابين عن مؤسسات الفكر والرأي ، إنه في حين أصبحت مؤسسات الفكر والرأي، في السنوات الماضية "ظاهرة عالمية"، فإن المؤسسات الأميركية تتميز عن نظيراتها في البلدان الأخرى بقدرتها على"المشاركة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في صنع السياسة داخليا و خارجية" و بإمكان صانعي السياسة إلى العودة إليها للمشورة السياسية.
هذه المؤسسات لا تعرف نفسها بأنها مصنعا لصنع القرار(Think Tanks) في وثائق تعريف الهوية الذاتية ، وإنما تعلن عن نفسها كمنظمات غير حكومية (NGO) أو منظمات غير ربحية (non profit organization)، وهذا بالذات يعد احد التعريفات التنظيمية المعترف بها في القانون الأمريكي (1) ، ففي تعريفه لمراكز الفكر ، يشير (جولد شميتز) الى ان مركز الفكر هو عبارة عن مؤسسة تعنى بتوليد الأفكار والبحث والتعليم والتثقيف وتسهم في صناعة السياسات ، وهي كل مؤسسة لديها قيادة ذات طاقات تخيليه فكرية إبداعية تسهم في بلورة خيارات واقعية لها جذور فكرية للسياسات والبرامج والخدمات التي تقدمها (2)، ولكن على الرغم من هذه الإشكالية بخصوص هوية هذه المراكز هناك عدة تعريفات لهذه المراكز نحاول في هذه الورقة أن نعرض بعضاً منها ، فتعرفها الموسوعة المجانية المعروفة بنسختها البريطانية (Wikipedia) بأنها، أية منظمة أو مؤسسة تدعي بأنها مركز للأبحاث والدراسات أو كمركز للتحليلات حول المسائل العامة والمهمة (3).
ويعرفها بعض الكتاب والباحثين بالاتفاق على عمومياتها حول ان هذه المؤسسات تمثل أي منظمة تقوم بأنشطة بحثية سياسية تحت مظلة تثقيف وتنوير المجتمع المدني بشكل عام، وتقديم النصيحة لصناع القرار بشكل خاص ، وفي تعريف آخر تعد مراكز التفكير بأنها تلك الجماعات أو المعاهد المنظمة بهدف إجراء بحوث مركزة ومكثفة وتقدم الحلول والمقترحات للمشاكل بصورة عامة وخاصة في المجالات التكنولوجية والاجتماعية والسياسية والإستراتيجية أو ما يتعلق بالتسلح (4) ، و إذا ما ابتعدنا عن المفهوم وشرحه ، فقد انتشرت مراكز الأبحاث الفكرية والسياسية في العالم و الولايات المتحدة تحديداً بشكل كبير منذ بداية السبعينيات من القرن الميلادي الماضي ، وظهر تأثير هذه المراكز في صناعة القرار الخاص بالسياسة الخارجية الأمريكية بشكل واضح وملموس في السنوات الأخيرة ، ويبلغ عدد المؤسسات الفكرية في الولايات المتحدة الأمريكية بحسب بعض الإحصاءات ما يزيد على 1200 مركز ومؤسسة ، تضم هذه المراكز مجموعة متخصصة من الأكاديميين والسياسيين الذين يشتركون في الاهتمام بمجموعة من المواقف والقضايا السياسية العامة(5)، ويعملون بشكل منظم من أجل التعريف بهذه القضايا ، و يقسم الباحثون المراكز الفكرية في الولايات المتحدة الأمريكية إلى تصنيفات عديدة تختلف من حيث موضوعيتها :
1. مؤسسات تابعة للجامعات مثل مؤسسة بحوث الشرق الأوسط التابعة لجامعة كولومبيا.
2. مؤسسات بحثية تميل لأحد الحزبين الرئيسين في الولايات المتحدة الأمريكية مثل معهد بروكنجز(Brookings Institution) الذي يميل إلي الحزب الديمقراطي و مؤسسة هيرتيج (Heritage Foundation) التي تميل إلي الحزب الجمهوري.
3. مؤسسات تابعة لهيئات حكومية مثل جامعة الدفاع الوطني (Nation Defense University ) ومركز بحوث الكونجرس ( congressional Research Service).
4. مؤسسات بحثية تابعة لمؤسسات خاصة كبرى مثل مؤسسة كارينجي للسلام الدولي Carnegie Endowment For International Peace
5. المؤسسات التقليدية للسياسة الخارجية مثل مجلس العلاقات الخارجية Council Of Foreign Relation
6. مؤسسات متخصصة مثل الجمعية الوطنية للعلوم السياسية American Political Science Association
7. المؤسسات التابعة للوبي الصهيوني مثل اللجنة الوطنية اليهودية الأمريكية (American Jewish Committee).و لجنة العلاقات العامة الأمريكية الإسرائيلية "إيباك"(Israel-American Public Affairs Committee). الإيباك وهي لجنة الشئون العامة الأمريكية الإسرائيلية وأسباب قوتها كمنظمة تقوم بعمل الضغط السياسي (اللوبي) لمصلحة إسرائيل وذات كلمة مسموعة ومؤثرة على صانع القرار السياسي الأمريكي
8. مؤسسات مرتبطة بهيئات معارضة للسيطرة الأمريكية و معظمها من اليسار مثل (Nation Pacifica) و اليمين المعارض مثل لاروش.
9. مؤسسات أخرى تدخل ضمن المؤسسات البحثية التابعة للكنائس و الهيئات الدينية و الأقليات القومية و العرقية و اللغوية و الناشطين السياسيين و الاجتماعيين .
10. مؤسسة راند

ليس مصادفة ابدا ان أحد اكبر مصانع الافكار الاميركية هو مؤسسة راند RAND راند هي الاسم الذي يكاد يكون في الادبيات الاميركية مرادفا لتعبير "مصنع أفكار"، كما نقول "كوداك" بالنسبة للكاميرا وسنجر لماكينات الخياطة، وشال للبنزين. وقد بدأت راند كمشروع تابع لمؤسسة كان اسمها "دوغلاس لصناعة الطائرات"، قبل اندماجها مع شركة مماثلة اخرى لتصبح ماكدونالد دوغلاس المؤسسة العملاقة في مجال الصناعات الحربية. ولم تلبث راند ان اصبحت مؤسسة بحثية " مستقلة" وأرجو التنبه هنا الى ما تنطوي عليه صفة "مستقلة" من خداع.

فهي ليست مستقلة ايديولوجيا ولا ماليا أوعمليا بأي حال عن المؤسسة الأم التي أنجبتها. مؤسسة " راند" لا تزال في القسم الاكبر من انشطتها كمصنع افكار تنفذ دراسات ومشروعات بحثية لحساب وزارة الدفاع الاميركية وبصفة اخص بعقود مباشرة مع السلاح الجوي الاميركي... مع انها قد مدّت أوجه بحثها حتى اصبحت تشمل موضوعات من الصحة الى السكان والاسكان حتى استراتيجية الأمن القومي وتوسيع حلف الأطلسي... والحرب الالكترونية ...الخ. لهذا يبلغ عدد التقارير البحثية التي تنشرها راند سنويا نحو 350 بحثا. ومن الصعب ـ لاعتبارات أمنية ـ معرفة عدد العاملين فيها أو ميزانيتها العامة!

لا بد ان نعرف ـ إذن ـ ان راند، هذا الاسم المكون من اربعة حروف فقط والذي لا يعدو ان يكون هو اسم رجل الاعمال الاميركي الذي اسس راند في عام 1948 قد لعبت دورا في التخطيط لحرب اميركا على العراق واحتلاله، وتلعب الآن دورا في محاولة توجيه القرار الاميركي بشأن ما ينبغي عمله في التصدي للتحديات التي يواجهها هذا الاحتلال. فان مؤسسة راند تنقسم الى اربعة اقسام بحثية رئيسة: الأول لا يزال يحمل اسم "مشروع السلاح الجوي"، والثاني هو قسم بحوث الأمن القومي، والثالث قسم بحوث الجيش والرابع هو قسم البحوث المحلية وفي تسمية أخرى "معهد بحوث العدالة المحلية"، وهذا المعهد يوجه بحوثه نحو العلوم السلوكية والاقتصاد والإحصاء وعلوم المعلومات... ويركز بشكل خاص على البحوث المتصلة بأحداث العصيان المدني وكيفية التصدي لها في حالة تصور سيناريوهات متباينة لوقوعها في المدن الأميركية أو في البلدان التابعة لأمريكا أوخلقها في البلدان المعادية لها في ظل ظروف افتراضية.
يمكن لأي متتبع وباحث في الشؤون الإستراتيجية الأمريكية ان يلاحظ مدى تأثير دور المراكز البحثية و الإستراتيجية او ما يسمى بالبيوت الفكرية الأمريكية (think tanks ) أثرها في صياغة السياسة الخارجية الأمريكية لاسيما بعد تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991 ، وما جلبته هذه الأحداث من فرصة لإعادة تنشيط وتطوير الأفكار وإعادة صياغتها وتطبيقها على الساحة الدولية و التخطيط الاستراتيجي للسياسة الخارجية.
ومنذ حربي أفغانستان و العراق أصبحت الأبحاث أكثر تركيزا على إنتاج أفكار وتحليلات من شأنها أن تؤدي لتطوير، بل وإعادة مراجعة العلاقات بين الغرب والعالم الإسلامي وكيفية إحداث التوازن بين اليقظة ضد الإرهاب وبين حماية الحريات المدنية ، وكذا الصراع العربي الإسرائيلي والحاجة لتبني أساليب الدبلوماسية التقليدية مع الأخذ في الاعتبار موضوع ظهور لاعبين خارج حدود الدول القومية، وكذلك النقاش حول الضربات الوقائية لإجهاض التهديدات من إرهابيين والدول التي تساندهم وكذا تطوير إستراتيجية عالمية لعالم ما بعد الحرب الباردة ومستقبل عدم التسلح وقضية أنظمة الصواريخ الدفاعية.
أن دور مراكز الفكر قد صار مركزيا وهاما لأنها أصبحت المصدر الرئيس للمعلومات والخبرات لصانعي السياسات بل والصحفيين أيضا و بالتالي صارت هذه المراكز و المعاهد من أهم أدوات التخطيط الاستراتيجي الأمريكي في القرن الحادي و العشرين ، ذلك أن تقاريرهم وتحليلاتهم يتم الاعتماد عليها بشكل أساسي لإرشاد أعضاء الكونجرس في رسم السياسات التشريعية وللصحفيين في كتابة تقاريرهم و للإدارة الأمريكية في رسم تطلعاتها المستقبلية فيما يخص السياسة الخارجية .
فعلى سبيل المثال : إن معهد بروكينجز عادة ما يشار إليه بوصفه جامعة بدون طلاب والمعهد يتضمن حوالي 75 زميلا بعضهم مندوب من جامعات وأبحاثهم عادة ما يتم مراجعتها أكاديميا و تقديمها لوزارة الخارجية و وزارة الدفاع و مؤسسة الرئاسة.و بعض الباحثين ببروكينجز يلقبون بـ ممارس أكاديمي وهو لقب عادة ما يطلق على الباحثين الذين يقبلون بوظائف في الحكومة، اذ يكون بإمكانهم أن يختبروا نظرياتهم وما توصلوا إليه من استنتاجات على أرض الواقع.وفي بروكينجز هناك أكثر من 12 باحث خدموا في وزارة الخارجية ومجلس الأمن الأن القومي (فمارتن إنديك) مدير مركز سبان لدراسات الشرق الأوسط كان يشغل منصب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الوسط وخدم فترتين كسفير لأمريكا في إسرائيل (17 ).
و من الشواهد الأخرى التي يمكن ان نتلمس اثر مراكز الدراسات الإستراتيجية الأمريكية و اثرها في التخطيط الاستراتيجي و صنع و اتخاذ القرار هو عندما قام الرئيس السابق جيمي كارتر بعد انتخابه عام 1976 بتعيين خبراء من مؤسسة بروكنغز و مجلس العلاقات الخارجية في حكومته و بعدها بأربع سنوات استعان رونالد ريغان بمئة و خمسون شخصا" من مؤسستي هيرتيج و هوفر ، و معهد انتربرايز.
و ايضاً ما قام به الرئيس رونالد ريغان حين تبنى إستراتيجية الدفاع بواسطة الصواريخ البالستية التي شغلت قبل تبنيها من قبل ريغان ، مكانة عليا في قائمة القضايا التي استحوذت على اهتمام مؤسسة هيرتيج (التراث) ، و اتضح ذلك حين قام ريغان إلقاء خطاب في آذار/مارس 1983، الذي أُنشئ بموجبه برنامج مبادرة الدفاع الاستراتيجي. فدراسة "الحدود العليا" التي رعتها مؤسسة هيرتيج ، والتي دعت فيها إلى نشر نظام دفاع فعّال من الصواريخ الباليستية كانت قد صدرت منذ عام 1982 وتبناها فيما بعد الرئيس السابق رونالد ريغان.

من جانب اخر ، يمثّل النقاش حول توسيع الحلف الأطلسي في بداية التسعينات و تحيديداً في مرحلة رئاسة بوش الاب من القرن الماضي ، إحدى هذه الانجازات التي تولدت في عقول مراكز الدراسات الاستراتيجية الامريكية و عملت على تطويرها ، فقد لعبت مخازن التفكير دوراً أساسياً في تطوير وتعزيز التأييد لقرار الولايات المتحدة توسيع الحلف كجزء من إستراتيجية أشمل لإلغاء تقسيم قارة أوروبا الذي جاء نتيجة للحرب الباردة، وإقامة أوروبا كاملة غير مقسمة ومن اهم تلك المراكز هو معهد هوفر.
وفيما يخص فترة رئاسة بيل كلنتن ،فقد سعت دوائر و مؤسسات بحوث و مخازن للتفكير إلى محاولة إقناع الرئيس بل كنتون باستبدال سياسة الاحتواء المتبعة مع الحكومة العراقية حينها ، إلى سياسة تغيير النظام بالكامل،اذ قدم مجموعة من خبراء مركز بحوث القرن الأمريكي الجديد (PNAC) رسالة إلى الرئيس بل كلنتون بهذا الشأن.و قد تحولت الرسالة إلى مشروع عمل للمنظومة السياسية الأمريكية حيث صدر عن الكونغرس الأمريكي حينها ما سمي بـ (قانون تحرير العراق) ( 18).
اما في رئاسة جورج وكر بوش الأولى و تحديداً في مرحلة ما قبل احداث 11 ايلول 2001 و ما بعدها ، اجتمع لمدة عام كامل أكثر من مئة شخصية تعرف بمجموعة عمل الرئاسة بينهم إعلاميين و خبراء مراكز أبحاث و مسؤولين أمنيين و عسكريين و سياسيين سابقين مرموقين ، و عقدت عشرات الندوات و أجريت زيارات لمختلف دول العالم لوضع خطة عمل الرئاسة للسنوات الأربع و هو ما بات يعرف بـ (تقرير هيئة الرئاسة) ، الذي تضمن خطط و تكتيكات جديدة للتعامل مع قضايا القرن الحادي و العشرين كالإرهاب و إعادة هندسة الشرق الأوسط الكبير وفقاً للرؤية الأمريكية و جعل العراق اليه من آليات الانطلاق تجاه باقي المناطق و فقاً لخطط منظمة و مدروسة سلفاً .
بعد انتهاء الدراسة قدم لبوش تقرير مطول عرف باسم (ملاحة في بحر مضطرب) شخص الواقع الدولي ، بما فيه الشرق الأوسط و قدم خريطة طريق لإدارة العالم تضمنت خططاً و خطط بديلة لكل قضية و مفصل و كيف تدار لما فيه مصالح الأمن القومي الأمريكي بكل أبعاده و الشروع بانتهاج أسلوب الضربات الوقائية و الاستباقية.
ذلك التقرير الذي جعلت رصانته و عمق التحليلات و الأفكار التي احتوها الرئيس شبه ملزم بإتباعه و قد صيغت على هديه الكثير من القرارات ، و ما أن انتهت فترة السنوات الأربع التي خصصت لأعداده و تنفيذه (2001 – 2004) حتى كانت نخبة مماثلة تنهي تقريرها الثاني باسم تحديات الإصلاح و الأمن القومي والسلام لفترة الرئاسة الثانية (2005-2008) (19).
ومن بين هذه الأفكار التي تم توظيفها و التخطيط لها في الولاية الثانية للرئيس الامريكي جورج وكر بوش و من خلال بيوت الفكر الأمريكي هو تكتيك الفوضى الخلاقة ، اذ تمثل المراكز البحثية و الدراسات الإستراتيجية احد اهم المصادر الأمريكية بالتخطيط الاستراتيجية و صياغة سياسة خارجية للولايات المتحدة الأمريكية ((مثال مركز (اميركان انتربرايزر) و مؤسسة ( واشنطن للشرق الأدنى) و مؤسسة (مشروع القرن الأمريكي الجديد) ومؤسسة (راند) ومؤسسة (هيرتيج) وغيرها من المؤسسات التي تحسب وتصنف بانها ذراع من اذرع المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية )) .
و على سبيل المثال : تعد مؤسسة (اميركان انتربرايزر) من أهم المؤسسات البحثية التي شاركت في بلورة و إعطاء هذا الزخم الكبير لهذا المصطلح - الفوضى الخلاقة - الذي شاركت في بلورته عن طريق عقد مجموعة من الندوات والمحاضرات وحلقات النقاش العلمية التي شارك فيها مجموعة ليست بصغيرة من الباحثين والمختصين بالشؤون الأمريكية الداخلية والخارجية ،ومن مختلف الاختصاصات،إذ تم تكوين هذا المصطلح بعناية تامة وبرؤى معمقة و نابعة من العقلية الفكرية الأمريكية البرغماتية التي تعد المصلحة الأمريكية فوق كل شي بغض النظر عن الطريقة أو الوسيلة لتحقيق تلك المصلحة (20) .

و من مجمل ما تقدم يمكننا ان نستنتج ان للمراكز البحثية الإستراتيجية الأمريكية او ما تسمى ببيوت الفكر او (صوامع التفكير الاستراتيجي) اثر ملموس و واضح على السياسة الخارجية الأمريكية و طبيعة توجهاتها و الأدوات التي تستخدمها في تنفيذها وعلى هذا نؤكد ما جاء في الفرضية الرئيسة التي طرحناها في أعلاه و استنتجنا الأتي من كل ما سبق :

1- تأكيد تواصل مراكز البحوث و الدراسات الإستراتيجية في الولايات المتحدة مع مواقع صناعة القرار و مواقع العمل السياسي و الدبلوماسي لتبادل الأفكار و الخبرات و تبني المشاريع و الدراسات التي تتعلق بالإستراتيجية الأمريكية و بأمن الولايات المتحدة القومي .
2- تبني الإدارة الأمريكية عدد ليس بقليل من المشاريع و التكتيكات الإستراتيجية التي تطرحها مثل هكذا مراكز و تعد بمثابة مراجعات لتقييم عمل الإدارة الأمريكية و إضافة الى تقديم المقترحات من قبل هذه المركز الى الإدارة الأمريكية .
3- استقطاب و استخدام الطاقات الأمريكية ذات الخبرة العالية و الإبداع في المجال الوظيفي في حلقات و دوائر صنع القرار لتشارك في مختلف المراحل في مجالات عديدة لإثراء البحوث و الدراسات و الندوات و الحلقات الدراسية التي من شانها ان تخدم صانع القرار الامريكي.
4- تمكين الطاقات البحثية من الخروج خارج المواقع البحثية الأكاديمية و دعمها للتحرك و الاحتكاك بدوائر صنع السياسة و القرار السياسي و الدبلوماسي الأمريكي .
5- تشجيع الاتصال و تبادل الخبرات فيما بين مراكز و مؤسسات البحوث أفقياً و عموديا و داخليا و خارجيا مع مراكز السلطة و صنع القرار في الولايات المتحدة ..